أكراد سورية في التنظيمات غير القومية من الناحية السياسية

إعداد المكتب الكردي

تماشياً مع التكون التاريخي للنُخب السياسية في سوريا، في المرحلة التي سبقت الانقلاب البعثي 1963، فإن النُخب السياسية الكردية السورية انقسمت سياسياً إلى دفتين سياسيتين متقابلتين:

1 – انخرطت أُسر الإقطاع الزراعي الكردي سياسياً مع طبقة برجوازية المدن السورية؛ فكما كانت هذه الأخيرة تسعى للحفاظ على هيمنتها السياسية خشية صعود الأحزاب السياسية الإيدلوجية اليسارية، التي تهدد مصالحها الاقتصادية واحتكاراتها القطاعية؛ فإن العائلات الإقطاعية الكردية وشبه البرجوازية كانت تخشى من تمدد هذه الأفكار اليسارية في طبقة الفلاحين الأكراد، وأن يهز ذلك من سيطرتهم على شبكة الأراضي الزراعية الخصبة الواسعة في الشمال السوري، تلك التي استولوا عليها عبر قانون التمليك الفرنسي 3339  الذي صدر عام 1930، تلك الأراضي التي كانت بالأساس أراضٍ أميرية عثمانية، وتم تمليكها لهذه العائلات الإقطاعية الكردية حفاظاً على الاستقرار الذي كانت السلطات الفرنسية تبتغيه من تلك المنطقة الزراعية الخصبة للغاية.

اندمجت العائلات الكردية في منطقتي الجزيرة وكوباني بأغلبيتها في تيار الكتلة الوطنية السورية، الذي كان يقوده السياسي السوري المخضرم شكري القوتلي، ودخل عدد منهم البرلمانات السورية الديمقراطية تحت مظلة هذا التيار السياسي. أما الأسر الكردية في منطقة عفرين، فإنها انخرطت بشكل ما في حزب الشعب، الذي كان سياسياً يمثل منطقة حلب ومحيطها الجغرافي، حيث عفرين جزء منه .

طبيعة العلاقة بين هذه التيارات السياسية السورية الحاكمة والطبقة الإقطاعية الكردية قامت على ثنائية بسيطة: كانت هذه التيارات الحاكمة تؤمن حداً معقولاً من تمثيل أبناء هذه العائلات في مؤسسات الحُكم الاقتصادية والبيروقراطية وحتى العسكرية، وتأمين ضبط عالي لأية حركة تمرد يمكن أن تشهدها مناطق سيطرة ونفوذ هذه العائلات. مقابل ذلك، فإن هذه العائلات كانت تؤمن انتخابياً كل الكتلة السكانية التي تسيطر عليها، فالفلاحون الذين كانوا يعملون كأجراء في مناطق ملكيات هذه العائلات كان مُهميناً عليهم تماماً، ولا يستطيعون مخالفة توجهات العائلات السياسية بأي شكل.

من خلال هذه العلاقة الاندماجية بين هذين الطرفين، تأسس الاندماج الأول للكرد السوريين المنحدرين من مناطق بعيدة من البلاد في المؤسسات الوطنية العمومية، وبالذات منها مؤسستي الجيش والأجهزة البيروقراطية للدولة. بالمقابل فإنه تم تهميش أي صبغة للمطالب القومية الكردية الخاصة، فالنخبة السورية الحاكمة بقيت على حساسيتها من كثافة الانتشار الكردي في الشمال السوري وتواصله مع المجتمع الكردي في كل من العراق وتركيا. ولم تحاول تعديل أي شيء من معايير العقد التأسيسي للبلاد، ولم تواجه بأي شكل النزاعات القومية المناهضة للأقليات القومية والأثنية في البلاد.

 كانت هذه العائلات السياسية الكردية من الهشاشة السياسية بشكل يوازي تماماً الهشاشة التي كانت عليها معظم طبقة برجوازية المدن السورية في الخمسينات، فطابع علاقتها مع القاعدة الاجتماعية «الموالية» لها من الفلاحين كانت من نمط السيطرة المادية المباشرة عبر استحواذ الملكية، وليس بأي شكل من نمط الهيمنة الإيدلوجية أو السياسية أو التنظيمية؛ لذا انهار نفوذها وحضورها السياسي تماماً مع انهيار نمط الحُكم التقليدي في الخمسينات، ولم تجد أي قاعدة اجتماعية تدافع عنها، حتى أن كثيراً من أبناء الجيل الثاني من هذه العائلات هاجروا خارج سوريا بعيد انهيار سيطرتهم السياسية.

2 – مقابل ذلك، فإن تياراً لا بأس به من الأكراد السوريين انخرط في الحزب الشيوعي السوري، وكان أساساً من أكراد المدن الداخلية السورية (دمشق وحلب) وطبقة الجيل الأول من أبناء الفلاحين من سكان المدن ذات الأغلبية الكردية. كان للزعامة التاريخية لخالد بكداش (كردي دمشقي) للحزب الشيوعي السوري دلالة بليغة على ذلك. وكانت قاعدة جماهيرية واسعة للحزب تتشكل في المناطق ذات الأغلبية الكردية منذ أوائل الأربعينات من القرن المنصرم.

انخرط الكرد أساساً فقط في الحزب الشيوعي السوري ذو المطالب الطبقية، لأن البعد الإيديولوجي القومي كان يمنعهم من الانخراط في الأحزاب «اليسارية» الأخرى، كالبعث والناصريين والقوميين السوريين…إلخ.

 حمل الحزب الشيوعي السوري مطالب طبقية محقة لقاعدته الجماهيرية الكردية، لكنه بالمقابل كان شديد المحافظة في المطالبة بأي حقوق قومية كردية لهذه القاعدة، ولم يكن مطلبه بإلغاء نتائج الإحصاء الاستثنائي عام 1962 الذي حرم آلاف الأكراد السوريين من جنسيتهم السورية، لم يكن مطلبه ذاك سوى تمايز خجول عما كانت تطبقه سياسيات الأحزاب اليسارية القومية بحق المناطق الكردية.

بالمقابل فإنه كان ثمة تفكير قومي كردي يرى بأن الأجندة الحقيقة للحزب الشيوعي السوري هي الالتفاف على المطالب القومية الكردية، وذلك بحصر مطالب الأكراد بالحيز الطبقي الاقتصادي، وبذلك تسطير وتكرس الذوبان الكردي «القومي» في الكل السوري «العربي». وكان ذلك تشكيلاً وتمايزاً جوهرياً لخطاب الحركة القومية الكردية اليسارية، التي كانت تزاحم الحزب الشيوعي السوري على نفوذه في أوساط الفلاحين والعمال الأكراد.

مع صعود الحركة القومية الكردية منذ أواسط الخمسينات من القرن المنصرم، انشقت قاعدة الحزب الشيوعي السورية الكردية إلى حيزين متقابلين، إذ انشقت نُخب المدن ذات الأغلبية الكردية عن الحزب الشيوعي السوري وانضمت للحركة القومية الكردية، وإن برداء ومطالب ذات بُعد يساري. وكان انشقاق الشاعر والأديب الكردي السوري جكرخوين عن الحزب الشيوعي السوري وانضمامه للحزب الديمقراطي الكردي السوري، نتيجة عدم موافقة قيادة الحزب بأن تكون منشورات الحزب وأدبياته في المناطق ذات الأغلبية الكردية باللغة الكردية، كان ذلك الانشقاق تعبيرا عن الفصام بين هذه النُخبة المدينية الكردية السورية في المدن الشمالية، وبين الحزب الشيوعي السوري.

مقابل ذلك فإن النُخبة السياسية الكردية المنحدرة من مدن الداخل السوري غرقت تماماً في الشكل السوري الرسمي للحزب الشيوعي السوري، دون أي مطالب خاصة بالمسألة الكردية في البلاد؛ وكان ذلك بالضبط مدخلاً لانهيار نفوذ الحزب في المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال السوري.

 

scroll to top