الأطفال وظلّ الحروب

مكتب المرأة -كوناي نشيواتي

إن غالبية المتضررين من ويلات الحروب هم عادة المستضعفون من الأطفال والنساء وكبار السن، فحرب نظام الأسد على الشعب السوري مستمرة منذ أكثر من ثماني سنوات، وقد ألقت بظلالها الثقيلة عليهم عامة والأطفال منهم خاصة، فهم من نال الحصة الأكبر من آثارها السلبية.

عاش الأطفال خلال هذه السنوات العجاف أوضاعاً صعبة من قصف لقوات النظام على مدنهم وبلداتهم وبيوتهم وخوف وقهر وتشرد ومنهم من فقد أحد أبويه ومنهم من فقد كليهما ومنهم من فقد بعضاً من عائلته وأقربائه وجيرانه، أما المحظوظ فيهم فقد نزح إلى منطقة أخرى تاركا خلفة بيتا دمرته الطائرات وذكريات التهمتها النيران ومقعداً فارغاً في مدرسته البعيدة.

وخلف ذلك تبعات نفسية واجتماعية عميقة تجلت في تفاصيل حياتهم اليومية تحملها ذاكرة مليئة بمشاهد الدمار والقتل والخوف والرهبة من المستقبل الذي أضاعت عيونهم البريئة ملامحه، وبات معظم أطفال الحرب ما بين يتيم أو مشرد أو معاق أو محروم، كما أن معايشتهم لأجواء الرعب والعنف أصابهم بصدمة تفوق درجة استيعابهم وتترك وراءها من الآثار النفسية والجسدية ما هو كفيل بتشويه معنى العالم مع فقدان للشعور بالأمان، ذلك الشعور الذي يمثل حاجة أساسية لنمو الطفل نفسيا ومعرفياً.

فبينما تتسرب الطفولة من بين أناملهم الصغيرة هم يكبرون وقد تنامى لدى بعضهم سلوك عدواني انعكس على حركاتهم وكلامهم، فهم يتعاملون مع بعض بقسوة ويتشاجرون كثيرا ويتصرفون ببعض التهور في حضور ضعيف للدعم النفسي وانخفاض في عدد المختصين النفسيين لمعالجة مثل هذه الحالات.

أما جلّ ألعاب هؤلاء الأطفال فتتمحور حول الحرب التي حملوا أوجاعها حتى في لهوهم، في حين ابتعدت كطيف شاحب الأراجيح المزركشة والطائرات الورقية ودفاتر الرسم والألوان.

وهناك معضلة أخرى لا تقل تعقيدا عن سابقاتها هي سلب الطفل حقوقه الأساسية من تعليم وإيواء، مما يفقده شروط الحياة الأساسية وتجعله يعيش حالة من الرعب فيفقد استمتاعه بالحياة.

إن افتقاد الطفل لأسرة قادرة على معالجة مشاعره السلبية واضطراباته النفسية يزيد الأمر سوءً حيث أن الأسرة غير واعية غالبا لاحتياجات أطفالها بسبب حجم خسائرها، فهي أيضا تعاني من الأمراض النفسية للحرب.

لذلك لابد من الدعم النفسي وتشجيع الطفل على التحدث عما يخفيه مع طرح البدائل التي تناسب معارفه وتحسن من قلقه، ولابد أيضا من توجيهه إلى ممارسة هواياته وألعابه ونشاطه لتحويل التوتر والقلق والخوف من مشاعر مرضية إلى سلوكيات منطوقة يمكن ضبطها والتحكم بها، كذلك يحتاج لمشاركة أطفال كانوا أكثر تماسكا أمام ظروف الحرب وذلك لأنه يميل للتقليد وربما يجد في ردود أفعالهم ما هو أنسب لمواجهة مواقف نكبات الحرب.

وأخيرا فان وجود جهات داعمة ومتخصصة تشتمل على معالجين نفسيين واجتماعيين ضرورة لإعادة هيكلة وتنشئة الطفل وجدانياً ومعرفياً.. حتى لا نخسر جيل المستقبل.

scroll to top