سوريا و الصراع الدموي

سوريا و الصراع الدموي

أعوام أربعة مضت ونهر الدماء السورية لم يتوقف، والانقسام بين قادتها عسكرياً وسياسياً وفقاً لصراع على المناصب والمكاسب، حسب اختلاف أيديولوجياتها وتوجهاتها وداعميها ..في حين التف القتلة حول الطغاة (النظام – روسيا-إيران – حزب الله- وفصائل عراقية وشيشانية وجنسيات أخرى) والتحموا بفكره سياسياً وعسكرياً وعقائدياً وحتى طائفياً بعدما قرع العالم كاس دماء الأبرياء المطالبين بحريتهم وكرامتهم وعدالتهم الاجتماعية والإنسانية. 

أعوام فاضت جنباتها بالدم السوري، اختلطت بها الأوراق وتبدلت الموازين وكثر اللاعبون والمتآمرون والعابثون بسوريا أرضاً وشعباً ومستقبلاً ليبقى تجرّع الألم من نصيب المقهور والمظلوم والمكلوم وليبقى المتنطحون لقيادة ثورته ينظرون لمصالحهم الضيقة ويقيّمون الحل والخلاص وفقاً لذلك.

النظام المجرم وزبانيته المنتمون إلى كل طوائف الوطن الذبيح كما “يّدعون”، اتخذوا قرارهم بقتل السوريين مذ ارتعدت أوصالهم  في اللحظات الأولى للحراك السلمي الثوري في سوريا بتاريخ 5 شباط 2011 والتي لم يكتب لها النجاح حتى خرجت أول مظاهرة سورية حرة في 15 /3/2011 أمام مسجد بني أمية الكبير بدمشق و إمتدادها إلى سوق الحريقة الدمشقي العريق صادحة بعبارات “الشعب السوري ما بينذل”، “سوريا حرة حرة”،  إلى إشعال شرارتها وإعلاء جذوتها التي أصبحت منارة للأجيال في سهل حوران الأبي بتاريخ 18/3/2011 لتكون مهد الثورة السورية وانطلاقتها الثانية والتي شهدت أولى حوادث إطلاق النار من عصابات أمن النظام على المتظاهرين السلميين، “حرية حرية سلمية سلمية”  عبارات حفرة في الذاكرة.

حمص عاصمة الثورة وقلبها النابض، وأول من أسقط صورة الطغاة، ليكون نصيبها من الألم بحجم ألم العالم وسكانه .. لقد كان إعادة احتلالها هدفاً أساسيا، جهد النظام المجرم خلال سنتين من البطولات لثوارها التي لا يمكن وصفها أو حصرها العمل بكل الوسائل لإعادتها، ما تلقته من قذائف وبراميل متفجرة وطلعات جوية وصوراريخ بالستية وكل أنواع الأسلحة كفيل بإسقاط دول بعينها موجودة على خارطتنا العربية وحتى الدولية.

عندما نكتب عن سوريا نكتب عن مأساة وطن أصبح للثانية المنقضية فيه قيمة، المجازر المرتكبة بحق أهلها فاقت حروف الكلمات وبات إحصاؤها مستحيلاً بعد أن أفنيت قرى وأحياء ومناطق عن بكرة أبيها، 

لكننا سنستذكر طيفاً يسيراً منها راعتنا قسوة صورها المتسربة “الصنمين ودرعا البلد ودوما وداريا وجوبر وعين ترما والقدم والتضامن والميدان وكرم الزيتون وساعة حمص و القبير والحولة و الرستن وتلبيسة وبابا عمرو والبياضة وباب سباع والدار الكبيرة والحصن ومهين والقريتين وحماة وكفر نبل والبيضة وبانياس وإدلب والكلاسة والسوق في حلب والسفيرة وعزاز ومنبج والرقة وسلمى والحسكة والقنيطرة وخان الشيح وبرزة والمعضمية ودير الزور وتدمر والنبك ويبرود والقصير ودير عطية والعتيبة والغوطة الشرقية وقبلهم وبعدهم وما بينهم آلاف من المجازر اليومية، لعلنا يجب أن نكتب اسم كل حي أو منطقة أو قرية أو مدينة أو شارع سوري بمؤيديه ومعارضيه، لتبقى فوق ذاك مجازره المتوارية في أقبية السجون مجهولة بغالبيتها رغم تكشف بعضها عن صور يصعب تصورها وتخيل فكر الأشخاص الذين نفذوها بحق معتقلي الحرية السورية.

سنوات من القتل الممنهج للبشر والحجر وسرقة لكل شيء ارتبط اسمه بالحرية، حتى أعضاء الشهداء لم تسلم، لتنكشف الأقنعة التي حاول من خلالها أقبح نظام للعملاء تغطّيتها والمرتكبة بحق الدولة السورية منذ ستينات القرن الماضي بين ثورات للتصفية وأخرى للاستبداد، ليرزح الوطن عقوداً تحت جور الطغاة  .

أمام تلك المأساة المتواصلة وأمام تخاذل العالم بل تآمره ككل على فكر الحرية النقي وعلى سوريا ومستقبلها وأمام ضعف إدارة ملف الصراع من الائتلاف مع الطغاة سياسياً وعسكرياً وأمام تعاظم المأساة، كان علينا إعادة  قراءة ماضينا لنعلم كيف نصل إلى بر الأمان .

إن تحليلنا للواقع السوري خلال حقبة الأسد الأب المجرم والابن يضع أمام أعيننا العديد من الحقائق التي كان البطش والتسلط والتغول الأمني على المجتمع سبباً في تأخر الكشف عنها والوقوف بوجهها وتعريتها. 

يؤكد استيلاء حافظ الاسد على السلطة في العام 1971 من الرئيس المدني نور الدين الأتاسي في انقلاب عسكري ثم تعديل الدستور بما يتناسب معه واعتقال الضباط المقربين منه والمنتمين إلى طائفته وخصوصاً صلاح جديد ومحمد عمران أنه قاتل ومجرم بكل المقاييس ولن يتوانى عن فتح سيول من الدماء في سبيل تحقيق أهدافه وطموحاته وهو ما دفع قادة تنظيم الاخوان المسلمين في وقتها الى التفكير جديا في اسقاطه رغم كل المحاولات الإغرائية التي قدمت لهم ليكون رفضهم في ثمانينات القرن الماضي، الضوء الأخضر للقتلى لتنفيذ مجزرة حماة المحفورة في قلوب السوريين.

إن الإجراءات الاقتصادية التي انتهجها الاسد الأب ثم الإبن كانت مرفوضة من قبل السوريين عموماً إلا المنتمين لهذا النظام (طائفة النظام) وليس طائفة الدين الأمر الذي خلق تحولا اجتماعيا سريعا لدى فئة كانت معدمة في التاريخ القريب والبعيد إذ تحولت في غضون ثلاثة عقود إلى ملاك للدولة تحت منهج الاشتراكية المزعوم، وهو ما خلق تفاوتاً طبقيا كبيراً بدى جلياً في السنوات العشر الاخيرة التي ظهر بها ما يعرف بين السوريين (بالتجار العمالقة) وهم مجموعة من الأشخاص كانوا لفترة قريبة من الزمن موظفون في بعض الشركات ونظراً لامتلاكهم مؤهلات الوصول المطلوبة عند النظام (القرابة – الفساد – انعدام الأخلاق – الحاجة – استعدادهم لعمل أي شيء للوصول الى المال) ما جعلهم واجهة النظام في السيطرة على مقدرات الشعب في مقابل اطلاق يدهم على رقاب الشعب.

لقد أنتجت تلك المجموعة كل قوانين الدولة نتيجة ارتباطها المباشر بكل الحكومات السورية الصورية المتعاقبة، وهو ما يفسر استيلاء (رامي مخلوف وذو الهمة شاليش وغيرهم ) على مقدرات الشعب الامر الذي أرهق الاقتصاد وأضعف انتاجية الدولة ورهنها بأيد حفنة من اللصوص والوصوليين والانتهازيين الذين ينظرون لها على أنها مزرعة لهم والناس فيها عبيد عندهم.

إن التأخر الزراعي الذي شهدته سوريا خلال العقود الأربعة الماضية وخصوصاً في حكم بشار الأسد وإرهاق الفلاحين بالضرائب والرسوم والقوانين خلق أزمة معاشية قاسية سببت نزوحهم إلى المدن في المناطق والقرى الفقيرة والتي تعاني بالأساس من مشاكل خدماتية كثيرة كالسكن والنقل والخدمات الصحية والتعليمية والماء والغذاء الامر الذي سبب دماراً زراعيا عظيما لدولة تعتبر أساساً زراعية ما أعاد إنتاج النظم الاقطاعية والرأسمالية بقوالب جديدة بعدما سيطرت طبقة (التجار العمالقة) على الجانب الزراعي أيضا واستولت على أراضي الدولة بطرق قذرة وبأبخس الأثمان في وقت كان الفلاح يسعى بكل السبل إلى الحصول على قطعة أرض يستثمرها للبقاء على قيد الحياة كما تم تجاوز القوانين لأجلهم في عمليات الاستثمار في مقابل تكبيل الفلاح البسيط بالقيود والحواجز والعقبات وهو أمر كان مدروس ليعود صاحب الأرض أجيراً عند طبقة معينة تتحكم بقوته.

إن الجانب التجاري والقوانين التي أقرها نظام الاسد الاب والابن خلال أربع عقود كانت محكومة لفئة بل إننا لا نبالغ عندما نقول إن هؤلاء التجار العمالقة “شركاء النظام” هم الحكام الفعليين للدولة وهم حكومة الظل بكل مكوناتها، لتكون قرارات الحكومة المعلنة هي تبني قراراتهم. إن الأرقام المقدرة لثروة آل الأسد وحثالته من اللصوص مهولة جداً بل يصعب تخيلها (مئات المليارات من الدولارات) وهو ما يفوق ميزانية الدولة السورية بكل مقوماتها بمئات أو حتى آلاف المرات ما يؤكد أنهم لم يعملوا لمصلحة الوطن يوماً بل لمصالحهم الشخصية، إذ أن متوسط دخل الفرد السوري في العام 2008 قدر ما بين 150 الى300 دولار في وقت كانت كل الدراسات الاقتصادية الدولية تؤكد ان مقدرات سوريا والتي هي ملك للشعب تخوله ان يعيش بمستوى مرموق وبمتوسط دخل يتراوح الحد الأدنى فيه 1500 دولار ويصل الى نحو 3000 دولار حسب طبيعة العمل والكفاءة.

ي جانب واحد من مقدرات سوريا) الثروات البترولية والتي درج على اعتبارها منذ حقبت الاسد الأب في أيد أمينة وهنا يكفي ان نشير إلى أن سوريا تصدر يوميا ما يربو على380 ألف برميل من النفط الخام بشكل رسمي وتصدر نحوهم بطريقة غير رسمية وبحساب بسيط اذا ما اعتبرنا أن ما يرد صافياً للدولة من سعر برميل النفط الخام هو (40) دولار للبرميل يصبح قيمة التصدير اليومية للدولة (15,200000)  ليبلغ الرقم خلال عام نحو ستة مليارات دولار معلنة ويكون هناك رقم آخر يجاريه أو يتخطاه غير معلن وكلها كانت في جيوب آل الأسد وبعض أعوانه وهو ما يفسر تضخم ثروتهم إلى هذا الحد وربما اكثر بكثير.

إن ازدياد معاناة الشعب من الظلم والقهر والفقر وازدياد تسلط الأمن بفروعه المختلفة والتي تجاوزت (14) فرعاً فاقم الحقد والكراهية لهذا النظام وبدأ الناس يبحثون ويتحدثون في جلساتهم عن طرق الخلاص منه خاصة وأن وجوده بالأساس غير شرعي بنظر الغالبية المحكومة قسراً لتكون شرارة تونس من قبل بائع بسيط يدعى محمد البوعزيزي دفقة للخلاص من الطغاة مع تجاهل النظام الصريح لهذه الاحداث بل واستهتاره بها إعلامياً.

إن استمرار الحل الامني ولّد رد فعل عكسي ودفع المواطنين إلى حمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم وأهلهم وأملاكهم وأعراضهم خصوصاً بعدما جندت جمعية البستان التابعة لرامي مخلوف الشبيحة وخصصت لهم رواتب شهرية بناء على كمية القتل التي ينفذونها في أهل السنة والمنتفضين في وجه المجرمين من كل الطوائف عامةً.

لقد شارك المثقفون الشعب في ثورتهم وهو ما أدى إلى اعتقال الآلاف خلف القضبان واستشهاد آخرون وتهجير الكثيرين قسراً وتمايزت المصالح الدولية والعربية والإيرانية في الساحة السورية وتمايز الثوار أنفسهم وبدأت رائحة نتن السلطة وحب الظهور والمكاسب تعلو على رائحة الياسمين الدمشقي، وتشتتنا بين جمعيات وحركات وأحزاب وتجمعات وائتلافات وكتل وأحلاف وجبهات ومحاور والشعب وحده غير موجود ويدفع الثمن.

في خضم السنوات الأربع الماضية تغيرت الأحداث مراراً أمام مرآى الشعب المظلوم،  فبعدما كان سقوط النظام قاب قوسين ثبت انقسامنا السياسي والعسكري والفكري بقاءه بدعم دولي ورعاية إسرائيلية، وبات تسليمه لترسانة السلاح الكيمياوي التي قامت من دماء الشعب أهم أمام العالم الذي يدّعي الديمقراطية من سيل الدماء الطاهرة، وأصبح بقاء المجرم ضمان لاستقرار المنطقة ولتبرير ذلك ولتأكيده كان يجب شيطنة الثورة فجعلوا القاعدة بعبع العصر وحولها إعلامنا الثوري مع الأسف إلى حقيقة دون ان يدري وروجت لذلك ملايين الدولارات التي وضعت في جيوب كبريات وسائل الاعلام الغربي فنسي العالم حمزة الخطيب ومئات الآلاف مثله وتذكروا أبو صقار، وتناسوا دولة الاستبداد واللصوص والقتل وتذكروا فقط دولة الخلافة الوليدة وخطاب أمير المؤمنين ، بينما انخنقت (معارضتنا السياسية والعسكرية) في زواريب مصالحها ومحاصصتها ونسيت ما أوكُلت له وازداد انقسامهم وتخوينهم وتشرذمهم في حين ازداد التحام المجرمين ببعض مفارقة تدعو للضحك والقرف وتدفعنا للتساؤل..؟ 

كيف سننقذ ما تبق من سوريا وشعبها ؟

في كل الثورات كان هناك شعب مضحي ودوافع وأسباب للحراك وقادة يخرجون من جنباتها إلا في ثورتنا!، فبرغم كل الأسباب الموجبة لذلك وبرغم وجود الشعب المؤيد للحراك لم تستطع ثورتنا الخروج بقائد لها أو فريق من القادة يلتف حولهم الناس ويثقون بهم ويعود ذلك لأسباب كثيرة أهمها 

أولاً: أننا شعب مقموع ومضطهد وفاسد لأربعين عاماً ومن الصعب أن تمنح ثقة الناس للفاسدين المرتبطين سابقاً بالفاسدين والمجرمين.

 ثانيا: أن انفصال الكتل السياسية عن الواقع وانشغال أعضائها في مهاتر اتهم ومؤامراتهم أعاد النظر في وجودها الدولي وأكد أن القاتل وحده من يملك التمثيل الحقيقي.

ثالثاً: إن سوء إدارة ملف الصراع السياسي من قبل المعارضة جعلها ألعوبة بيد المحاور الإقليمية والدولية لكونهم ممثلين عنهم أصلاً في تلك الكتل وليس عن الشعب وهو ما أفقدهم ثقة الجماهيرالثائرة.

رابعاً: نظرة الشعب للمعارضين السياسيين ومعرفته بماضي غالبيتهم السيء بل واختراق وتجنيد البعض منهم من قبل مخابرات النظام جعلهم أسوأ منه بالنسبة لهم.

خامساً : دخول السياسيين في حلقة شراء الولاءات العسكرية من خلال المال السياسي والذي تسبب في فقد الجيش الحر للكثير من المناطق التي كانت تحت سيطرته والوثائق والمعطيات تؤكد ذلك.

سادساً: فشل الكتل السياسية وشخصياتها المعارضة في إدارة أي ملف ( إغاثي- طبي- خدماتي- إعلامي-قانوني- عسكري- مهجرين- نازحين- مناطق آمنة- تسويق نفط – تسويق محاصيل- تأمين حياة للسوريين في دول الجوار.. الخ) .

سابعاً: عمل الشخصيات المعارضة “الممثلة للشعب” وفق مصالح الدول الداعمة لها وتخوينها للسوريين وثورتهم الأمر الذي كان سبباً في المطالبة بإسقاط شرعية الجميع.

ثامناً: حصول غالبية المعارضة السياسية على لجوء سياسي في دول أوروبا وأميركا أو إقامات دائمة في دول خليجية وانشغالهم بصفقات السلاح الوهمية والتمويل الشخصي وحملات تهريب السوريين لأوروبا للحصول على لجوء بدلا من العمل على تأمين مصالح الشعب في مخيمات اللجوء والداخل المنكوب.

تاسعاً: تحول عمل المعارضة السياسية على اختلافها إلى عقد المؤتمرات والحضور الشرفي هنا وهناك والتنظير والتطبيل لبعض المشاريع المستوردة دون النظر للواقع أو محاولة الدخول للمناطق الآمنة والالتحاق بالشعب.

عاشراً: عدم مقدرة المعارضة مجتمعة على إدارة ملف المعتقلين والمفقودين مع الأمم المتحدة .. فضلاً عن أسباب أخرى يطول سردها.

إن النجاح وتحقيق النصر يحتاج إلى صبر وثقة بالحق ويحتاج إلى قادة أهل لحمل الراية لذلك لابد من أن تنتج ثورتنا قادتها لتعيد ترتيب نفسها سياسيا وعسكريا وفي كل المجالات، يجب ان نسقط “الأنا” ونحارب التعصب الطائفي والعائلي والعشائري، وأن ندفع بالأكفاء للواجهة، فتلك السنوات غربلت الجميع وكشفت صدق وزيف الجميع، لم يعد مقبولاً من أحد النواح على الأطلال، والتعصب للفكر الواحد والرأي الواحد والشخص الواحد إذا كنّا مازلنا نبحث عن وطن وشعب تائه في جنباته .. ماذا ننتظر ونصف شعبنا أصبح موسوماً بكلمة لاجئ او نازح ..! ماذا ننتظر من معارضة مهترئة فاشلة تبحث عن منفعتها..! ماذا ننتظر من كتائب وألولوية وجبهات مشرذمة أمام جيوش منظمة..! ماذا ننتظر من عالم كاذب منافق مدّعِ للديمقراطية والحرية والعدالة الانسانية يدعم القاتل ولو أعلن غير ذلك..! ماذا ننتظر من دول عربية هشّة محكومة للغرب.

إن استمرار الشعب السوري برغم الألم والدمار والتشريد والقتل والاغتصاب في ثورته لسنوات يؤكد حجم الظلم الذي كان سائداً لعقود خلت وأنه مستعد لمتابعة الطريق سنوات أخرى لإنهاء حقبة مظلمة في تاريخ البشرية ليس لها مثيل في التاريخ القديم والحديث وأنه وحده قادر على قلب كل الموازيين ونسف كل المخططات وتحقيق النصر على الطغاة.

إدارة الدولة بعد سقوط النظام

بداية .. إن الشعب السوري لن يقبل بعد كل تلك التضحيات بأي كتلة أو هيئة تفرض الوصاية الجديدة المطلقة على الشعب حتى لو جاءت بها كل دول العالم، خصوصاً وأن غالبية الشخصيات الممثلة لتلك الكتلالسياسية على اختلافها والتي التحفت بالثورة واكتسبت مشروعيتها من الشعب ثبت فسادها بل وسوء إدارتها للملفات الموكلة لهم ونهبها لأموال الشعب، إذ لم يثر السوريون على الطغاة والحزب الواحد والرؤية الواحدة لإعادة إنتاجها من جديد تحت أي صفة كانت.

 لكن ..وحتى نكون واقعيين نقبل بإجراء انتقالي محدد المدة والصلاحيات بحيث لا تتجاوز مدته العام تكون مهمة تلك الجهة الموكلة به أياً كانت تسميتها إجراء انتخابات برلمانية لمجلس شعب منتخب “تشريع” ينبثق عنه حكومة وطنية حرة تسقط مع مجلس الشعب الذي يصبح رئيسه بحكم الدستور مفوضاً بصلاحيات رئيس الجمهورية كل الكتل الأخرى مهما كانت صفتها أو محسوبياتها عن التصرف بأمر الدولة ، وهنا لا داعي للمراوغة بوضع البلد وخوف الناس من انتخاب ممثليهم ، ولو دعوناهم للانتخاب فور سقوط النظام لاختاروا الأفضل حتما بدلاً عن هذه القرطة السياسية التي تمتطي ثورتهم والتي أغرقتها في زواريب مصالحها الشخصية.

تقوم الجهة الموكلة بالمرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب مجلس الشعب وتشكيل حكومته التي يجب أن تأخذ الشرعية منه وحده وليس من ائتلاف أو ما شابه عملاً بالدستور .. لتقوم بداية بالعمل على إعادة الأمن للمناطق من خلال قيادات الكتائب والألوية التي يفترض بهم وفور انتهاء معارك التحرير تشكيل فرق الأمن المحلية وفق هيكلية مؤسساتية لتكون نواة الشرطة في وزارة الداخلية مستقبلاً ويكون من المفضل أن تضم تلك التشكيلات في مناطقها أفراد الشرطة المنشقين عن النظام لخبرتهم في العمل الشرطي سابقا وأصوله وبعض الراغبين في التطوع لاحقا في هذا السلك وفق احتياجات كل منطقة، ثم العمل على تسليم سلاح تلك الكتائب والجبهات والألوية لهؤلاء الأفراد في مناطقهم مع وضع رقابة مشتركة من تلك الجبهات على السلاح إلى حين تشكيل حكومة مسؤولة ومنتخبة للشعب. 

كما يناط بقيادات الثوار العمل على انتاج مبدأ رقابة المجتمع وإشراك الوجهاء والشباب في المدن والمناطق في اختيار لجانهم لمراقبة استمرار عمل المؤسسات الحكومية دون التدخل بشؤونها بعد تحييد الشبيحة الذين تم تعيينهم بدلاً عن المفصولين تعسفيا على خلفية الثورة ومحاكمة المتورطين في القتل والتشبيح والسرقة منهم بإحالتهم الى القضاء المختص وإنتاج هيئات إدارية جديدة مؤقتة للمؤسسات من الأحرار الأكفاء بعد إعادتهم لمؤسساتهم مع الشرفاء الموجودين فيها وإنشاء إدارات أخرى مشابهة للأمن والجيش وكل وزارات الدولة إلى حين مباشرة الحكومة المنتخبة ومجلس الشعب لصلاحياتهما

تحدد الحكومة بعد تكليفها من مجلس الشعب برنامجها الذي ستنال من خلاله الثقة في إعادة إطلاق عملية بناء الدولة في كل المجالات وفق خطة زمنية محددة المعالم تراجع فيها الحكومة وتسأل في كل مرحلة من المراحل من قبل مجلس الشعب المنتخب ولجانه المختصة المنبثقة عنه، كما تحدد موعداً دقيقاً لإجراء الانتخابات الرئاسية وآلية إجراءها وطريقة الانتخاب ومدة البرامج الانتخابية وشروط الترشيح المتوافقة مع الدستور بعد تعديله من قبل المجلس المنتخب واجراء الاستفتاء العام عليه.

وتقر الحكومة الوطنية إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية ومجالس إداراتها وفقا للرؤية المستقبلية للدولة بعدما تصدر قراراً يقضي بعودة كافة العاملين المطرودين من وظائفهم على خلفية الثورة واعتبار كل تلك المدة على رأس عملهم وتعويضهم بكل ما ينص عليه القانون كما تصدر قراراً لاحقاً ينص على صرف كل الذين تم تعيينهم من قبل المجرم من القتلى لسد الفراغ في مؤسسات الدولة بعد انشقاق واعتقال آلاف الأحرار وإحالة المسؤولين عن تلك القرارات صغرت أم كبرت والمتورطين معهم بذلك إلى المحاكم المختصة وبخاصة هؤلاء الأشخاص الذين كانوا سببا في قتل واعتقال المعارضين للنظام.

 تقوم الحكومة بإقرار قرار إعادة هيكلة الجيش والأمن مع رفدهم بكوادر وأفراد وطنيين شاركوا في الجبهات كقادة وأفراد حسب قدراتهم وشهاداتهم و مؤهلاتهم ، وتعد مشروع قانون العمل الجديد الذي يجب ان يراعى التوزع الجغرافي ونسب تمثيل الطوائف في كل المؤسسات على أسس عادلة مع تثقيل أول خمس سنوات لصالح المحافظات والمدن والقرى الأكثر تضرراً وعليها إقرار قوانين الحريات السياسية والدينية والفكرية وقانون منع الممارسة السياسية للقتلة وإعادة صياغة قوانين الاستثمار وغيرها من القوانين الضرورية التي يجب ان ترعى مصلحة المواطن وتقدمه لمجلس الشعب للإقرار.

تضع الحكومة في أولوياتها موضوع حاجات المواطنين من مساكن وتأمين مستلزمات الزراعة والصناعة واستثمار الثروة النفطية التي يجب ان تحددها بوضوح وتحدد عائديتها للشعب فقط وبعد انتخاب رئيس للجمهورية تقدم الحكومة استقالتها ليصار إلى تكليف حكومة جديدة يفترض أن تستمر في ذات نهج البناء لتبدأ عملية النهوض من جديد بعد اكتمال كل السلطات الثلاث ويراعي في مشروع الدستور السوري الجديد فصل السلطات القضائية عن السلطات التشريعية والتنفيذية وحقوق وواجبات المواطنين بدون أي استثناء ليكون القضاء هو الحكم بين السلطات وقتها .

سوريا و الصراع الدموي… \ دراسة\ بقلم الصحافي: مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top