على خط المواجهة

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والأدباء السوريين الاحرار.

مع الإصرار الروسي على دحر الحلول السياسية إلى مربع الإخضاع للمناطق بالسطوة العسكرية وبالقوة العسكرية والالتفاف على استحقاقات العملية السياسية بالمماطلة حيناً وبالتسويف أحياناً، تبقى المنطقة ساحة مواجهة مفتوحة يدفع فيها الشعب السوري فاتورة باهظة التكاليف من دمه ومن ممتلكاته ومن استمرار مأساته التي يقف المجتمع الدولي اليوم عاجزا عن حلها بعد تسع سنوات من مأساة القرن لشعب يعيش دوامة عنف مستمر وقصف مستمر من الجو والبر والبحر على مدنه وبلداته وقراه حتى أصبحت الكثير من البلدات خاوية على عروشها بعد أن هجرها أهلها.

مئات الآلاف من السوريون أصبحوا من سكان العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في المناطق الحدودية القريبة من تركيا.

ضحايا مدنيون على مدار الساعة، دوّامة العنف هذه مستمرة طالما أن طريق العملية السياسية مغلق.

العنف لا يولد إلا العنف ومهما بلغت قوة المحتل فلن تحقق الاستقرار بالسطوة العسكرية وستبقى المنطقة ساحة مواجهة سيندحر فيها الغزاة والعابرون وسيبقى فيها أهلها صامدون، هم من خَبِرَ هواءها وماءها قبل أن يخبروا تضاريسها التي ابتلعت الكثير من الغزاة على مر التاريخ، ومنطق التاريخ يقول إن شمس الحقيقة ستبدد ظلام الاحتلال، ومهما طال هذا الليل فلن يستطيع أي محتل أن يستمر إلى الأبد.

تخسر الثورة في مكان لكن أهلها باقون ما بقي زيتون الشمال، ولا يموت حق وراءه مطالب.

إن سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الاحتلال الروسي للتقدم نحو فتح الطرق الدولية ((حلب-دمشق)) ثم ((حلب-اللاذقية)) بالقوة لن يكتب لها النجاح دون تحقيق تقدم في العملية السياسية، فأصل الأشياء هي معالجة الأسباب وليس النتائج، وما دام أصل الصراع وسببه هو وجود النظام الدكتاتوري القمعي فإن الصراع سوف يستمر بكل الطرق والأشكال، وحتى لو تقدم الروس والنظام فإن حرب استنزاف سوف تكون بانتظارهم، وسوف يدخل بوتين في نفق لا يعلم كيف سيخرج منه، وكيف ستكون نتائجه، ولنا في أمن الملاحة البحرية في الخليج العربي اليوم مثال صارخ إذ لا تستطيع السفن وناقلات النفط العبور دون غطاء جوي وحراسة مشددة ستكلف الأطراف من الجهد والمقدرات أضعاف مضاعفة فيما لو وضعت حلول سياسية تكون قاسم مشترك بين الفرقاء.

الهجوم البربري على الشمال السوري وَحّد بندقية الأطراف رغم اختلاف الأهداف، فقوى الثورة تحمل المشروع الوطني بإزاحة الدكتاتورية والوصول إلى مجتمع تتحقق فيه الحرية والعدالة الاجتماعية، أما القوى الأخرى فتحمل الأجندة الفوق وطنية وتحمل راية الجهاد المفتوح والعابر للحدود، لكن الاستهداف العشوائي والذي لا يميز بين هذا وذاك ولا بين طفل أو شيخ أو مقاتل جعل التصدي لهذا الهجوم أولوية لدى هذه القوى التي كانت بالأمس تتصارع فيما بينها.

الجانب التركي الذي انحاز لمطالب الشعب السوري رفض طلب النظام سحب نقاط المراقبة رغم استهداف هذه النقاط أكثر من مرة، وقد سارع الرئيس التركي أردوغان للذهاب إلى موسكو بهدف البحث في تصعيد القصف على المناطق السكنية وبهدف البحث في تسريع خطوات الحل السياسي الذي من شأنه أن ينهي مأساة الشعب السوري حيث أصر الجانب التركي على عقد قمة أنقرة الثلاثية في موعدها في السادس عشر من أيلول رغم كل محاولات النظام لخلط الأوراق والتهرب من استحقاقات الجلوس على طاولة الحل السياسي من خلال التصعيد العسكري المستمر ومن خلال القصف الجبان المستمر للسكان الآمنين.

وكان الأتراك قد وضعوا اللمسات الأخيرة على قيام منطقة عازلة شمال شرق سوريا تكون ملاذ للفارين من جحيم القصف المستمر عليهم وبذات الوقت تبعد الانفصاليين عن الحدود التركية.

ايران التي حُشرت في زاوية العقوبات الاقتصادية الأميريكية الخانقة تتلقى اليوم الرسائل الأميريكية الإضافية بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي الذي يتعامل مع أذرعها وهذه المرة ليس فقط في سوريا بل في لبنان والعراق أيضاً وأصبحت ايران أمام استحقاقات القبول بشروط الحل الأميريكية أو مواجهة التبعات الصادمة.

أخيراً، رغم كل الهجمة الشرسة عليه يستمر الشعب السوري بالثبات وعدم التنازل عن هدف إسقاط الدكتاتورية وهو يمارس حقه في النضال بشتى السبل للوصول إلى هذا الهدف، وها نحن أمام عمليات عسكرية جديدة ضد مواقع النظام في الشمال السوري، وحتى في مناطق المصالحات في الجنوب لم يهنئ النظام بالأمان، والساحة تشهد استهداف متكرر لقوات النظام هناك.

scroll to top