صيدنايا والعفو الدولية

 

بقلم الدكتور محمد حاج بكري 

مدير مركز أبحاث حركة تحرير الوطن 

اتهمت منظمة العفو الدولية يوم الثلاثاء الواقع في 7/2/2017م  النظام السوري بتنفيذ اعدامات جماعية سرية شنقا بحق 13 ألف معتقل؛ غالبيتهم من المدنيين المعارضين في سجن صيدنايا قرب دمشق، خلال خمس سنوات من عمر الثورة السورية .

ووصفت المنظمة الحقوقية في تقريرها وعنوانه “مسلخ بشري …شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا” أنه خلال عمر الثورة كان يقتاد الأشخاص فرادى وجماعات ، لتأدية واجب الموت شنقًا كرامة لعيون الأسد، وأوضحت المنظمة ذلك من خلال تقرير معمق استند إلى شهادات حية من خلال مقابلات مع حراس سابقون في السجن، ومعتقلون وقضاة ومحامون ….الخ ، بالإضافة إلى أن التقرير أورد أن السجناء يتعرضون للاغتصاب، أو يتم اجبارهم على  اغتصاب بعضهم، وعملية الإطعام  حيث يلقي الحراس الطعام على الأرض المتسخة والمغطاة بالدماء بالإضافة إلى الأطفال الذين تتكسر رقابهم؛ طبعا هذا غيض من فيض عن سجون الأسد وليس سجن صيدنايا وحده .

حقيقة ميزان العدل الدولي إذا اختل اختلت الحياة بأكملها، ولن تستقيم بدونه، فالعدل أمر به رب السماوات والأرض، وأمور الناس لن تستقيم ولا تسير في المسار الصحيح إلا به… لكن هل يحتاج العالم إلى هذه التقارير لتتضح له مجازر الأسد وإرهابه وإجرامه وهل البراميل المتفجرة والغازات السامة والكيماوي تحتاج إلى إيضاح ؟!

قضية الثورة السورية أصبحت منارة للحقوق لتفضح هذا العالم ودعاة الإنسانية وحقوق الانسان؛ ولتُقلم أظافر كذبها وافترائها ، ولتكشف عن سوءاتها وزيفها وادعاءاتها .

أنا هنا أقول أن العالم الذي يقف متفرجا ويسمح بهذا الظلم ويرتضيه إنما سمح وأعطى الضوء لميزان العدل أن يتكسر وأن يحيد من على قاعدته .

سورية… إثم يرتكب بحق البشرية قاطبة فالأسد قدم جميع المبررات التي تصنفه كخارق للقانون هو ونظامه باستخدامه لكافة الأسلحة وحتى المحرمة دوليا تجاه النساء والأطفال والشيوخ العزل.

اليوم يميل ميزان العدل والحق؛ وانكساره وتحطمه يصبح رفض الظلم ومقاومته عمل خارج إطار القانون وهو بالتالي أمر ضد العقلانية والموضوعية، فهناك مجرم يرتكب جريمته بفعل إجرامي مكتمل الأركان ، وهناك ضحية كاملة ولا يوجد فاصل بين الحالتين ، فلولا الأسد ما وجدت إيران وروسيا والمقاومة ليست خيارا للمقاومين بل أمر فُرض عليهم كقدر محتوم ، فرضه واقع الاحتلال والدمار والثائر السوري مقاوم وليس مقاتل وهذه حقيقة .

إن تصريحات العفو الدولية التي أثبتت جريمة صيدنايا على أنها جريمة حرب هي (جبر خواطر) لن يكون لها أي أثر لقلب ميزان العدالة وما هكذا يتم إنصاف الشعوب .

سورية انبثق عنها أزمة ثقة بمجلس الأمن وأزمة شرعية دولية، وأزمة احترام قرار مجلس الأمن؛ والجمعية العمومية للأمم المتحدة، وأزمة رؤساء عرب وعلاقتهم فيما بينهم وبين الغرب ، أزمة ضعفنا العربي والإسلامي ، أزمة إعلام دولي وغربي وعربي عن نقله الإجرام بحجمه الحقيقي وما يجري من انتهاكات بحق الشعب السوري المطالب بالحرية.

يتابعنا العالم بأجمعه ونحن نقصف مدارس وملاجئ وكنائس ومساجد ومناطق سكنية ليصبح الانتصار على الشعب ومطالبه مدعاة للفخر والتباهي، وليلتبس مفهوم وتعريف الإرهاب مع حق الدفاع عن النفس، ولتتبلور أمامنا قضية أخرى هي قضية اسقاط التمييز بين التعريفين.

الموضوع يخص العدالة الدولية التي لم يحظَ السوريون بها (احقاق الحق وتقديم المجرم وعصابته للعدالة )

سورية الأبية ترقد هناك فى وهن, تجمع شتات بقاياها, تلملم شمل الجروح والانكسارات, تُكوى بنار المهانةِ والتخاذل وشرفٌ سُلب، تلفحها نسمات حرائق بالقلب والجسد المُثخن بالجراح، تستجمع بقايا روحها بألم, وهى تحتضر .

 

تستلقى هناك , وحيدة, رافعة يدها للسماء تتضرع بالأولياء وبالأنبياء محمد وموسى واليسوع, ولله وحده, بِكُلِ خشوع, أن يطرد الشياطين من حولها فهي مهرة قوية تؤمن بالله وبالقضاء والقدر.

 

سورية الصامِدة تعيش على أجزاء من رئة تتنفس بها , على أجزاء من روح, وبقايا تلك الروح ترفض التسليم, ترفض الموت أو الانسحاب , ترفض أن ترفع الراية البيضاء ولو على حساب آخر نفس.

كسيحة , قدرها أن ينكرها الأصحاب تتأوه في وجع, لتقتات الجوع والحاجة، ترفض في شموخ أن تمد يدُها المبتورة في كبرياء لتستجدي القوت أو الدواء أو ما يتفضل به الجيران في شكل, درهم أو دينار أو فِلس. والأطفال الصغار يتمرغون على وحل جسدها المُلطخ بتُراب الأرض , يلقون بأنفسهم بهجين أرض التوحد والانتماء , هي أمهم التي بادلتهم الحب والاّلم حيث كانت أول الندبات وأول المحن, نعم أحبوا سورية بقلب مشقق وبقلب أسود قاتم كلون كُل ليلة تمر عليهم بلسعه البرد والجوع والخوف والرعب . معها ومنها تعلم كل طِفل (سوري) كيف يرشف خيبة الأمل , تجاه أمةً بأسرها أعلنت مِلء جوارحها هجر أمومتها لتلك الصابرة (سورية) التي تصرخ آه آه ولا مِن مُستمع. أ ُمٌ ارتسمت على ملامحها خيانة الزعامات والرئاسات والقيادات والفخامات… دنست جسدها أجسادهم الكريهة التي تفوح منها روائح الفُسق والنجس , يرفلون بتيجانهم ونياشينهم وفساتينهم المُزركشةِ, القذرة , لِتُنسل منهم خصياناً وعُمياناً يرتزقون الخيانة والحقارة والمهانة والذلة والجُبن. الكذب شرعهم وفتات الموائد أمانيهم… دونما خجل , أو أن ينبس أحدهم أمام العدو ببنت شفه.

 

الثورة الشامِخة شموخ البحر والجبال , يحفها مِن كُلِ جانب ليُحيطها ويؤطرها بهالة مِن الجمال رغم الدمار ورغم الموت ورغم كُل المِحن. إرادتها اصلب مما كانت قبل ارتكاب الجُرم. تستمد وتتبنى إرادتها مِن مصير بنيها الذين سقوها مِن غِل أنفُسِهم , بدموعهم وبدماء أطفالهم. جادت فسالت حارة , متدفقة من بين أضلعهم لترويها وتسقيها بِكُلِ كرم. سورية تحتضر مُجتازة تلك البوابة من الفناء والخلود , تتألم في صمتٍ وعِزة وصمود.

 

هناك ترقِدُ سورية الكرامة , وشريط طويل, طويل, مِن المأساة يمر بالرأسِ ليدق كناقوس رهيب, يُعرض فيه السجون والاعتقال, والفقر والتجويع وصراخ الثكالى وأنيّن اليتامى من القتل والتقتيل. تفجير وخراب , كل شيء يلفه السواد ويُكلل بإطار مُوحش, لا يعني سوى الدمار. صُور راحت تمر عبر ذاكرة ذلك الجسد المنهوك المضروب والمنهوك والمُمزق بأكثر من هراوة وأكثر من سلاح…. نعم سورية العِزة تحتضر ولكن هل سينتهي بذلك كل شيء؟

 

سورية الصمود … الاحتضار كلمة عذبتها ولا يستسيغها قلبها المُفعم بالقوة والإيمان والأمل… بصمودِ أبنائها     تصرخ أخيراً وعالياً: أنا حية لن أحتضر…تُمزق صرختها سكون الليل رغم هدير القنابل وصوت الدبابات دَون خوفٍ وبِكل كبرياء, تهز صرخة الثورة السورية عنان السماء صارخة: انا صامِده لا لا ابداً لن اموت… وسأنتصر….

 

1 Reply to “                  صيدنايا والعفو الدولية”

  1. يقول احمد الرجب:

    باذن الله سيأتي يومآ وستشرق شمس الحريه شمس النصر وسيقام العدل لان الله امر بالعدل على الارض
    ستعود الحياة اجمل مماكانت عليه بعهد الطغاة

اترك تعليقاً

scroll to top