العقد الاجتماعي؛ مفهومه والغاية منه

إعداد المكتب السياسي

 

مفهوم العقد الاجتماعي:

يُشير مصطلح العقد الاجتماعي : إلى ذلك العقد المبرم بشكل فعلي أو افتراضي بين طرفين؛ كالحكومة والشعب، أو الحاكم والمحكوم، بحيث تحدّد بموجبه الحقوق الخاصة بكل فئة والواجبات المفروضة عليها، وظهر ذلك منذ القدم عندما بدأت الحياة البشرية بصورة من العشوائية والفوضى، فوضع العقل البشري اتفاقاً وعقداً لتنظيمها على هيئة مجتمع وحكومة، علماً بأنّ هذا المجتمع يندرج تحت خانة المصطلحات الخاصة بالفلسفة السياسية. كما يُطلق هذا المفهوم على جُملة من العادات والتقاليد والمصطلحات التي تندرج تحت خانة النظرية السياسية، بحيث يمثّل هذا العقد اتفاقاً محدداً بين مجموعة من الأشخاص الذين يساهمون في وضعه وصياغته.

نظرة تاريخية:

1 – العقد الاجتماعي عند توماس هوبز:

يعدُّ الفيلسوف الإنجليزي هو المجدِّد الفِعلي للفلسفة السياسية الحديثة، وهو أول من كَتَبَ كتابةً نسقية في السياسة. ينتمي هوبز إلى فلاسفة العقد الاجتماعي.

يوضِّحُ هوبز أنَّ الدولة ككيان سياسي منظَّم؛ هي نتاجُ توافقٍ بين مجموعة من الأفراد، وناقش أيضًا فكرة حالة الطبيعة، وهي تلك الحالة غير المنظَّمة، وتنبني على أشكال طبيعية كالصراع، كما تتأسّس هذه الحالة على حربِ الكل ضدَّ الكل. طرحَ هوبز نموذج “اللِّيفياتور” وهو نموذجٌ لدولةٍ معيّنة، وهو ليس لفظًا يشيرُ إلى التنين. هذا الليفياتور يهيمنُ على أفراد الشعب ويمارسُ عليهم سلطةً قاهرة. سببُ نشوء الدولة حسب هوبز هو تحقيقُ الحماية والرضا للأفراد، فوظيفتها هي الأمن والاستقرار وتنظيم المجتمع.

2 – العقد الاجتماعي عند جون لوك:

جون لوك هو واحدٌ من الأسماء الكبيرة في الفلسفة التجريبية، عاش لوك في فترة عرفت تطاحنًا كبيرًا بين الكاثوليك والبروتستانت، هذا التطاحن الديني خيَّمَ على فلسفته، فتصدَّى لسطوة التصور الديني السَّائد، وواجهَ رؤية تؤصِّلُ للتصور السياسيّ بأصولٍ دينية .

في كتابه “رسالة في التسامح” حاول لوك جاهدًا الفصل بين سطوة الدين والسياسة، ويعدُّ من أهم المجدِّدين للتفكير الديني؛ أي أنَّه حاولَ تصحيح تلك الاعتقادات الشائعة. كما تصدى كذلك لبعض الأفكار التي طرحها رجال الدين، هذه الأفكار تشرِّعُ التدخل في الضمائر، والتدخل كذلك في الاجتماعية. كلَّ هذا اعتبره حيفًا اتجاه الحرية الشخصية، خصوصًا وأنَّ لوك كان تنويريًا بامتياز، والحرية جزءٌ لا يتجزأ من الأنوار.

ويخضعُ تنظيم المُجتمع حسب لوك لثلاثة محدِّدات:

– سيادة الشعب: اختيار ممثلين يقومون بتشريع القوانين “الديمقراطية”.

– تأصيل الأغلبية: الأغلبية هي العقل عند اختلاف المصالح، فعند اختلاف الآراء يتم الاحتكام للأغلبية.

– السلطة السياسية: هي سيادةُ الشعب وحده.

وكان جون لوك هو أول من قام بفصِل السُّلطات وهي ثلاثة:

– السلطة التشريعية: هي التي تشرِّعُ القوانين وتحافظ على الحقوق.

– السلطة القضائية: مُهمتها فضُّ النزاعات.

– السلطة التنفيذية: هي التي تُنفِّذ القوانين الصادرة.

2 – العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو:

توصّل المفكر جان جاك روسو عام 1762م إلى نظرية العقد الاجتماعي من خلال نظرته للطبيعة البدائية التي كانّ يعيشها الإنسان بحالة من العشوائية، حيث رأى أنّه كان لفرض القوانين التي نظمت حياة الناس أساساً لزيادة شعورهم بحس المسؤولية والأخلاق، إلى جانب الالتزام المدني، و أكد أنَّه يجبُ علينا الجمعُ بين الحرية والمساواة، إلاَّ أن هذين المفهومين متضادان في الفلسفة السياسية، فالحرية هي أنْ تتركَ الإنسان يفعلُ ما يشاء، والمساواة تهمُّ الجماعة. ويدعو إلى النِّظام السياسي الذي ينبني على العقد الاجتماعي، إذْ يرى روسو ضرورة تنازل وتخلي الأفراد عن حريّاتهم وحقوقهم لصالح الإرادة العامَّة. ويربطُ روسو هذا التنازل عن الحقوق بالاتحاد والوحدة، أي كلَّما تنازلت أكثر قويت الجماعة أكثر.

أخيرا وبما أن السياسة هي فنُّ تدبير الشَّأن العام والسعيُّ وراء مصلحة الأفراد والشعب، فإن العقد الاجتماعي هو المنظِّم الوحيد للمجتمع من أجلِ تطور العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، بحيث يضمن للأفراد العيش بسلام وفق قوانين متفق عليها سلفا، ولا يمكن لأي شخص كيفما كان نوعه أن يخرق هذه القوانين. فإن العقد الاجتماعي يتطور بما يتناسب المرحلة والظروف التي تمر بها جماعة بشرية في بقعة جغرافية معينة تحقق بموجبها معنى المواطنة.

 

 

Share this post

scroll to top