الساروت.. حارس الكرامة، حارس الثورة.

وردة الهويدي

 

بات الأمر واقعاً، حقيقة مطلقة، استشهد الساروت. وتزدحم في (جوالي) على صفحات الفيس وفي الواتس ومجموعاته، صور الساروت ومقاطع (للفيديو)  ينشد فيها للثورة، وكلمات شجون ترثيه وتنعي حارس الكرامة، حارس الثورة.

” غداً،  في الساعة الثامنة صباحاً من مشفى (السيفكي) بأنطاكيا سينقل الجثمان، ليصلى على الشهيد في حوالي الساعة العاشرة صباحاً في جامع (التوحيد) في الريحانية، وينقل بعدها إلى معبر باب الهوى ليوارى الثرى في منطقة الدانا بإدلب، بناء على رغبته بأن يحتضن جسده التراب السوري” هذا مسار التشيع الذي كانت تخبرني عنه صديقة لي على الهاتف، الممتزج صوتها بحرقة موجعة على الساروت الذي عرفته عن قرب، وجالسته ساعات طويلة حين كان في تركيا ، وتتابع: ” هل ستحضرين إلى التشيع؟” فأجيبها: ” بالطبع”، ثم أُنهي المكالمة بعد اتفاقنا على اللقاء في الريحانية. وكنت قد علمت من بعض أصدقائي المقربين أن ليلة يوم التشيع صاحب جثمان الساروت من مشفى الجامعة بأنطاكيا، شخصيات مقربة منه رافقته في الكثير من أحداث الثورة منهم ” خالد أبو صلاح،  والعقيد فاتح حسون، وتيسير أبو معاذ.. وغيرهم”.

 أغبط صديقتي، حادثته يوماً، وصورة (البروفايل) خاصتها على الواتس وهي تجلس بجانبه. ويغير أغلب أصدقائي على الواتس وعلى الفيس صورهم، ويضعون صورة ذلك الشاب الأسمر النحيل، وأتأمل صورة الساروت طويلاً، ويأخذني أحد مقاطع الفيديو التي كنت أشاهدها على الفيس للساروت وهو ينشد للثورة، يأخذني إلى البداية إلى 2011 إلى حمص إلى حي البياضة، حيث مسقط رأس عبد الباسط الساروت ذي التسعة عشر ربيعاً، حارس فريق شباب الكرامة، وحارس منتخب سوريا للشباب، الذي  راح يقود المظاهرات السلمية ضد نظام الأسد ويهتف بين الجموع في حيه وفي أحياء حمص الأخرى1. ويبتدع الساروت الأغاني التي صارت جزء من هويته ، وذاكرة وطن وثورة ومنها “جنة يا وطنا”2 و”حانن للحرية حانن”3.

أجلس في الحديقة أقلب في الفيديوهات عن مقطع للساروت يظهر فيه إلى جانب الممثلة السورية الراحلة فدوى سليمان، التي تنتمي إلى الطائفة العلوية ،  يقفان جنباً إلى جنب و يهتفان معاً ضد النظام4، ويشعلان حارات حمص جاعلين من مظاهرتها كرنفالات ضخمة. أي تهمة باطلة ألصقوها بك ياساروت حين قال  عنك الجهلة  وأعداء الثورة ” طائفي”؟!.

كان يوم الأحد 9 حزيران 2019 حوالي الساعة الثامنة صباحاً، حين خرجت من منزلي في انطاكيا التركية لألتقي بصديقتي، حيث سنتجه إلى  مدينة الريحانية للمشاركة في تشيع الساروت،  الذي سقط شهيداً  صباح يوم السبت 8 حزيران 2019جراء المعارك الأخيرة التي دارت في ريف حماة الشمالي والغربي،  والتي كان الساروت مشاركاً فيها  على الجبهات مع جيش العزة. في الحقيقة شاهدت صور وفيديوهات عديدة للساروت  يحمل فيها البندقية وينشد، ولكنني لم أتتبع عن كثب مسار الساروت العسكري، وكل ما أعلمه عنه بعد أن حمل السلاح في بدايات 2012 مضطراً كألاف الشباب، لمواجهة كمية العنف الهائلة التي صبها النظام على معارضيه في قرى وبلدات حمص، بأنه حاول مراراً مع رفاقه بالسلاح فك الحصار عن أحياء حمص القديمة، وأعلم أن الساروت اتهم بالتطرف  والانتماء للجماعات الراديكالية، ولكن الساروت ظهر في فيديوهات مسجلة نفى فيها كل تلك التهم الباطلة5، ولطالما أكد دائما على هدف واحد وهو محاربة النظام حتى سقوطه. وتضيف صديقتي التي كانت معي في السيارة إلى معلوماتي تلك، تفاصيل لم أكن أعرفها فتحدثني قائلة: ” للساروت أربعة أخوة شهداء قضوا نحبهم على يدي النظام. ورفض الساروت البقاء في تركيا بعد دخوله إليها أواخر 2016 ، مفضلاً العودة إلى سوريا إلى ريف حماة الشمالي ليتابع مع رفاقه مسيرة النضال العسكري ضد النظام وحلفائه”.

“أعتقد أن كل السورين المتواجدين في أنطاكيا والريحانية، رجالاً ونساء وشباباً وأطفالاً، قد حشروا في جامع التوحيد في الريحانية!” ، أقول ذلك لصديقتي عندما شاهدت جموع الناس في مسجد التوحيد الذي ستقام فيه صلاة الجنازة على جثمان الساروت. وأقترب من الجموع، أريد أن ألتقط صورة ، صورة لماذا؟ لا أعرف! لألاف من البشر، للجثمان إن استطعت، للتوثيق التاريخي؟.. لا أعرف، لذلك أعدل عن رأيي في التقاط الصورة، وأنهار باكية كآلاف السورين.

ما الذي يجعل من الساروت أيقونة للثورة؟، ” لأنه عاش الثورة بكل أطوارها ولم يتخل عنها لحظة أو يعافها وحدها، فمن بدايتها كمظاهرات سلمية، إلى دخولها في طور التسلح مرغمة، ثم ضعفها وقوتها، حزنها وألمها على شبابها، مروراً  بمحاصرتها، واتهامها  بالحرب الأهلية، ثم  بالعنف والإرهاب، وصولاً إلى محاولة وأدها وحرفها عن مسارها من خلال شق صفوف المنتمين إليها، وأخيراً إلى الموت في سبيلها، كان الساروت ” هذا ماكتبه أحدهم على الفيس بوك الذي كنت أتابع صفحاته في طريقنا مع مئات السيارات والدراجات النارية التي ترافق موكب الساروت إلى معبر باب الهوى، حيث سيسلم جثمانه إلى الثائرين في الداخل ليرقد بجانب أخيه المدفون في بلدة الدانا في ادلب6.

أن تعرف أيقونة كالساروت، يعني أن تعرف حزناً مضاعفاً على استشهاده، وهو ماكانت عليه صديقتي التي عرفته وجالسته عن قرب. والتي  لم أتمكن من لقائها في جنازة التشيع بسبب الازدحام، فزرتها في بيتها في الريحانية بعد أن انتهت مراسم التشيع. كانت كئيبة جداً ، وأقسمت بأنها لم تذق طعم النوم ولم تكف عينيها عن ذرف الدموع بغزارة منذ أن تلقت خبر استشهاد الساروت. حكت لي عن ذلك الشاب الدمث اللطيف، وكيف أنها عندما كانت تلتقيه في تركيا، كانت تمازحه وتخبره بأنها ستظل تلح عليه في مسألة تزويجه حتى تفرح به، فيرد عليها : ” لست للزواج.. أنا مشروع شهيد!”. كنت أسأل صديقتي أن تحدثني أكثر عن الساروت  فقالت: ” كان يجلس مبتسماً ولكن عينيه تخفيان ألماً وهما”، وأذكر أنني ذات مرة ألتقيته في اسطنبول ، فدعوته لاحتساء فنجان من القهوة على حسابي،  فرد ضاحكاً أن من يملك مالاً أكثر يدفع الحساب”، وهنا سألتها : ” من دفع الحساب، أنت أم الساروت؟” ، فردت: ” أنا طبعاً، فهو لم يكن يملك مالاً كثيراً”.

سنعود أدراجنا جميعاً نحن اللاجئون في بقاع الأرض، سنعود إلى منازل مستأجرة ، نجلس وراء هواتفنا المحمولة نفرغ على مواقع التواصل الاجتماعي فيها غضبنا، فجيعتنا، وتجتاح الفيس بوك حمى الساروت، وتلاحق كل تلك المنشورات الفيسبوكية  التي راحت تمجد البطل الشاب من قبل نظام الأسد، إما لحذفها أو لإزالتها، يالَ ذعر النظام وخوفه من ثورة حارسها الساروت.  وبعيداً عن هذا كله في الشمال في إدلب في بدة الدانا، يرقد الساروت مرتاح الضمير، ويتركنا  نتعارك مع أنفسنا ونتساءل عن مدى إخلاصنا لثورتنا. ويصبح  عبد الباسط الساروت حكاية لطفل سوري صغير ولد في بلاد اللجوء كان واقفاً مع الجموع المحتشدة في جامع التوحيد، يحمل صورة الساروت، لا أعلم إن كان يعلم من هو الساروت، ولكنني سمعته يردد: ” لأجل عيونك ياحمص7.. لأجل عيونك ياساروت”.

scroll to top