طبول الحرب الإعلامية  

العقيد الركن مصطفى الفرحات

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

ماتشهده الساحة الشرق أوسطية بشكل عام والساحة السورية بشكل خاص هو الاستمرار في سياسة تصفية الحسابات الدولية من خلال الفاتورة مسبقة الدفع والممهورة بالدم السوري الذي أصبح السلعة الأرخص في بازار المساومات، فعداد الموت المتنقل على وقع براميل الموت وقذائف الدمار لا يكاد يخبو حتى يعود من جديد، مئات الألوف من السوريين أصبحوا اليوم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء بعد نزوح …..على نزوح ….. على نزوح ….، ومسارات الحلول السياسية وبعد اثنتا عشرة جولة من التفاوض تدخل إلى ثلاجة حفظ الموتى .
وبعد أن أدرك الجميع أن التفاوض الذي كان قائماً إنما أراده النظام وداعميه تفاوض من أجل التفاوض، فحتى اللجنة الدستورية لم ترَ النور ولَم يخرج المعتقلين ولَم يتحقق أي تقدم في السلال الأربعة التي طرحها القرار الدولي ٢٢٥٤ والذي وقع عليه الروس ضمناً، وتبين أن النظام يعمل على المماطلة والتسويف وشراء الوقت مع الاستمرار في القضم التدريجي لمناطق سيطرة المعارضة وصولاً إلى الإخضاع الكامل للجغرافية السورية إن تمكن من ذلك، لكن الولايات المتحدة الأميريكية ومعها المعسكر الغربي وتركيا يرفضون هذا الأسلوب، وباستمرار تؤكد واشنطن على رفض الحل العسكري وتؤكد على أن التسوية السياسية هي التي ستضمن الاستقرار وليس حلول الإخضاع والإذلال.
ويذهب البعض إلى اعتبار مايجري اليوم من حرب إبادة في الشمال السوري مرده ليس إلى وصول صواريخ هيئة تحرير الشام إلى قاعدة حميميم كما تدعي موسكو، بل لأن هناك ثمة تقارب بين تركيا والولايات المتحدة الأميريكية وتفاهم على إمكانية قيام المنطقة الآمنة شرق الفرات الأمر الذي يثير حفيظة الروس، وقد تؤكد تصريحات وزير الدفاع التركي ((خلوصي أكار)) الطلب إلى موسكو أن توقف خرق النظام للاتفاقات المبرمة في ذات السياق إذ عبّر الأتراك في أكثر من موقع على أن الحرب على الشمال ستحدث كارثة إنسانية مع وجود قرابة أربعة ملايين إنسان في هذه البقعة الجغرافية المحدودة المساحة.
على كل حال الأمر سيان بالنسبة للشعب السوري الذي لم يعد يهمه من كان السبب، ومن كان النتيجة، بل يهمه فقط وقف الدمار الذي يطال كل ركن في الشمال السوري، فهل دعوة مجلس الأمن للتهدئة ستلقى من يسمعها، أم أننا أمام هولوكست القرن الحادي والعشرين الذي يجري على مرأى ومسمع كل قاطني القرية الكونية التي اسمها “الأرض”.
في هذه الأثناء تقرع طبول الحرب الإعلامية من جديد بين طهران و واشنطن حتى أن ضجيجها طغى على صرخات الثكالى اللواتي يدفنَ أبنائهن كل يوم في الشمال السوري الواقع تحت النار، وطغى على مشهد الأطفال الذين ينامون اليوم في العراء أيضاً .
فهل الحرب الإعلامية الدائرة بين واشنطن وطهران والتي يحشد لها الحشود العسكرية هل هي أزمة وصلت فعلاً إلى الحافة؟ أم هي حرب في الاعلام ومصافحة في الظلام ؟
كما يصدرها لنا بعض رعاة هذا الاتجاه الفكري أم أن الأمور اليوم تسير نحو تصعيد حقيقي بدأه الرئيس الأميركي ترامب في العقوبات الاقتصادية الخانقة التي أرهقت الدولة الإيرانية، كما أرهقت الحرس الثوري الإيراني الذي يعتمد على الكثير من هذه المزايا الاقتصادية، وكلنا يعلم أن الحرس الثوري الإيراني بنى تمويله على مؤسسات اقتصادية متعددة الاختصاصات طالتها هذه العقوبات بمجموعها وأهما :
– مؤسسات مالية مصرفية كمؤسسة (( مهر ))
– شركات تنقيب عن النفط والمعادن
– تصنيع المركبات .
ناهيك عن العقوبات القاسية التي تطال أهم قطاع في إيران وهو قطاع الطاقة الذي بسببه يتدهور الاقتصاد الإيراني.
وقد وضعت واشنطن المسؤولين الايرانيين أمام خيارين كلاهما مر فإما الرضوخ للمطالب الاثنتي عشر الاميركية أو الدخول في مغامرة تصعيدية قد تطيح بالنظام الإيراني القائم اليوم .
في الحقيقة أن هيبة الولايات المتحدة الأميريكية أصبحت الآن على المحك والخطاب الأميركي الأخير إن لم يقترن بالأفعال فنحن سنشد نهاية الحقبة الأميركية في صدارة العالم، وستكون هناك قوى صاعدة جديدة قد يكون تحالف موسكو طهران أحدها إن لم نقل أن التنين العملاق الصيني سوف يستيقظ وهذا ما كانت تخشاه على الدوام واشنطن .
وكلنا يعلم الدور الأوربي الذي أصبح ضعيف الفاعلية الخارجية نتيجة اعتماده على الولايات المتحدة .
فكلنا تابع تصريحات المسؤولين الاميركيين التي في مجملها تحذر من عدوان إيراني على القواعد الاميركية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط أو قيام ايران بخلط الأوراق في الملاحة عبر مضيق هرمز .
والسؤال هنا:
هل أصبحت واشنطن في موقع الدفاع عن النفس وإيران في موقع المهاجم المحتمل ؟؟؟؟
أم هذه الأجواء تذكرنا بالحرب على العراق عندما تم تضخيم قوة الجيش العراقي زمن الرئيس الراحل صدام حسين حتى أن الماكينة الإعلامية الغربية صدّرت لنا أن جيش صدام هو رابع أقوى جيش في العالم، لنكتشف بعدها سقوط مُدَوّيّ لهذا الجيش أمام أعتى آلة عسكرية في العالم وأن عملية التضخيم والهالة التي رافقتها إنما كانت مبرر لحشد كل القوى والوسائط التي شاركت في الحرب والتي أرهقت الاقتصاديات العربية حينها ، وإلا ماذا نفهم بعد كل هذا التهديد والوعيد أن يطلب ترامب من المسؤولين الايرانيين الاتصال به ؟
فهل شعر الرجل بالحرج وأنه وضع نفسه في مأزق وأخذ يناشد القادة الايرانيين لإيجاد تخريجة ما ؟
وإيران ترد بأن واشنطن لن تجرؤ على مهاجمتنا وإننا لانريد التحاور معها .
أيضاً التصريح اللافت لوزير الخارجية الاميركي عندما قال بأنه يريد تحسين الاقتصاد الإيراني .
وبذات السياق يقول ترامب :
إننا نتطلع إلى لقاء مع القادة الايرانيين لعقد اتفاق جديد حول الملف النووي .
وكان قد صرح رئيس هيئة الأركان الاميركية المشتركة ( جوزيف دانفور ) :
أن قرار إرسال حاملة الطائرات الأميريكية ( أبراهام لينكولن ) إلى الخليج العربي جاء لردع التهديد الإيراني في المنطقة .
كما ذكر المبعوث الاميركي بشأن إيران (( برايك هوك )) في تصريح لقناة سكاي نيوز أن إرسال بلاده لحاملة طائرات ليس رسالة سياسية بل دفاعاً عن النفس بعد ورود تهديدات بأعمال عدائية .
أم أننا أمام خطاب أميركي يمثل خطاب اللحظة الأخيرة التي تسبق العاصفة ؟؟؟
وقد تسرب للإعلام الاجتماع الذي حصل في مقر وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ( CIA ) الذي حضره كل من :
– مستشار الأمن القومي ( جون بولتن ) وهو المعروف بأنه من تيار الصقور في الادارة الاميركية .
– كما حضر الاجتماع مسؤول الاستخبارات الوطنية الاميركي ( دان كوتس ) .
– وأيضاً مديرة ( CIA )
– وزير الخارجية
– وزير الدفاع .
وكما هو معلوم أن مثل هكذا اجتماع لا يتم إلا لأمر جلل .
ترافقت حالة الاحتقان هذه مع التصريح الاسرائيلي باستهداف مواقع الصواريخ ( S300 ) في سوريا والتي يمكن أن تحد من حركة الطيران الاسرائلي .
في كل الأحوال السماء الملبدة بالغيوم اليوم تحجب شمس الحقيقة وقادم الأيام سيحمل لنا الإجابة على الكثير من تساؤلاتنا.

اترك تعليقاً

scroll to top