دور الضباط المنشقين في الثورة السورية

تُعد المؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث إحدى أهم مقومات بقاء الأنظمة السياسية ومواجهة الحركات والثورات التي تسعى لإسقاطها ، لكن هذه المؤسسة اتسمت بوضع خاص في سوريا، لأن القرار السياسي للنظام الأسدي المجرم مرتبط إلى درجة كبيرة بمساندة القرار العسكري. ومن هنا يتعين لنا أن نفهم طبيعة هذه المؤسسة وأثر المنشقين عنها ودورهم في الثورة السورية وتطور الأحداث. فتركيبة المؤسسة العسكرية في سوريا تعكس الطبيعة الطائفية التي كرسها النظام في المجتمع السوري. فالطائفة العلوية التي ينتمي إليها رأس النظام تُشكل نحو 10%من الشعب السوري، بينما يُشكل السُنة نحو 75 %. وعلى الرغم من أنهم أقلية، فإنهم يتقلدون المراكز السياسية العُليا، ويشغلون قيادة الصفوف العسكرية و الأمنية الأولى على نحو لا يتناسب مع قوتهم العددية ولا حتى التأهيلية .وفي حال سيطرت القوة العددية للطائفة السنية في بعض الوحدات العسكرية، فإنها تبقى خاضعة أمنيا إلى سلطة الطائفة العلوية ، وهذا ما أفرغ المؤسسة العسكرية من أي محتوى وطني ورسخ تنظيما طائفياً قائما على تهميش الطائفة السنية بشكل خاص.
مع بداية الثورة السورية المباركة ، وتدخل المؤسسة العسكرية لقمعها بدأ ظهور الانشقاقات في صفوف هذه المؤسسة والالتحاق بركب الثورة ، وكان يتقدم هذه الانشقاقات ضباط من مختلف الرتب حيث عملوا لاحقاً على تنظيم أنفسهم في وحدات قتالية يقع على عاتقها التصدي لجيش النظام وحماية المدنيين ، فانضم إليهم الكثير من أبناء المناطق الثائرة إيماناً منهم بعلمهم العسكري وقدرتهم على خوض المعارك مع الجيش الذي انشقوا عنه ويخبرون تكتيكاته العسكرية التي بدأ يستخدمها بشكل أكثر يوما بعد يوم ، وتجلى دور الضباط المنشقين بشكل واضح بما يلي :
1- اضطرار قيادة جيش النظام الأسدي إلى عرض وحدات جديدة على الاختبار الصعب ما بين إطاعة الأوامر أو
 الانشقاق ، وذلك بزجها في المواجهات العسكرية مع الثوار .
2- ارتفاع الروح المعنوية لكتائب الثوار التي شكلت فيما بعد الجيش السوري الحر بعد الانتصارات التي حققتها والدعم الشعبي الذي تلقته بانضمام الضباط المنشقين إليها ،في ظل يأس وإحباط عام يسيطر على جيش النظام بسبب عجزه عن قمع الثورة .
3- الصورة الأبهى للإنسانية التي قدمها الضباط المنشقون بسبب رفضهم للقمع الدموي الذي انتهجه النظام الأسدي المجرم لوأد الثورة والتضحية بأرواحهم وأهليهم في سبيل الدفاع عن المظلومين .
4- إضفاء الشرعية على الثورة السورية في المحافل الدولية حيث أصبح الضباط المنشقون القبلة لكافة ممثلي الدول الساعية لدعم الثورة معنويا وسياسيا .
وعلى الرغم من ذلك لم يمنع الجو الإيجابي الذي أُحيط به الضباط المنشقون من الانقسام انطلاقا من تجربتهم في العمل الثوري وما يُحيط به ، والتي جعلتهم ضمن فئتين :
الأولى فئة اختارت العمل في ميادين القتال لتوظف خبرتها العسكرية في المعارك ضد النظام متجاهلة الإقصاء والتهميش من الثوار المدنيين الذين سبقوهم في الخروج على النظام ، فارتضوا أن يكونوا في مراكز غير قيادية في كثير من الأحيان .
والثانية فئة فضلت الانشقاق على البقاء في جيش النظام ، لكنها ابتعدت عن العمل المسلح بذريعة عدم تواجد قيادة عسكرية مركزية ، وتشتت الفصائل المقاتلة بين الأطراف الداعمة لها ، ورفض العمل تحت امرة مدنيين لا يعترفون بالتراتبية وقواعد الانضباط العسكري ، فلجأوا إلى دول الجوار حيث كان في انتظارهم الحاجة والفقر في المخيمات ،فهاجر منهم من هاجر ، وبقي منهم من يأمل أن يكون له دور فعال في جيش سوري مستقبلي يحقق الأمن والاستقرار في ربوع سورية الجديدة .

والله غالب على أمره

بقلم النقيب رشيد حوراني

اترك تعليقاً

scroll to top