حقيقة الحل السياسي في سورية

3333

النقيب رشيد حوراني

لا يمتلك النظام السوري سوى قدرته على المناورة والمماطلة، بهدف عرقلة وتعطيل الوصول إلى أي حلّ جدي ، حيث أن بنية هذا النظام وتركيبته تُفقده أية مرونة وقدرة على الاستجابة الفعلية لاستحقاقات العملية السياسية، وهو ما جعله عصياً على الإصلاح السياسي والتغيير الداخلي ووصل به المطاف إلى ما هو عليه الآن ، يدخل المفاوضات لتفريغها من محتواها، مراهناً على عامل الوقت من جهة، وعلى عدم وجود أية جهة دولية أو إقليمية لديها النية الصادقة على لجمه، والضغط عليه لإجباره على التعامل بجدية مع استحقاقات ومتطلبات المفاوضات الجارية والمتعلقة بتحقيق الحل السياسي للمسألة السورية، وهذا يشمل على وجه الخصوص حليفتيه الرئيسيتين، روسيا وإيران، اللتين لا تُقدِمان سوى الشدّ على يديه في كل ما يفعله، أو على الأقل إيجاد المبررات والمسوّغات لأفعاله كافة، والإصرار على التمسّك به.
في ظلّ الوضع الراهن يصعب حدوث أي تقدمٍ نوعي في العملية التفاوضية، حيث لا يبدي نظام الأسد الفاجر أية نوايا إيجابية، ليس تجاه إمكان الوصول إلى قواسم مشتركة مع المعارضة السورية تفسح في المجال أمام صوغ حل مقبول، وقابل للحياة والاستمرار فحسب، بل حتى لمجرد اتخاذ بعض الإجراءات والتدابير التي من شأنها أن تبرهن على حسن نواياه واستعداده للمضي في هذه العملية حتى خواتيمها المفترضة، وحفظ ما تبقى من البلاد .
فبدلاً من تعزيز اتفاق وقف إطلاق النار، وإنهاء استخدام الأسلحة، وتسهيل إمكانية وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، والضغط من أجل إطلاق المعتقلين ، تمهيداً لإنشاء إطار للانتقال السياسي، ووضع مسودة دستور بحلول شهر آب القادم، ما يفترض أن موسكو وواشنطن قد اتفقتا بشأنه قبل الشروع بجولة جنيف الأخيرة من المفاوضات، عملاً بما جاء في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، بدلاً من كل ذلك ها هي الهدنة الدائمة تصل إلى حد الانهيار أو تتحوّل إلى هدنات مؤقتة، في هذه المنطقة أو تلك، و تعود الأسلحة تعود سابق عهدها و مجدها ، فضلاً عن استهداف المشافي والأطقم الطبية وعمال الإغاثة، كما استمرّ كذلك رفض إيصال المساعدات إلى البلدات والقرى المحاصرة، والتي مضى على حصار بعضها قرابة الثلاث سنوات، و استخدام الأسلحة المحرمة دوليا على مرأى العالم وسمعه .

لكن إذا ما عدنا قليلا الى الوراء، نكتشف انّه ليس في الامكان التفاوض مع النظام السوري او الدخول معه في نقاش من ايّ نوع، فهو نظام لا يمكن التعاطي معه بعقلانية لسبب انّه لا يؤمن بتقديم اي تنازل من ايّ نوع، لا يفاوض عندما يكون قويّا، حتّى لو كان مصدر قوّته كما هي الحال الآن، هو الخارج ، وعندما يكون ضعيفا، لا يقدم على ايّ خطوة ذات طابع ايجابي نظرا الى الحاجة المستمرّة لظهوره في مظهر القويّ، القويّ على شعبه طبعا.
لم يفاوض يوما من أجل تحقيق هدف معيّن، فقط من اجل كسب الوقت، لذلك كانت مفاوضاته من اجل تكريس حال اللاحرب واللاسلم مع اسرائيل، وهي حال تصبّ في مصلحة النظام وفي مصلحة اسرائيل في الوقت ذاته.
مرتين استسلم النظام ولم يحصل معه أي تفاوض، الأولى مطلع العام 1999، طرد الزعيم الكردي التركي عبدالله أوجلان من أراضيه عندما هدّدت أنقرة دمشق بدخول الجيش التركي من حلب، ولم تنفع مع النظام كلّ الأدلة التي قدمها الجانب التركي، طوال العام 1998، بما في ذلك عنوان الشقة التي يقيم فيها عبدالله أوجلان في العاصمة السورية.
أما الثانية، سحب النظام السوري جيشه من لبنان بعدما نزل المواطنون إلى الشارع احتجاجا على مشاركته أو تغطيته جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط 2005 . لم يتفاوض اللبنانيون مع النظام السوري، كانوا صوتاً واحداً يطالبونه بالانسحاب، لم يكن لدى بشّار الأسد من خيار آخر غير الرحيل بعدما حاول تغطية الجريمة بسلسلة من التفجيرات في مناطق مسيحية بهدف إثارة النعرة الطائفية، على غرار ما كان يحصل منذ منتصف سبعينات القرن الماضي.
من هذا المنطلق، واستنادا إلى تجارب الماضي القريب، ليس واردا تحقيق شيء من العملية السياسية المزعومة، و أن الحرب الروسية والإيرانية ليست ضد داعش أو الإرهاب كما يُروج لها، إنها حرب على الشعب السوري والمعارضة المعتدلة بغطاء أميركي في محاولة لتحسين مواقع النظام كي تقبل المعارضة التشارك مع النظام (تشكيل حكومة وحدة وطنية أو شيء من هذا القبيل) من دون الأخذ في الاعتبار لأبسط الحقائق على الأرض، وهي أن الأكثرية الساحقة من الشعب السوري ترفض النظام، وعلى استعداد تام على تقديم التضحيات حتى تحقق الهدف الذي خرجت لأجله بإسقاط النظام وبناء الدولة المنشودة .

اترك تعليقاً

scroll to top