الهزيمة المقنعة لروسيا في سوريا

12988110_259970601008076_1066667625_n

النقيب رشيد حوراني

يعتبر تطور وسائل الاتصال الجماهيري جزءاً من تطور الحياة السياسية بشـكل عام، فلا يمكن للمجتمعات السياسية..المعاصرة البقاء من دون انتشار واسع واتصالات سريعة يوفرهما الإعلام.
وبدأت تؤدي دوراً مهماً في بث التوجهـات والقيم السياسية الحديثة إلى الأمم، فعلاوة على تقديمها معلومات دقيقة ومحددة وفورية عن الأحداث السياسية في العالم، فإنها تنقل – سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشـرة – القيم الأساسية التي يقرها المجتمع الحديث، إذ إنها تنقل عنه بعض الشـعارات بطريقة مثيرة للعاطفة… كما أن الأحداث التي يتم وصفها مع هذه الشعارات يكون لها لون عاطفي محدد، وهو ما جعل من وسائل الإعلام أداة دعائية قوية تسهم في تشكيل المعتقدات السياسية والترويج لها، وتترك بنية النظام السياسي بصماتها واضحة على تحديد مضمون الخطاب الإعلامي، وهنا تظهر إحـدى أشـكال تدخلات السلطة في الإعلام والدعاية لها من خلاله.

إذ أن العلاقة بين العملية الاتصالية والعملية السياسية وثيقة للغاية، فكلا النظامين يتأثر ويؤثر في الآخر، وتلجأ النخب السياسية في الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية الغير طبيعية التي تمر بها المجتمعات إلى التعامل المكثف مع وسائل الإعلام لإبراز وجهات نظرهم وآرائهم للتأثير على الرأي العام.

حيث يتمثل دور الإعلام في الحرب الذي يتم تنفيذه على مستويين: مستوى جبهة القتال على أرض المعركة،
والمستوى الثاني كسب عقول البشر وقلوبهم من خلال الدعاية والحرب النفسية.

ويتمثل توظيف الإعلام في الحروب في جزء منه في (الدعاية) التي تستطيع أن تحشد الرأي العام حول قضية بعينها من خلال المبالغة والتضليل والكذب في أسلوب عرض القضية وذلك لكسب التأييد والدعم، ومن يقدم الصورة السلبية للعدو، يؤكد ذلك بعرض كل ما يبرز الصورة الإيجابية لنفسه، من خلال محاولة حشد التأييد وتغذية الاعتقاد بأن ما ينوي عمله هو في فائدة كل البشر ومصلحتهم، وهو ما لجأت إليه روسيا باعتمادها سيل الضخ الإعلامي الذي يبرر عدوانها على الشعب السوري الثائر والمنتفض من أجل حريته وكرامته والترويج للقدرات القتالية الروسية و المهارات العسكرية لمقاتليها، مُزامنة في كل ذلك بادعاءً أن تدخلها جاء لمحاربة الإرهاب الذي يهدد أمنها القومي مع تصريحات خلبية جوفاء لسياسييها .

ووضعت القوة الإعلامية الروسية بشكل عام نفسها في سحق الثورة السورية إعلاميا وتشويه صورتها وحقيقتها من خلال نقل المعلومات الخاطئة وتبني وجهة نظر الإعلام الرسمي السوري كاملة وتغطيتها للثورة السورية من خلال قناة الدنيا السورية، ولم تكن نتائج العدوان العسكري الروسي متوافقة مع بيدر بوتين الذي تفاجأ  بخبرة مقاتلي المعارضة السورية وتمرسهم، وزيف التقارير التي قدمت له ، وترهل القوات النظامية والميليشيات الطائفية المساندة لها والخلافات البينية فيما بينها ليحفظ ما تبقى له من ماء وجهه، ويعلن انسحابه من سوريا، الأمر الذي ترافق أيضا مع سيل من التصريحات الإعلامية الصادرة عن المؤسسة السياسية الروسية من قبيل أن القوات الروسية حققت أهدافها ….إلخ.

وتتالت بعد ذلك التقارير التي تؤكد التواجد العسكري الروسي والمشاركة الفعلية إلى جانب القوات النظامية المنهكة ، لتُقدم مؤخراً قناة BBC  العربية وهي المحسوبة على النظام السوري تقريرا مفصلا عن حجم القوات الروسية وكثافتها المتواجدة في سوريا وخاصة في منطقة الساحل السوري، تلى ذلك جوقة من التصريحات على لسان القيصر بوتين ليقر بصعوبة الوضع في سوريا وتعقيده تارة، وأنه لا يزال أمام قوات الأسد “الكثير من العمل الذي يتعين القيام به” .

في خضم تلك التصريحات العاجزة يطرح السؤال التالي نفسه : كيف يعد رأس النظام الفاجر بشار الأسد حليفه بوتين بالانتصار النهائي ، وهو الذي أعلن الإنسحاب وبقي خفية كاللص يقدم المساندة الجوية لحليفه ، وهو الذي يقف عاجزا أيضا عن إيقاف محاولات حلف شمال الأطلسي التوسع في دول أوروبا الشرقية دون امتلاك حلول مباشرة لردعه   وبشكل خاص القوات الأميركية   التي  تواصل تلك  تعزيز وجودها هناك ، في وقت  لا تملك فيه موسكو سوى الشكوى لأن أي فعل عسكري سيعمل على خروجها من المسرح الدولي بشكل نهائي .

اترك تعليقاً

scroll to top