مواقف القوى الدولية الفاعلة من الحل السياسي في سوريا

 

يبدو أن الاوراق السياسية للقوى المحلية السورية باتت ضعيفة وواهنة بسبب قلة الإمكانيات بعد أربعة أعوام من الصراعات الشديدة التي أكلت الأخضر واليابس على الأراضي السورية، وأصبحت تعصف بها رياح المواقف الدولية المتباينة ذات الصلة بالشأن السوري، حيث يمكن تمييز هذه المواقف كالتالي: أولا- الموقف الاسرائيلي : يتميز بأهميته رغم عدم تدخله المباشر بالصراع السوري ، وسبب أهميته ينبع من أن الوضع السائد على الساحة السورية يصب في المصلحة الاسرائيلية بالمطلق ، حيث أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من استمراره ، فتدمير سوريا وجيشها وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية وإمكانية تقسيمها يخرجها من الصراع العربي الاسرائيلي لمدة طويلة قادمة ، وكل ذلك يتم دون ان تخسر اسرائيل جنديا واحدا ، ومما يزيد أهمية الموقف الاسرائيلي هو أن أمريكا ومعظم الدول الغربية تنظر الى المنطقة وما يجري فيها بعيون اسرائيلية ، وتتخذ مواقفها بما يراعي المصلحة الإسرائيلية. ويبقى التساؤل هنا هل يتغير الموقف الاسرائيلي مع اقتراب الحرس الثوري الإيراني من الحدود الاسرائيلية في الجولان السوري المحتل، أم أن هذا الاقتراب مجرد ضمانة أعطتها إيران لإسرائيل لتستمر في موقفها الداعم للأسد ونظامه النازي؟ ثانيا – الموقف الايراني : لقد اصبح النظام الأسدي مرهونا بالكامل لإيران ، بل أصبح عبارة عن ورقة ايرانية ربما تستخدمها بمفاوضات الملف النووي أو غيره ، فإيران تراهن على استمرار الصراع السوري وتزج بقوتها الاقتصادية والمالية والعسكرية لإنهاء الثورة السورية وتوسيع نفوذها القوي في سوريا وترسيخه ، وتعتقد انها قادرة على الحسم العسكري ، فهي ماتزال تدفع باستثمارات عقارية ومالية لتوظيفها في سوريا لتحصل على المزيد من النفوذ في المستقبل ، وبنفس الوقت تدفع بمزيد من الميليشيات الطائفية التابعة لها ووحدات الحرس الثوري لحسم الموقف العسكري سريعا ، بل و ربما تسعى لتغير النظام لصالحها بالمطلق كخطوة من خطوات تطبيق مشروعها الصفوي. ثالثا-الموقف التركي: يتميز أيضا بأهميته كون تركيا داعم سياسي مطلق لمطالب الثورة السورية في اسقاط النظام وإحداث التغيير المطلوب لمصلحة الشعب السوري ،ومحافظته على سوريا الموحدة ، وتعتبر تركيا أفضل بلدان اللجوء السوري والاكثر استقطابا للاجئين السوريين، وفي هذا الإطار تسعى لإنشاء منطقة امنة على حدودها لاستيعاب اللاجئين السوريين، وتشترط إنشاء هذه المنطقة من أجل مشاركتها في جهود مكافحة الإرهاب، وهي تمشي بخطوات ثابتة في استراتيجيتها تجاه الثورة السورية مترقبة تضييع الفرص على الأكراد لاستقلالهم بكردستان سورية كما في العراق. رابعا-الموقف السعودي: لقد ظهر في الفترة الأخيرة غامضا أو متراجعا عما كان عليه في بدايات الثورة، ولكن تولي الملك سلمان بن عبد العزيز سدة الحكم وما تبعه من تغييرات كبيرة يجعل الموقف السعودي يحمل في طياته الكثير من المتغيرات تجاه الثورة السورية ، ومما قد يساهم في هذا اقتراب الخطر الشيعي من أراضيها والمتمثل بسيطرة الحوثيين على اليمن ، وهناك بعض المؤشرات الدالة على اقتراب موقف المملكة من الموقف التركي القطري لا سيما بعد زيارة الرئيس التركي للمملكة ، وإن حدث هذا فسيكون له تأثير ايجابي كبير على تطورات الأحداث في الساحة السورية. خامسا-الموقف القطري: وهو موقف قريب من الموقف التركي رغم تراجعه كثيرا عما كان عليه في بداية الثورة السورية، ومع هذا يبقى من المواقف المتقدمة المؤيدة لمطالب الثورة السورية والداعمة لها، وتعتبر قطر من أكثر الدول التي مورست عليها ضغوط متنوعة للتأثير على موقفها، إلا أنها نجحت في الخروج من عنق الزجاجة لتستمر في دعم الثورة محاولة التوافق مع الموقف السعودي مما يلقي بظلاله الإيجابية على المشهد بشكل عام. سادسا- الموقف الأمريكي : يبدو مذبذبا وبلا استراتيجية ،فالتردد هو سمة سياسة الرئيس أوباما حيال القضية السورية ، ورغم مناداة أمريكا بالحل السياسي وعدم الرهان على الحل العسكري فإنها في الحقيقة تقترب كثيرا من الموقف الاسرائيلي ، وليست مع إيجاد حل سريع للأزمة السورية ، وهي بذلك تسعى لاستمرار الصراع من أجل انهاك القوى المتصارعة بعد أن سهلت اجتماعها على الأراضي السورية بكل اتقان وهدوء ( لاسيما أنها تضم أعداءها التقليديين كروسيا وإيران وحزب الله والقاعدة والإسلاميين الأصوليين وغيرهم ) ، ولعل تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يلقي الضوء على حقيقة السياسة الامريكية بالنسبة لسوريا حيث قال ( إن إسرائيل وأمريكا متفقتان على استمرار الأسد ونظامه في السلطة ) ، وهذا يعني تلقائيا استمرار الصراع حتى تتبدل السياسة الأمريكية ، إذ لا يمكن إنهاء الصراع بدون تنحي الأسد كمقدمة لأي حل سياسي وإنهاء العنف في سوريا ، وهذا ما أصبح ينادي به الرئيس أوباما لكن بلا جدول زمني. ليبقى التذبذب سيد الموقف في السياسة الأمريكية ،فبعد تصريحات كيري حول اضطرار أمريكا للتفاوض مع بشار لإنهاء الحرب في سوريا جاء فورا تعليق نائبة المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية (ماري هارف) قائلة: ( لا مستقبل للأسد في سوريا وسياستنا مازالت واحدة وواضحة ) سابعا-الموقف الأوروبي : إن مواقف الدول الأوروبية عامة هي مع إيجاد حل سياسي للأزمة السورية ، ومع إنهاء الصراع ووضع حد لتفاقم الأزمة الإنسانية للشعب السوري، وتشعر دول الاتحاد الأوروبي بالخطر من تطور الأحداث نحو الأسوأ في سوريا، لان ذلك سوف يلحق الأذى بها في عقر دارها وكذلك بمصالحها في المنطقة، ولكن دول الغرب فعليا لا يقومون بعمل مجد للحل السياسي، وبالتالي تبقى سياستها قريبة من الموقف الأمريكي إن لم يكن الموقف الإسرائيلي ، باستثناء فرنسا التي تقترب جزئيا من الموقف التركي. ثامناً- الموقف الروسي : يبدو الموقف الروسي متراجعا لصالح الدور الإيراني ، ولذلك دعت روسيا إلى جولة حوار بين النظام والمعارضة في موسكو ، ولأن روسيا لا تملك أدنى حد من الحيادية والنزاهة يؤهلها للعب دور الوسيط الإيجابي فستبقى كل جهودها فاشلة ،لا سيما أنها ما زالت تتفنن بدعم النظام الأسدي بشتى الأساليب والوسائل ، وتبدو قانعة بما حصلت عليه من الكعكة السورية حتى الآن ، وهي ليست قليلة (مليارات الدولارات من احتياطات البنك المركزي السوري ثمنا لشراء أسلحة وذخائر روسية قديمة ومنسقة بالإضافة إلى امتيازات ضخمة باستثمار النفط والغاز في البحر قبالة الشواطئ السورية بشروط ميسرة كأنها رشوة لمواقفها السياسية الدولية ، ومواقفها في مجلس الأمن ) ، ولذلك تبدو حريصة للحفاظ على ما حصلت عليه من خلال دفاعها المستميت عن النظام في دمشق . من خلال مواقف الأطراف السورية المتصارعة ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية لا يبدو أن هناك حلا سياسيا قريبا للمسألة السورية، وأن الصراع مرشح للمزيد من التفاقم والتصعيد، وكل ما نراه من بعض الحراك السياسي لا يعدو كونه لعبا غير مضمون النتائج في ساحة مفتوح فيها اللعب.

 

بقلم العقيد أبي الفداء الواو

والله غالبٌ على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top