(أمراء النحل).. بل مظلومية العلويين

 

بقلم ( صحافي حمصي في باريس )

غالبا ما تقدم الثورات حالات متناقضة بين الواقع والطموح وبين الممارسات والدسائس وبين الرسائل الموضوعية للحدث والرسائل الاستخباراتية كل ذلك من خلال وسائل إعلام متنوعة بغية تحقيق أجندات محددة.

في 22\5\2015 عرض ما يسمى النادي السينمائي السوري في باريس فيلم (أمراء النحل) مستغلاً  اسم المخرج الشاب \باسل شحادة\ الذي قتل أثناء قصف النظام لحي الصفصافة في مدينة حمص في الشهر \5\ 2012 على أنه ضمن إنتاجاتهم  التي تتحدث عن مجريات الثورة.

لم أكن مع المشاهدين بحاجة لأكثر من دقيقتين منذ بدأ (الفيلم) لنقرر أن العمل الذي ساهم بإنتاجه (هالة محمد واسامة محمد ودلير  يوسف) بالتعاون مع أشخاص يقولون أنهم ناشطون وأصدقاء (شحادة) طائفي بامتياز ويقدم رسائل ماكرة للجمهور السوري المصطنع في باريس والأوروبي الحقيقي بعدما أثبتت الثورة خلال أعوامها الماضية حقيقة الإبادة التي ينتهجها نظام الأسد الطائفي ضد المكون الرئيسي للشعب (السنة) بما يدعم ما يسمى بمظلومية العلويين منذ أكثر من 1400 عام.

وكي لا أتهم  ألخص أهم ما ورد في مشاهد الفيلم بعدما مُنع الجميع من تصويره أو الحصول على نسخ للنقد.

– يعترف (دلير يوسف) أن كل من أدلى بشهادة في الفيلم هو من الطائفة العلوية فقط.

– يستعرض الفيلم في شهاداته المقدمة الفترة الواقعة ما بين الشهر 7\ 2011 والشهر 3\2012 وهي تقريبا 7 أشهر باعتبار أن (باسل شحادة) قتل في الشهر 5\2012 وتعتبر هذه الفترة من أهم الفترات وأدقها تفصيلا بالنسبة للثورة السورية ومظاهراتها السلمية الخالدة في مدينة حمص (عاصمة الثورة) والمجازر الممنهجة التي ارتكبتها قوات النظام المجرم وشبيحته بحق أهلها.

– تم حجب وجوه المتحدثين رغم أن الفيلم (يوثق) مرحلة ثورية دقيقة كما يدّعون ثم إخبارنا بأن أصحاب الشهادات مازالوا في مناطقهم بسوريا.

– يبدأ عرض الفيلم بلقطات تم انتقاؤها بدقة من مظاهرات أحياء حمص الشهيرة (الخالدية وبابا عمرو وباب سباع …الخ ثم تتبعها شهادة من فتاة (علوية) تؤكد أنها كانت منذ بدايات الحراك السلمي بين المتظاهرين وأن العلويين كانوا جزءاً رئيسيا في المظاهرات وأن ما يقال عن وقوف الطائفة مع النظام أمر غير صحيح ثم ترمي سمّها لتؤكد للمشاهد على صدق طرحها مطالبة “بضرورة تغيير النظام”.

– وتؤكد فتاة علوية أخرى في شهادتها بالفيلم: “أنها كانت من أوائل المشاركين بالمظاهرات السلمية بحمص وأن الأحاديث انتقلت لحارتها الملاصقة لحارة السنة خلال اعتصام الساعة الشهير في 18\4\2011 بأنها محمولة على الأكتاف وهو ما تسبب بأزمة اجتماعية لها كونها مؤيدة للثورة”

وهنا يتضح حجم الدسائس التي يراد ترويجها، فاعتصام الساعة الشهير حدث قبل وصول باسل شحادة إلى حمص وتأكيد القائمين على حجب وجوه الشخصيات لوجودها في الداخل ينسف مصداقية الفيلم أصلاً إذ كيف يبقون بأحيائهم في الداخل وهم معروفون بتأييدهم للثورة ومشاركتهم بالمظاهرات كما يدّعون بينما النظام يقتل كل من طالب بالحرية !!!؟.

– تختلط الشهادات مع حجب الوجوه وتقول فتاة في الفيلم بعد لقطات متنوعة للمظاهرات السلمية والأهازيج الثورية: “أنها كانت تتعرض للملاحقة لتأييدها للثورة وأنها كانت تسمع أصوات القذائف التي تتساقط على الأحياء السنية والعلوية”.. حقيقة يبدو أننا أمام فيلم من أفلام الفضاء يفترض أصحابه وقوع أحداث في كوكب ما بعالم ما بشهادات حصرية من شيفرة سرية قبل آلاف السنين متناسين أن أصحاب الحدث وأحفادهم أحياء وأن أبناء الثورة السورية قد وثقوا كل ثانية فيها.

إن القذائف التي كانت وما زالت تنهمر حتى اليوم على الأحياء المنتفضة ضد نظام القتل الطائفي العنصري في حمص كانت (كادو) عربون فرح كطلقات العرس بالنسبة لأحياء العلويين بل إن أبناءهم رقصوا طربا وقدموا الحلويات على قتل  (السنة) في الأحياء الملاصقة لهم ولم يكتفوا بذلك بل تطوعوا في مجموعات خاصة لقتل من أنقذه القدر من القصف الوحشي وطالته أيديهم وسرق ونهب كل أملاك الناجين من تحت الدمار اللاجئين للريف.

– من جانب آخر يقدم شخص شهادته:” إنه معتقل سابق لثلاثة شهور على خلفية الحراك مؤكدا تعرضه للتعذيب الجسدي والنفسي أكثر من غيره كونه من الطائفة العلوية ويؤكد أن أكثر ما عاناه كان أخذه من قبل الشبيحة إلى حارة تعود لطائفته في حمص ومن ثم إذلاله وشتمه بأفظع الألفاظ” ( وهو مازال في الداخل) !!؟.

– بينما يقدم آخر شهادته بالقول: “أن المظاهرات كانت تقدمه عندما يأتي إليها ويقولون التحق فينا العلوي فلان ثم يظهر مخرجو الفيلم مقطعا لإحدى المظاهرات في حمص ويصرخ المتظاهرون فيه بالتحاق العلوية وأن الثورة هي ثورة سوريا عامة.

وتوالت الشهادات بذات السياق ولم تخرج عن دس السم لإظهار مظلومية العلويين وأنهم كانوا سباقين في الثورة والتضحية والمساهمة فيها.

لقد خلا الفيلم من أي لقطة تظهر مشهد قصف للأحياء الحمصية.

لقد خلا الفيلم من أي تعبير يشير إلى منهجية القتل تجاه السنة وتطرف العلويين.

لقد خلا الفيلم من أي لقطة لمجزرة ارتكبت بما فيها اعتصام الساعة التي استشهد بها البعض وكذلك مجزرة الخالدية وبابا عمرو والصفصافة وكرم الزيتون ..الخ.

لقد خلا الفيلم من أي شهادة خارج الطائفة العلوية.

أما المناقشات التي تلت العرض فكانت فاجعة بنظرنا بكل المقاييس إذ يمكن حصرها على الشكل الآتي:

 

  – يتساءل الصحافي (رأفت غانم) في سؤال أن الفيلم لم يقدم لقطة واحدة عن المجازر التي ارتكبت وقتها فيجيب دلير ” أنهم أرادوا أن يقدموا جانبا طالما كان مظلما في الحدث وأنه لا يمكن الإحاطة بكل تفاصيل الثورة وأن مشاهد القتل هي مسلمات والكل مطلع عليها وهو لا يفضل وجود مثل تلك المشاهد.

بينما تساءل الصحافي (مصعب السعود) بالقول: أعتقد أن الفيلم يوثق المرحلة ما بين 7\2011 و3\2012 فهل هذا صحيح فأجاب المخرج على الفور نعم صحيح .. فاستطرد قائلا ً: “إن ما تم قصفه خلال تلك الفترة هي أحياء ومنازل تعود للطائفة السنية تحت بند (المسلحين والعملاء والإرهابيين)، إن كل من قتل في تلك الفترة كان من ذات الطائفة، إن كل من شارك في القتل كانوا من عصابة النظام، إن الشبيحة هم من طائفة ولون واحد ومع ذلك نجد اليوم اعترافات من أشخاص ينتمون لطائفة النظام تظهر أنهم أبطال الثورة وعلى افتراض أن شهاداتهم صحيحة فهي حالات فردية تمثل أصحابها لكن الضباط والمسؤولين الأمنيين العلويين والشبيحة يمثلون طائفتهم. (يمكن للقارئ تخيل ردود الفعل والأصوات التي صدرت تطعن بكلامه وحديثه).

لم يعرف دلير ما يجيب بل تهرب من الرد وغيرت الحديث هالة محمد بطريقة ذكية.

توالت عشرات الأسئلة التي تمجد تلك الفترة وبطولات العلويين فيها حتى قال المدعو(رودي) وهو كردي يعلم في \إذاعة روزنة\ كما عرفنا لاحقا وتم تقديمه على أنه من أصدقاء باسل شحادة: أن الفيلم من انتاج تيار أو مجموعة \ نبض \ وأن شباب نبض  كانوا في كل المظاهرات واشتغلوا بالإغاثة وتشهد لهم ساحات سوريا وتابع قائلا : ” إن الشبيحة ليسوا من الطائفة العلوية والمعارضة السورية لم تقدم تطمينات حقيقية للعلويين للالتحاق بالثورة وسورية بلا علويين لن تكون سوريا ” هنا وبعيداً عن المكر الواضح في الرسالة المقصودة من الفيلم  يناقض المدعو (رودي) ما يطرحه الفيلم من شهادات تصور العلويين على أنهم التحقوا بالثورة منذ اللحظة الأولى.

وفي تجييش مقصود وموجه بوجود بعض الفرنسيين بالمكان أكد المتحدثون أن \نضال جنود\ كان مواطناً بسيطا ويعمل في نقل الخضار وأن قتله على أيدي المسلحين والتكفيريين كما يصفونهم كان لأنه علوي مناقضين الشهادات التي اعترف بها والهوية التي كان يحملها وتظهر أنه متطوع في جيش النظام وشبيح كبير.

وعن تسمية الفيلم بـ (أمراء النحل) يوضح دلير أن الإمام علي كان لقبه أمير النحل وأن العلويين يتّبعون الإمام علي بنهجه لذلك فهم أمراء ومن هنا جاءت فكرة الاسم بأمراء النحل ( وهو تشويه للحقائق ودس للسم  يذكر بما يسمى مظلومية العلويين والشيعة).

سينتهي الكابوس الطائفي قريباً وسيحاسب الجميع على أعمالهم وما قدموه للثورة من خير أو شر وستروي حجارة حمص قصتها الحقيقة الممزوجة بالدماء ووقتها لن ينفع أحد البكاء .

والله غالب على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top