بعد عودة تونس

اجتاحت التظاهرات الشعبية أنحاء الوطن العربي في عــام ٢٠١١، وكــان العديد من صنّاع القرار والمحللون الأمريكيون يأملون في أن تكون هذه الحركات بداية لحقبة جديدة في المنطقة، حيث وصف الرئيس باراك أوباما الانتفاضات بأنها «فرصة تاريخية» للولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن الثورات جاءت خارج (الفوضى الخلاقة) ، إلا أن ما يحدث الآن من إفرازات هذا التحول في البلدان العربية لا يدع مجالاً للشك في أن الأيادي الأمريكية والغربية تحاول الإمساك بخيوط اللعبة السياسية في الساحة العربية.

لذلك فالتعرف إلى واقع المنطقة الجديد واستشراف مستقبلها يبدو أكثر غموضاً، فالخلل أو الخطر الذي يتربص بمصير الربيع العربي هو عدم وجود تصور استراتيجي بعيد المدى لتلك الانتفاضات الجماهيرية، إذ إن أخطر ما فيه هو الانكفاء بدور إسقاط رموز النظام من دون أن يتمكن من التأسيس ّلتصور ونظام بديل، وهذا الوضع سمح بعملية إسقاط للمشاريع الأمريكية على فضاء الساحة العربية، وأدى إلى ربط التحولات الحاصلة في المنطقة مع سيناريو (الفوضى الخلاقة)،  إنها لعبة مصالح الأمم ولكن ُبحّلة جديدة، والدليل السقوط السريع والمريع للأنظمة التي كانت مدعومة من الغرب.

وتدرك الولايات المتحدة أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد مرتهن بإيجاد تسوية للقضية الفلسطينية. ورغم كل التنازلات التي ّقدمها العرب من خلال المبادرة العربية للسلام أيقنت أنها بحاجة إلى فتح المجال أمام القوة السياسية الأكثر تنظيماً ومأسسة في الساحة العربية والقادرة على التسويق لخريطة الطريق الجديدة وبالتالي منح شهادة ميلاد دائمة لإسرائيل.

وإذا كان البعض يرى أن الثورات العربية الحالية قد تكون الخطوة الأولى نحو قيام أنظمة ترعى حقوق وآمال شعوبها وربما نحو تحقيق الحلم الذي راود العرب من المحيط إلى الخليج، فالأمر قد لا يكون كذلك ، إذ أن الأحداث الجارية موضوعة على الأجندة الدولية ضمن مشروع عالمي يسمى (الشرق الأوسط الجديد) الذي سيكون بكل تأكيد على حساب مشروع (الوطن العربي الكبير) إذا لم تطرأ متغيرات من الداخل العربي.

لكن كيف يمكن قراءة المتغيرات السريعة الجارية على الساحة العربية في أيامنا هذه في ضوء ما ذُكر سابقا من اسقاط المشاريع الأمريكية على فضاءات الساحة العربية ، والمتغيرات من الداخل العربي ؟

يمكن القول أن واشنطن بإطار الاتفاق على الملف النووي الإيراني قد سلمت منطقة الشرق الأوسط لإيران على حساب المنطقة العربية بشكل عام وهو مشروع توسعي إيراني كان الحديث يتم عنه بصورة نظرية إلا أنه في أيامنا هذه وبالتحديد منذ انطلاقة شرارة الثورة السورية المباركة أصبح يُترجم فعليا من قبل ايران وأذرعها على الأرض ، ولم يكد حبر الاتفاق النووي الإيراني يجف بين إيران والدول الكبرى حتى تم الإعلان من قبل وزير خارجية تونس مرحبا بعودة سفير النظام الاسدي المجرم الى بلاده حيث ظهر هذا الاجراء للوهلة الأولى وكأنه تعويم لنظام القتل ومكافأة لإيران على تنازلاتها في الملف النووي ، إلا أن هذا الترحيب سرعان ما تم التراجع عنه ،بل استغربه الرئيس التونسي مؤكداً أن بلاده لن تغير سياستها بخصوص المسألة السورية ولن تقوم بأي عمل دون موافقة كل الأطراف في الجامعة العربية نافياً ترحيب تونس بعودة السفير.

  من ناحية أخرى ونظرا للتقارب الملحوظ بعد اعتلاء الملك سلمان بن عبد العزيز سدة الحكم في البلاد قام ولي ولي العهد السعودي بزيارة إلى تركيا التقى خلالها الرئيس التركي أردوغان الذي أيد بدوره الحملة العسكرية عاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين المدعومين من ايران في اليمن ، وكانت في مباحثاتهما الثورة السورية حاضرة بقوة وفق ما وضح مصدر دبلوماسي تركي ، والأمر الذي أكسب هذه الزيارة طابعاً خاصاً كونها قبيل زيارة الطيب أردوغان إلى العاصمة الإيرانية طهران .

في ظل هذه الرهانات على المتغيرات من داخل المجتمع العربي أو المجتمع السُني إن صحَّ التعبير أبدى موقع ” عماريون ” الإيراني المقرب من الحرس الثوري الإيراني خشية إيران من هذا التحالف الذي انضمت إليه بالإضافة إلى الدول العربية كل من تركيا وباكستان ، وأكد الموقع ذاته أن الاتفاق النووي بين ايران والولايات المتحدة زاد من احتمالية التكاتف والتعاضد بين دول الحلف وهذا مالم تحسبه إيران واستمراره حتى تحقيق الهدف المنشود منه وهذا يعني أننا  انتقلنا من مرحلة التأسيس لواقع عربي جديد يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية في المنطقة الى التطبيق الفوري والعملي لهذا الواقع، ويجعلنا نتأمل طويلا في الرسالة المباشرة التي وجهها (الفيصل) ليس فقط الى بوتين بل الى العالم أجمع ومفادها أن الربيع العربي على مستوى القادة العرب قد بدأ . قد يستغرب البعض من هذا الطرح، فجميعنا قد رسم صورة نمطية في ذهنه للواقع العربي في عدم استقلال القرار العربي وارتباطه المباشر بما تمليه عليهم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت الشواهد كثيرة على تثبيت تلك الصورة، ولكن يبدو أن استفحال الخطر الإيراني وتمدده في المنطقة بصورة علنيه واضحة للجميع وتجاوزه لجميع الخطوط الحمر بالتزامن مع عدم مبالاة واضحة من الإدارة الأمريكية، جعل دول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تتخذ خطوة مفصلية أدت إلى واقع عربي جديد من دون أيّة مقدمات فرضته القوة العربية وظهر واضحا … بعد عودة تونس.

والله غالب على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top