مثلث برمودا الشرق  

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والأدباء السوريين الاحرار    

 

الأحداث المتسارعة التي تعصف بمنطقةٍ غَابَ عنها الاستقرار أصلاً تشي بأن حلقات التحكم والتطويق بدأت تتفلت الواحدة تلوه الأخرى، وأنَّ نُذر الحرب الكونية الثالثة باتت أقرب من أي وقت مضى إن لم نقل أنها كانت قائمة أصلاً بواسطة الوكلاء، فما تشهده الساحة الشرق متوسطية من التواجد المباشر لغالبية القوى الدولية الكبرى وبشكل خاص على مساحة الجغرافية السورية الصغيرة نسبياً (( ١٨٠,١٨٥ كم٢)) وما يدور من حرب ضروس بالوكالة قد وصل إلى حائط مسدود مع التغول الإيراني الذي ذهب أبعد من الحد المسموح، وتجاوز الخطوط الحمراء بدخوله سوق المنافسة الدولي كلاعب حديث الولادة امتلك أوراق قوة استجمعها عبر عقود، لتتشكل كأذرع قوة تتحرك وفق مشيئة الولي الفقيه في كل من لبنان وسورية والعراق واليمن وحتى في بعض الدول الخليجية، وأيضاً الترسانة الصاروخية الهجومية التي استطاعت إيران التطوير فيها إلى مدى كبير، فضلاً عن التلويح الدائم برفع معدل تخصيب اليورانيوم في المفاعل النووي لديها، ناهيك عن العبث الإيراني الأخير في زوايا مثلث الموت، مثلث برمودا الشرق ((مضيق هرمز والملاحة في الخليج العربي)) ، هذا الشريان الذي يمر من خلاله أكثر من ثلث احتياجات كوكبنا الصغير ((الأرض)) من الطاقة.

كل هذه التداعيات الخطيرة تتزامن مع حالة الفوضى وعدم الاستقرار وغياب الأفق السياسي للحلول والتفاهمات بين الفرقاء واللاعبين الدوليين.

ولعل القضية الأكثر سخونة اليوم والتي ألقت بظلالها على كل وسائل الإعلام العالمية هي العبث الأخير الحاصل من قبل طهران بأمن الملاحة في الخليج العربي، إذ هدد القادة الإيرانيون مراراً بأن ردهم على العقوبات الأمريكية سيكون تصعيداً مقابل تصعيد وقد تابعنا تصعيد العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران  التي قابلها استهداف مليشيا الحوثي لمنشآت نفطية سعودية وإلى مطارات سعودية، كما قوبلت بالاعتداء على ناقلات النفط والتي كان آخرها التصعيد الخطير في ١٣ حزيران الذي تمثل بإعطاب ناقلتي النفط (إحداهما مملوكة لشركات النقل البحري في النرويج والأخرى لسنغافورة)، وقد صرَّح وزير خارجية اليابان بأن الناقلتين تحملان شحنة لها صلة باليابان.

هذه الأحداث المتسارعة تزامنت مع مساعي تهدئة ومحاولة نزع فتيل الأزمة التي قام بها وزير الخارجية الألماني ((هايكوماس)) إلى طهران، ورغم نقل الوزير الألماني تطمينات من واشنطن ومن دول الخليج بعدم نية هؤلاء بالتصعيد إلَّا أن المسؤولين الإيرانيين اعتبروا أن زيارة الوزير الألماني لم تُحقق شيء بخصوص العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران، ثم تلاها زيارة رئيس الوزراء الياباني إلى طهران، لكن طهران مستمرة حتى الساعة برفض الشروط الأمريكية للحل.

على الجانب الآخر تستعد اسرائيل لاستضافة قمة أمنية ثلاثية هي الأولى من نوعها والتي ستجمع القادة الأمنيين: عن الولايات المتحدة ((جون بولتن))، وعن روسيا ((نيكولاي باتروشيف))، وعن الجانب الاسرائيلي ((مئير بن شبات))؛ هذه القمة التي تتخذ من “وضع حد لتجاوزات إيران أو إخراجها من المنطقة” عنوانا عريضا لها.

الموقف الروسي:

أخذ الروس يتحسسون الهيمنة الإيرانية على كل مفاصل القرار السوري، وأن المنافسة الإيرانية لهم أصبحت على أشدها في مسرح يعتقد الروس بأنه ملعبهم وأن على إيران أن تدور في فلكهم في المسرح السوري، وهذا ما كان يفسر الموقف الروسي من استهداف اسرائيل للمواقع الإيرانية والذي كان يتراوح بين الصمت حيناً والتنديد أحياناً، بل وأكثر من ذلك حيث وصلت الحالة التصعيدية بين الطرفين إلى حد الصدام المباشر بين قوات النمر الموالية للروس وبين الفرقة الرابعة الموالية لإيران، وإن كانت هذه الصدامات يتم تطويقها إلّا أنها ظهرت للعلن في الآونة الأخيرة، حيث تحدث دبلوماسيون روس عن الخلافات الحاصلة بين الجانبين الإيراني والروسي على وسائل الإعلام مباشرةً، لكن معركة الشمال السوري أجلت التناقض (الإيراني، الروسي) مرة أُخرى، لأن الظن الروسي كان مبنياً على فرضية الحسم من خلال قصف جوي عنيف يدب الرعب في نفوس الناس ويدفعهم للقبول بسياسة المصالحات كما حصل في درعا والغوطة وغيرها، إلا أن الفشل الذريع للنظام بالتقدم على مدار أكثر شهرين رغم التمهيد الجوي الروسي الكثيف دفع بالجانب الروسي لإعادة إشراك إيران في هذه المعركة بعد استبعادها.

وبالتالي فإن الجانب الروسي سيكون مضطراً لتبني سياسة التهدئة أو على الأقل محاولة تأجيل استهداف المواقع الإيرانية في سوريا في الاجتماع الأمني آنف الذكر، لأن معركة إدلب غيرت كل المعطيات لدى صانع القرار الروسي الذي بنى خطته على أساس الوصول إلى طريق حلب – اللاذقية خلال ٧ إلى ٩ أيام، لكن الأمور سارت بعكس ما يشتهي بوتين الذي اضطر للإقلاع عن تصريحات تحرير إدلب وعاد من جديد للحديث عن الحل السياسي، وبعد كيل الاتهامات المستمر لتركيا بأنها لم تفِ بالتزاماتها حيال اتفاق سوتشي عاد الرجل ليقول بأن الأتراك ينفذون التزاماتهم وأن التعاون مع تركيا وإيران مهَّد لحل سياسي في سوريا.

هذا ما تابعناه في تصريحات بوتين في قمة التعاون وبناء الثقة في آسيا التي انعقدت في العاصمة الطاجيكية ((دوشنبه)).

إذاً فَشَلُ النظام في معركة إدلب خدم إيران من جديد لأن بوتين لم يعد بمقدوره الانحياز إلى طرف واشنطن في تصعيدها مع إيران على الأقل على المدى المنظور، وبدورها طهران التي قرأت هذا الواقع جيداً، وقرأت ضعف فرص التصعيد العسكري ضدها استمرت برفض الإملاءات الأمريكية للحل، كما رفضت الاعتراف باستهداف ناقلات النفط، وبقيت حالة الملاحة البحرية في الخليج العربي ترزح تحت خطر الاستهداف الذي لم يعترف به أحد، رغم أن إيران كانت قد صرَّحت علناً بأنها لن تسمح بتصدير النفط من قبل الآخرين في حال استمر الحصار على تصدير نفطها، وتم ترحيل الملفات مرةً أخرى مشفوعةً بتعنت الفرقاء وغياب الأفق السياسي للحل.

 

 

 

scroll to top