اللاجئون السوريون .. و ما هو الوطن!؟

وردة الهويدي

تقول “أم ابراهيم”، لاجئة حموية في تركيا، وحاصلة على الجنسية التركية منذ أكثر من ثلاثة أشهر: “بالنسبة لي كان الوطن، هو لمة الأهل والأحباب في الأفراح والأتراح، ولكن الوطن أيضاً حق وواجب، عدالة وحرية، وقانون فوق الجميع، وإحساس بالأمان. إنني وعلى الرغم من حصولي على الجنسية التركية، فلا أتمكن من انتزاع الكم الهائل من الحنين لحماة وشعوري الصارخ بالانتماء إليها”. أما السيدة “منى”، لاجئة في تركيا من حمص فتقول : ” بحلول شهر تموز 2019، يكون قد مضى على وجودي في تركيا ست سنوات، اتقنت خلال السنوات تلك اللغة التركية، واستطاع زوجي فتح محل مرخص للألبسة، كما أنني انجبت احدى بناتي على الأرض التركية. واذا حالفني الحظ وحصلت على الجنسية التركية، اخطط لبيع كل ما أملك في حمص، لأشتري منزلاً لي ولعائلتي في تركيا، حيث سأبني حياة ووطن جديد”. ومن جهتها تقول “ندى” : ” لا تفارقني رغبة العودة إلى سوريا، ولكنني عندما أشاهد كمية الرعاية النفسية والصحية والتعليمية التي يحصل عليها ابنائي في ألمانيا، أنسف الرغبة بالعودة من أساسها”.
“أم ابراهيم وندى ومنى” وغيرهن، سوريات لاجئات من بين ما يزيد على خمسة ملايين ونصف لاجئ سوري (بحسب مركز “بيو” الأمريكي للأبحاث). يشتد تنازع مفهوم الهوية والانتماء في قلوبهم وعقولهم يوماً بعد يوم، منذ أن رحلوا قسرياً وهم الأغلبية، أو طواعية عن قراهم وبلداتهم، هرباً من نظام شمولي لا يرحم، أو بحثاً عن الأمان وعن حياة أكثر كرامة وانسانية.
عموماً لايزال كل اللاجئين السوريين شعورياً أو لا شعورياً مرتبطين عاطفياً بالوطن الأم، ومحاطين بدرجات مرتفعة من الحنين والشوق والتباكي على المنشأ الأصلي. ويأملون بالعودة إلى سوريا، غير أن سوريا التي يريدونها مختلفة تماما، فهم يريدونها شبيهة أو على غرار الدول التي لمسوا فيها قوانين حقوقية وقانونية تحفظ كرامة المواطن، وتبينوا فيها العوامل الأساسية التي تساهم في بناء الدولة الديمقراطية والتي ثار الشعب السوري بداية من أجلها.
ويمكننا أن نتعرف على كيف أصبح اللاجئون السوريون ينظرون للوطن، من خلال تصنيفهم و بحسب مفاهيمهم الحالية والآنية للانتماء والهوية، إلى ثلاثة فئات عريضة عامة:
الفئة الأولى، تتحول عندها سوريا إلى مجرد صور وذكريات، فتسلخ عن نفسها فكرة “سوريا الوطن” وتجتهد في محاكاة عادات وتقاليد وقوانين المجتمع المضيف، وهي لا تفكر مطلقاً بالعودة إلى سوريا.
أما الفئة الثانية، فهي لاتزال تجاهد لتقبل الوطن الجديد عاطفياً، وهي إن أجبرتها القوانين التي تكفل كرامة وحقوق المواطن، والتطور الحضاري الواضح على تقبله عقلانياً، يظل لدى تلك الفئة ذلك الإيمان والأمل بالعودة إلى سوريا.
والفئة الثالثة ، غالبيتها من الشباب و الأفراد الذين فروا وحيدين، تاركين أهلهم وذويهم في سوريا، وتعاني هذه الفئة من التخبط النفسي والفكري والعاطفي، واختلاف أراء أفرادها حول مسألة العودة ، وتعريف ما يعنيه الوطن. وهناك فئة الأطفال الصغار الذين لا يوجد في أذهانهم صورة أو ذكرى عن وطنهم “سوريا الأم”، وهؤلاء أكثر فئة عرضة لنسيان سوريا ، وسيكون انتمائهم وولائهم للأرض التي تربوا عليها، فالطفل الذي ترك سوريا في عمر عشر سنوات مثلاً، بانتهاء الصراع على الساحة السورية سيكون عمره أكثر من 20 عاماً، وهو سيكون قد نسي لغته ودولته الأم، و بدأ بتأسيس مشاريعه وحياته ودراسته الخاصة، وأوتوماتيكيا ستصبح له انتماءاته التي سيكون مصدرها المدرسة أو الجامعة أو أصدقائه أو الوطن الجديد.
هناك سببان جوهريان وراء إشكالية “انتماء / وطن” التي أوجدها اللجوء عند السوريين، والسبب الأول: يقبع ورائه النظام السوري، فسياسته التي ارتكزت على القمع الشديد لكل مظاهر الحراك الثوري ضده، والتي كان نتيجتها القتل والاعتقال والتنكيل بمعارضيه بأبشع الوسائل، دفعت بالآلاف من معارضيه للهرب من بطشه وجبروته. يضاف إلى ذلك القوة التدميرية الهائلة التي اتبعها النظام لإسكات القرى والبلدات والمدن التي ثارت ضده، والتي أدت إلى تدمير ما يقارب 60% من المناطق السورية فأصبحت لا تصلح للعيش أو السكن، مما دفع بقاطنيها إلى الفرار منها والبحث عن أماكن وبقع جغرافية توفر أسباب الحياة والعيش البسيطة. ويندرج تحت هذا السبب سياسة النظام قبل الثورة والتي ربطت مفهومي “الوطن والانتماء” بالقائد الخالد، وربت أجيال بأكملها سواء بالترهيب أو الترغيب أو الخداع، على أن سوريا الوطن هي سوريا الأسد، ولذلك عندما أفاق الشعب السوري من غفلته وجد نفسه تائهاً يعيش صراعاً في انتماءاته الوطنية، وعاش اربكات سياسية واختلطت المفاهيم عليه، خاصة وأن ما تعلمه منذ نصف قرن من كتب ” القومية الوطنية و منظمات ومؤسسات حزب البعث…” قدمت له مفاهيم مغلوطة تماماً عن ما يعنيه الوطن وعمّا يكون عليه الانتماء لسوريا.
أما السبب الجوهري الثاني: فهو يرتبط مباشرة بطول فترة النزاع وإدارة هذا النزاع الذي تشارك المجتمع الدولي، والدول الإقليمية، والدول ذات المصالح في سوريا في استمراره حتى اللحظة، وإدارته بما يتوافق مع مصالحها في سوريا. فقد أدى ذلك إلى إحداث تغييرات ديموغرافية (مقصودة) في التركيبة السكانية لسوريا، حيث تم احتلال مناطق واسعة من قبل المليشيات الطائفية الرديفة والمناصرة لنظام الأسد، لقرى وبلدات سورية بأكملها بعد تهجير سكانها منها. وما القانون رقم (10) الصادر في (2018) إلا دليلاً واضحاً على تعمد النظام لإحداث هذا التغيير، وبالتالي وكنتيجة منطقية سيستسلم اللاجئ السوري لفكرة فقدانه وطنه “الأم سوريا” التي لم يعد يملك فيها أرضه أو بيته أو أي ممتلكات مادية تغريه بالعودة إليها، وسيبحث عن بيت ومكان أخر ينتمي إليه. كما أن عدم رغبة المجتمع الدولي بالضغط لإجراء تغيير حقيقي في بنية النظام السوري السياسية والأمنية، سيجعل اللاجئين السوريين يشعرون بالإحباط واليأس من فكرة العودة للوطن سوريا، وهرباً من هذا الشعور سيحاولون إيجاد “وطن/ انتماء” بديل .

Share this post

scroll to top