ميليشيا حزب الله تُستنزف في سوريا

ميليشيا حزب الله تُستنزف في سوريا

* تتوالى عمليات السقوط والانتكاسات المتتالية لميليشيا حزب الله اللبناني المتصدر للحرب ضد الشعب السوري مع قوات الأسد ، وانتصارات ترفع الروح المعنوية لثوار سوريا عليه ، فقد خسر حزب الله في الأيام الماضية العشرات من جنوده فضلاً عن قيادات عسكرية بارزة تم دحرها في معارك مع الثوار ، وذلك في هزائم متتالية لم يتذوقها حزب الله من قبل بدءاً من ريف حمص وليس انتهاءاً في منطقة السيدة زينب في دمشق وحلب ، ويعود السبب في ذلك حسب رأي الخبير العسكري الاستراتيجي العميد نزار عبد القادر إن “قواته ليست منظمة أصلا لمعركة هجومية وتفتقد لبعض عناصر القوة الهجومية، والحزب مدرّب للقتال الدفاعي ضمن بلدات وقرى الجنوب، ومن هنا افتقاده لعنصر الصدم وعنصر الحماية وقاعدة النيران المدمرة، ما يجعل عملياته محوطة بكثير من الأخطار”،  والخسائر المتتالية بسبب الهجمات المباغتة التي تتعرض لها قواته .

 

ويخلص عبد القادر إلى أنّ “الحرب الداخلية تبدأ دائماً بشيء وتنتهي بشيء آخر مختلف. أميركا بدأت في حرب فيتنام ببضع مئات من المستشارين وانتهت بمقتل نصف مليون جندي، طبعاً مع الفارق في الأحجام بين الحزب والقوات المسلحة الأميركية، لكن الحزب قد ينتهي بآلاف القتلى” في حال استمراره بالقتال في سوريا.

  ويشير عبد القادر إلى ضعف الرهان على إمكانية نجاح الحزب في الحرب السورية أو قيامه بعمليات هجومية واسعة داخلها ، مختصر القول كما يرى العميد عبد القادر إن خطورة الموضوع هي بمكان من الأهمية تتطلب “حكمة” و”براغماتية” من جانب “حزب الله”، الذي على قيادته أن تتجرّد من كل “الإرث العاطفي والطائفي ” لعلاقتها مع النظام السوري، وتُجري إعادة تقييم للموقف بشكل موضوعي وبما يتناسب مع مصلحة الحزب ولبنان.

* من جانب آخر رأى منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد : ألا “تياران في الحزب ولا أجنحة، بل يعيش حالة إرباك وكأنه يمشي وبحصة في حذائه ومأساة فيتنامية . ورغم استكباره وادعاءه انه يملك طائرات  من دون طيار يأتي في إطار رفع المعنويات المتهاوية لشعبيته وجمهوره  ، فإن قرار إيران بإدخاله في الحرب السورية أنهكته وأتعبته وبدا أمام الرأي العام انه مربك  .

* وكشف تقرير استخباري أوروبي عن أن إحدى دول أميركا اللاتينية نقلت إلى الحكومة الإيرانية صور أقمار تجسس اصطناعية التقطها أحدها فوق سورية ولبنان أخيراً, تُظهر بوضوح حشوداً كثيفة يقدر عدد عناصرها بالعشرات من المقاتلين المتشددين ينتشرون على مرتفعات سلسلة جبال لبنان الشرقية فوق بلدة عرسال, وأقاموا تحصينات وحفروا خنادق وأنفاقاً استعداداً لفصل الشتاء, “ما يعكس حجم الخوف والارتباك بين صفوفهم . 

وكشف التقرير الذي اطلعت صحيفة “السياسة” الكويتية على بعض جوانبه  عن أن ميليشيا “حزب الله” التي تقاتل إلى جانب نظام الأسد على جبهات عدة, “أصيبت بالخسائر البشرية الأكبر خلال الأسابيع الأربعة الماضية في بلدات ومرتفعات القلمون, حيث قَدرت أوساط في الجيش الحكومي السوري لوفد روسي يزور دمشق أن تلك الخسائر بلغت أكثر من 140 قتيلاً و180 جريحاً منذ منتصف سبتمبر الماضي”.

ونسب التقرير إلى مسؤول في “حركة أمل” الشيعية المتحالفة مع “حزب الله” قوله “إن الشارع الشيعي متوسط الحال لم يعد متهافتاً كما من قبل على التطوع في “حزب الله”, فيما حتى المحتاجون من الشباب الشيعي العاطل عن العمل باتوا أكثر تردداً في الانخراط بالحزب الذي يرسلهم جنوباً وشمالاً لمقاتلة أعداء افتراضيين خارج الحدود, رغم زيادة رواتب الفرد منهم منذ نهاية مايو الماضي, كما أن رؤساء كوادر وقياديين عسكريين وأمنيين بدأوا يتساءلون: إذا كانت إيران تحاول إنقاذ نظام الأسد من الانهيار فلماذا ترسلنا نحن إلى “المسلخ” ولماذا لا ترسل عشرة آلاف من حرسها الثوري إلى دمشق كما فعلت في العراق?”.

وأضاف التقرير الألماني الاستخباري أن حسن نصر الله والعصبة الصغيرة الملتفة حوله “قد يتوصلان قريباً جداً إلى التخلي عن ممانعتهما توسيع مهمة قوات “يونيفيل” في جنوب لبنان ومياهه الإقليمية لتشمل الحدود السورية في شرق لبنان وشماله, لأن تلك القوات ستشكل حاجزاً آمناً لميليشيا الحزب الإيراني من المعارضين السوريين , كما تشكل له حزاماً آمنا آخر مع الجيش الإسرائيلي منذ حرب 2006 وصدور القرار 1701″.

* وليس هناك ماهو أدل وأوضح على تداعي هذه الميليشيا وتهاويها مما بثه المكتب الإعلامي في القلمون لاعترافات العنصر الأسير من ميليشيا حزب الله عماد عياد البالغ من العمر / 23/ عاما الذي يعتبر الأول من نوعه منذ بداية الثورة وانخراط الحزب في المعركة على الأراضي السورية ، ومما قاله عياد : أنا تعبئة أي احتياط ، ووجه رسالة لوم إلى زعيم الميليشيا حسن نصر الله ، وقال أنه يتم خذلانهم عندما تقع بين صفوفهم إصابات حيث لا تجدي طلبات العون والمساندة أمام تقدم الثوار ، وتشير التحقيقات إن  الحزب عَمِّد بعد حرب تموز 2006 مع إسرائيل إلى تجنيد وتدريب أكثر من 50,000 مقاتل، وإنّ عدداً كبيراً من هذا “الجيل الجديد” من المقاتلين بحسب ما قاله الأسير عياد شاركوا بشكل أساسي في القتال في سوريا ولم يبقَ منهم إلا مايزيد على 200 متواجدون في عرسال .

أضف إلى ذلك أنه قبل أسابيع أعلن الحزب عن حملة لتجنيد 600 مقاتل للقتال  في سوريا بحسب ما نقلت مواقع لبنانية، فكانت النتيجة أن المتطوعين لم يتجاوزوا 150 شخصًا، ما يعكس طبيعة المزاج الشعبي العام اليائس في ظل تواصل قدوم النعوش إلى لبنان، وعبثية المعركة برمتها، وهي عبثية تؤكدها تلك الانتصارات المكرورة والملفقة التي يتحدث عنها حزب الله من دون أن تؤدي إلى حسم للمعركة التي سجلت جملة من التراجعات للنظام خلال الشهور الأخيرة .

* إذاً بوسع ميليشيا حزب الله أن يتحدث عن انتصاره الوهمي في معركة الأحد في جرود بريتال ، لكن العشرة الذين شيّعهم من قتلاه في ذلك اليوم سيقولون لجمهوره شيئًا آخر يختلف عن البطولة التي يدعيها وبعض المتحدثين باسمه.

قبل شهور طويلة أعلنت الميليشيا أنها انتصرت في معركة القلمون ، لكن الانتصار لم يسفر عن وقف قدوم النعوش من لبنان واحدًا إثر الآخر، وأحيانًا على شكل أعداد في اليوم الواحد، فيما يشيَّعون دائمًا تحت شعار أنهم قضوا أثناء تأدية مهمة جهادية، من دون أن تقال الحقيقة ممثلة في أنهم كانوا يدافعون عن طاغية يقتل شعبه، ويسعون لإجهاض ثورة شعب قام ضد دكتاتور فاسد.

 لولا تدخل حزب الله في سوريا لما وصل العنف إليه أو إلى لبنان، ولما اختُطف الجنود اللبنانيون، ولولاه لما كان كل هذا الحشد الطائفي في البلد، بل إنه لولاه لسقط النظام، وانتهت المشكلة، لكن الجميع يعلم أن الحزب يتبع خيارات “الولي الفقيه”، وليس خياراته الخاصة، ولم يكن له أن يخالف في قضية حساسة من هذا النوع .

وتفيد الأنباء وفقاً لصحيفة الوطن السعودية إلى أن أمين عام ميليشيا حزب الله حسن نصر الله ألمح لبعض المسؤوليين الإيرانيين إلى ضرورة البحث عن مخرج لتورطه في القتال إلى جانب النظام السوري ، وبرر طلبه بتعاظم الضغوط الشعبية على قيادة الحزب بسبب تزايد أعداد قتلاه ، لاسيما بعد معركة بريتال والخسائر الكبيرة التي مُنيَ بها قتلى وجرحى وأسرى ، إلا أن الجانب الإيراني قابل الطلب بالرفض ، مشيراً إلى أن أوان هذه الخطوة لم تحن بعد . 

كل المبررات التي تُساق هنا لا قيمة لها البتة، فالكل يعرف الحقيقة، ولم يتلبس حزب الله بفضيحة الكذب والتزوير كما حصل له منذ تدخُّله في سوريا ضد طاغية يقتل شعبه، وربما تكرر الأمر الآن في خطابه الإعلامي المتعلق باليمن، وحيث يقف التحالف الإيراني إلى جانب ثورة مزعومة تتحالف مع النظام الفاسد المخلوع، وتُعاقب كل الذين ثاروا ضده ! لماذا لم ينصح حزب الله الحوثيين باختيار طريق الحوار كما فعل في سوريا ؟! هل أن بشار الأسد أفضل من عبد ربه منصور هادي، وهل تُقارن دكتاتورية بشار وفساد نظامه (دعك من طائفيته) بمثيله في اليمن؟!

بقيت الإشارة إلى العملية التي نفذها حزب الله ضد دورية صهيونية في الجنوب بعد يوم الثلاثاء، والتي أصابت 3 جنود، وبالطبع ردًّا على إصابة جندي لبناني برصاص إسرائيلي . وما ينبغي قوله أن خروقات إسرائيلية كثيرة وقعت من قبل ولم يرد الحزب عليها، لكن الرد المحدود والمبرمج هذه المرة إنما هو محاولة لتغيير صورة مشهد البؤس الراهن بعد معركة بريتال ، وماهي إلا محاولة عبثية، فقد ترك الحزب خيار المقاومة منذ 2006، أما الأهم، فهو أنه ما من شيء يمكن أن يمسح من تاريخه المشاركة في قتال شعب حر ثائر، لاسيما أنه لا يزال مصرًّا عليه (تغيرت المبررات مرارًا من حماية المراقد إلى حماية ظهر المقاومة، وصولًا إلى حماية لبنان من خطر التكفيريين)!!

ختاماً إن هذا الذي يجري سيستمر، ونزيف الحزب وإيران وحلفائها سيستمر أيضًا، وما هذه الفوضى التي تسود المنطقة والحرب فيها إلا نتاج ما جرى في سوريا، ولو لم تتورط إيران وتُورط حلفاؤها في سوريا لكان المشهد مختلفًا تمامًا، لكنه غرور القوة الذي سبق أن تلبَّس بوش فورّطه في حروب استنزاف لم تخرج منها بلاده أمريكا سالمة، وهو السيناريو الذي سيتكرر مع إيران وحُلفاءها أيضًا.

بقلم النقيب رشيد حوراني 

اترك تعليقاً

scroll to top