طريق البطولة والموت (قصة واقعية )

بقلم الدكتور محمد أحمد وهبي

كي لا ننسى هذا اليوم الرحلة الاسطورية والخالدة لأبطال واحرار قلعة الحصن والريف الغربي لحمص 19/3/2014

 نصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ويبدأ المسير…يتجمع الناس في الساحة في حارة التركمان ويتم تقسيم الناس الى ثلاثة فئات 1- العائلات 2 – المقاتلين. 3- حاملي الجرحى. يمر الطبيب على الجرحى والاطفال قبل الانطلاق بنصف ساعة ليعطيهم الابر المهدئة والمسكنة اربع جرحى أحدهم أصيب في نفس اليوم في اشتباكات قرية الشواهد…أربعة اطفال دون الثلاث سنوات. ..يأمر القائد بالتحرك ونبدأ المسير لنتجمع عند الدوار(دوار العوجة )قلوب واجفة منكمشة ونظرة الوداع على بقايا بيوت لنا نعلم انها عما قريب ستكون محتلة من قبل المغتصبين الجدد…يبدأ المسير بخطوات يحذوها الأمل بالعودة والم الفراق المر ..”الطريق صعب وشاق ويجب عدم رفع الصوت” كلمات قالها القائد. ..اتكلوا على الله واذكروا الله كثيراً. ..أمسك بيد أختي ونبدأ السير…طريق وعرة ومتعرجة…كانت الساعة السابعة مساء. ..السماء صافية والقمر مكتمل. .أمير الطريق يمشي قبل الناس ليكتشف الطريق. ..وصلنا لنقطة صعبة جداً حيث يتوجب علينا التمسك بالحبال لقطع منعرجات صعبة ووعرة جداً. ..أمشي وقلبي يدق خوفاً و ألما على النساء والأطفال كيف سيتمكنون من التمسك بالحبال وقطع هذه المنحدرات الشديدة. ..قطعنا المنحدرات وبدأ المسير ضمن أراضي الزيتون وبعد مسافة ليست بقليلة ..قرار مؤلم ومهم يتخذه القائد …علينا ترك الجرحى مكانهم مع إعطائهم ما يدافعون به عن أنفسهم كي يقتلوا ولا يقعوا أسرى بيد الغاصبين…تركنا الجرحى واستمر المسير …أحد الإخوة بدأ ابنه الرضيع يبكي بكاء شديداً بعد ان انتهى مفعول المخدر…خوف وقلق يتلبس الجميع من ان يكتشف حاجز( أبو زيد) الواقع الى الاعلى منا أمرنا. ..يعطي الطبيب ابرة إضافية من المهدئ عسى ان يهدأ الطفل. ..في هذه الأثناء يأتينا امر بالجلوس في منطقة سهلية بين اشجار الزيتون وحاجز (ابو زيد)واضح فوقنا تماما… لحظات حرجة جدا … احد الشبيحة فوق بناء الحاجز يشير بضوئه تجاهنا ويرشقنا بكلمات بلهجته العفنة القذرة “شو وا جماعة الحصن رفضتوا تروحوا عالتسوية ..بالله تانبعتكن عالحوريات كلكن”.. احساس جامح يصيب الجميع بان النهاية اقتربت ..نتخيل انه عما قريب سيوجهون مدافعهم تجاهنا ويبدؤون الرمي فيقتلونا جميعا.. مجرد إحساس لم يتحقق بفضل ربنا وكرمه ومنته علينا. .. يأتي امر بالمسير مجددا ويسير الركب حتى نصل لنقطة فوق قرية عناز. .. نجلس فترة طويلة هنا ونحن نراقب استنفار الشبيحة على الطريق العام تحتنا الذي يبعد عنا حوالي ثلاثمائة متر فقط. . نبقى جالسين هنا حتى الساعة الثالثة فجرا وخلال هذه الفترة كان هناك العديد من الاقتراحات كي ننجو بأنفسنا. .. لكن لم يتحقق أي منها… في الساعة الثالثة والنصف تماما القائد يتوجه نحو الناس ليخبرهم انه لا مجال إلا بالاشتباك مع الحاجز كي ينجو الناس قائلا لنا … يا نجاة يا جنة …. وهذا ما حدث وكان اول من كبر ( الله أكبر ) أبو محمد رحمه الله وتقبله … وبدأ الاشتباك وبدأ الناس بالمرور من قرب الحاجز بعد ان قتل كل الشبيحة الذين كانوا على الحاجز … يسقط العديد من الشهداء في هذه النقطة ومنهم الدكتور المجاهد خلدون تقبله الله والخيرة من شبابنا تقبلهم الله … بدأنا الآن المسير بمنطقة البقيعة وتحتم علينا المشي في الطين والمستنقعات … مع ضرب القنابل المضيئة والقصف العنيف من حواجز الشبيحة المحيطة بنا …. بعد مسافة وضمن الأراضي المزروعة يوجد طريق مزفت بعرض حوالي المترين رأينا سيارة تضيء أضوائها وتتجه نحونا … حسبنا أنها سيارة شبيحة ودقت القلوب بشدة في هذه اللحظة … لكن مرت السيارة دون أي أذى … في هذه الأثناء قال لي أحدهم أنه كان يمسك بيد اخته وفي هذه اللحظة انهارت أخته ولم تعد تقوى على الحركة فقالت له : أخي استمر انت بالمشي واتركني هنا وحدي فلم يعد لدي قدرة على المشي … الأخ قال لها قومي فانتي من بقي لي من عائلتي المفقودة كلها … لذلك سأتمسك بك حتى الموت … يستمر المسير حتى اقتربنا من الأوتوستراد -حمص .طرطوس – … لا نزال بعيدين عن الحدود اللبنانية حوالي خمسة كيلو مترات … هنا بدأ ضوء الصباح يزداد شيئا فشيئا … مجموعة من الشباب بدأت بتمشيط النفق تحت الأوتوستراد ومنهم شاب بطل احتسبه صادقا ولا ازكيه على الله تعالى ..لم يشارك في معارك من قبل ولكن زاده الله قوة وعزيمة كي يساهم في نجاة ما تبقى من الناس من بطش عصابة الاسد…بدأ الناس بالمسير عبر النفق وهنا ازدادت وتيرة الاشتباكات والقصف لسببين :أولهما ازدياد ضوء الصباح وثانيهما كثرة الكمائن للشبيحة نتيجة معرفتهم بخروج المحاصرين وتوجههم باتجاه الحدود اللبنانية…رأيت جثثا للشبيحة على الطريق…رأيت شبابا مجاهدين قتلوا ..ولم يكن بوسعي سوى القاء نظرة الوداع عليهم…كثير من الشباب اصيب اصابات غير قاتلة ولكن لم يكن بوسعي لا انا ولا غيري ان نفعل لهم شيئا سوى الدعاء والالم…اجتزنا سكة القطار وهنا يُقتل طارق بطلقة في الرأس …والده المجاهد الصبور يشد ابنه الآخر بيده تاركا جسد طارق لأنه علم ان روحه أصبحت في الجنة ان شاء الله. ..يزداد اطلاق النار بطريقة هستيرية والقصف الجنوني المهول…في هذه الأثناء كنا بأرض مستوية مكشوفة تماماً وكان ضوء النهار يزيدنا وضوحاً أسمع طلقات الرصاص كوزيز النحل كثيفا جداً جداً. .الكثير من الرجال والنساء قتلوا ..وصلنا الى ساقية الماء وجدرانها باطون أملس يرتفع فيها الماء الى متر ونصف …يمتد فوق الساقية جسر اسمنتي…انقسم الناس لمجموعتين مجموعة مرت من فوق الجسر ومجموعة نزلت بالساقية ..تيار الماء يدفع الناس نحو الغرب بعنف وهنا يتبرع بعض الشباب الذين اجتازوا الساقية بمساعدة الباقين ..يبدؤون بمد بنادقهم للناس في الساقية ويساعدونهم باجتيازها ..اجتزت الساقية وهممت بمساعدة من تبقى فيها ..ليقول لي ابو حمزة “اتركهم سأتولى امرهم اذهب انت وساعد ابا محمد بحمل الاخت المصابة التي كانت قد أصيبت بطلقة في الخاصرة “كنا على بعد 200متر فقط من النهر لكن غزارة النيران أجبرتنا على المتابعة زحفاً على الأرض … بعد أن وصلنا إلى النهر زحفاً كان لابد من متابعة سلسلة هذه الألعاب الأولمبية القاسية حيث قطعنا النهر بالعبور على الصخور التي كانت فيه …اجتزنا النهر …اخترقنا بعض من مشاعر الطمأنينة فنحن الآن في الأراضي اللبنانية …همَّ أبو ناصر بالنزول للأرض ليسجد سجدة شكر لله تعالى …لكن خرقت فرحته قذيفة من مخازن الموت قذفها جنود الأسد الذليل لتنزل في الأراضي اللبنانية وترسل شظاياها الحارقة علينا …تخترق شظية لعينة جسد أبو ناصر وترديه قتيلا ، على جانب آخر رصاصة غادرة تصيب أبا زياد لتترك أثراً مؤلماً في عموده الفقري يجعله مرغماً على متابعة حياته في كرسي متحرك …مروان الذي أصيب بلغم أرضي وهو يجتاز الساتر الترابي قبل النهر رغم كل تشجيعنا له كلماتنا الصارخة لتقوية عزيمته على متابعة الطريق لم يعد يقوى على الحركة فما كان من القائد أبو حمزة إلا أن حمله على ظهره لمسافة ليس بقليلة …نستمر بالسير ضمن الأراضي اللبنانية حتى نصل إلى أحد البيوت فيبدأ كل منا بتفقد الآخرين …نسمع أخباراً محزنة عن مقتل فلان واصابة فلان …من هنا تفرقنا كل حيث شاء …تلك كانت الرحلة الخالدة …عام مضى بكل تفاصيله وذكرياته وألمه وأمله …عام مضى وقلعة الحصن كفتاة جميلة دنس جمالها وشرفها الرفيع عصبة من المغتصبين الجدد …عام مضى وقلعة الحصن كالوردة الآيلة للذبول ولكن بعون الله تعالى أولاً ومن ثم بجهود الشباب المجاهدين المخلصين ستزهر وتفوح روائحها العطرة من جديد.

والله غالب على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top