تداعيات الحرب السورية على واقع التعليم في سوريا

إعداد وردة الهويدي

وفقاً لدراسة نشرتها ” اليونسف” عن واقع التعليم في سوريا وتحت عنوان “توقف التعليم”، اشارت إلى إن تدهور مستوى تعليم الأطفال السوريين هو الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة. وتضمنت تلك الدارسة أرقاماً إحصائية عن عدد المتسربين من مدارسهم بسبب الحرب، وعدد المدارس التي خرجت عن الخدمة، والمناطق الأكثر تضرراً في سوريا من ناحية التعليم. كما تطرقت الدراسة إلى الإجراءات الحاسمة التي يمكن أن تعكس من تدهور الموقف.

https://www.unicef.org/arabic/infobycountry/syria_71624.html

كانت تلك الدراسة قد صدرت في 2013 وتضمنت أرقاماً مخيفة عن واقع التعليم المتردي في سوريا، هذا الواقع الذي ازدار رداءة وسوء مع استمرار الحرب التي دخلتها عامها التاسع منتصف أذار 2019، ويبدو الحديث عن واقع التعليم أمراً ملحاً وهاماً جداً، ذلك بسبب أن التعليم هو أحد البنى التحتية الأساسية التي تقوم عليها حضارة المجتمعات ورقيها وثقافتها.

وفي سوريا عمل النظام السوري  وحلفاؤه وبشكل ممنهج على تدمير تلك البنية بشتى الوسائل والأساليب، وشاركه في هذا التخريب أطراف وجهات أخرى مثل المليشيات والجماعات والتنظيمات المتطرفة، اضافة إلى صمت المجتمع الدولي عن جرائم النظام وحلفائه ، والتي كان من ضمنها تحطيم التعليم وقيادة العملية التعليمية  في سوريا نحو الهاوية والانحدار.

وكي نتعرف بقرب على ما خلفته الحرب السورية على العملية التعليمية في سوريا، سنسلط الضوء على ركائز واساسيات تلك العملية، متناولين قدر الإمكان بعضاً من الأثار التي خلفها الصراع في سوريا عليها.

الأبنية والمنشآت التعليمية:

لا يوجد احصائيات دقيقة عن عدد المدارس والمنشآت التعليمية، التي خرجت عن وظيفتها التعليمية إما بسبب تدميرها كلياً أو جزئياً نتيجة لقصف النظام.  وإذا كانت قد أعلنت منظمة “اليونيسف” بأن عدد المدراس المدمرة في عام 2013م قد قارب (3000 ) مدرسة، فهذا يعني أن عدد المدراس اليوم والتي أصبحت غير صالحة للعملية التعليمية أكبر بكثير مع استمرار قصف النظام للمناطق الخارجة عن سيطرته.

وقد  تحولت مئات من المدارس إلى مأوى للنازحين والمهجرين ، أو أصبحت مقرات عسكرية، وسجل في بداية الثورة تحويل النظام لعشرات من المدارس إلى سجون ومعتقلات.

أما بالنسبة للمدارس أو المنشآت التعليمية والتي تأذت بشكل جزئي نتيجة للمعارك والقصف، يمكن القول أنها بحاجة إلى إعادة ترميم وإصلاح، وهو أمر لم يقم به النظام عامداً متعمداً، فالنظام اتبع سياسة قصف البنية التحتية فارضاً نوع من العقوبات الجماعية على أهالي المناطق التي ثارت ضده،  وبالمقابل لا تتمكن المجالس المحلية والأهلية في المناطق الخارجة عن السيطرة من إعادة تأهيلها، أو إعادتها كما كانت سابقاً بسبب نقص مواردها المالية وتكلفة إعادة ترميمها المرتفعة.

 وحتى المدارس التي لم يطلها القصف والدمار، فهي غالباً لم يتم صيانتها وإعادة تأهيلها منذ عام 2011، وتعاني شعبها الصفية من ارتفاع في أعداد الطلاب والتلاميذ فيها، نتيجة للنزوح والتهجير الحاصل على أيدي قوات النظام وحلفائه. وتفتقر إلى الماء والكهرباء وسبل التدفئة،  وكل أجهزتها وأدواتها اللازمة للعملية التعليمية قديمة ومهترئة.

لوجستيات العملية التعليمية:

تتضمن اللوجستيات التعليمية (القرطاسية، الكتب المدرسية،  المقاعد، الألواح، السبورات، الأجهزة والأدوات التعليمية، التدفئة ، الماء ، الكهرباء….وغيرها). وتعاني المدارس السورية في ظل الحرب المستمرة من نقص حاد وكبير في اللوجستيات الأساسية واللازمة للعملية التعليمية. وعن ذلك تقول الآنسة “نجاح” مدرسة لمادة الفيزياء في إحدى مدارس سراقب الابتدائية: ” تأمين الكتب المدرسية (المنهاج الدراسي) هو أكثر ما يعاني الطلاب والتلاميذ منه، فالتربية الحرة غير قادرة على تأمين الكتب، وتربية النظام ترسل جزء من الكتب المدرسية، وقد  ينتصف العام الدراسي ولايزال نسبة كبيرة من التلاميذ والطلاب بدون كتب مدرسية. ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة لا يتمكن أغلب أهالي الطلاب من تأمين ما يحتاجه أبنائهم من ملابس مدرسية وقرطاسية، يضاف إلى ذلك أن المقاعد الدراسية والسبورات الصفية، ومستلزمات العملية التعليمة من أدوات وأجهزة إما قديمة معطلة أو أنها غير متوفرة. ويشتد الوضع قساوة خلال فصول الشتاء حيث لا وسائل للتدفئة”.

الكوادر التدريسية:

لا يتوقف النقص عند  اللوجستيات التعليمية بل يشمل أيضاً الكوادر التدريسية، فمنذ اندلاع الثورة في سوريا بدأت المدراس والمؤسسات التعليمية تعاني نقصاً في كوادرها التدريسية خاصة الذكور منهم،  فالنظام الذي انتهج سياسات الاعتقالات التعسفية، وفرض الخدمة الالزامية، دفع بالعديد من المدرسين الذكور إلى ترك وظائفهم، كذلك ترك قسم من المدرسين مهنة التدريس بسبب انخفاض مردوها المالي، ليجدوا عملاً آخر بمردود مالي أفضل، بالإضافة الى أن قسماً لا بأس به من الكوادر التعليمية هاجر خارج البلاد، خاصة من أولئك الذين هُجّروا من قراهم.

وكان نتيجة لاكتظاظ الشعب الصفية بأعداد الطلاب التي تفوق قدرتها الاستيعابية، ونتيجة لانعدام وفقر المدارس والمنشآت التعليمية للمواد المساهمة بإنجاح العملية التدريسية كاللوجستيات، وبسبب عوامل أخرى مثل الظروف الأمنية المتوترة، وغياب الرقابة عن عمل المدارس، أدى لأن يصبح أداء الكوادر التدريسية ضعيفاً وليس على المستوى المطلوب. تقول الآنسة “نجاح”: ” يصل عدد الطلاب في الشعبة الواحدة إلى أكثر من 60 تلميذاً في بعض الأحيان،  مما يصعب على المدرس أو المعلمة إيصال المعلومة لكل هذا العدد الكبير من التلاميذ. كما أن كثافة المناهج الدراسية الجديدة تحتاج إلى ساعات تدريسية أطول، وهو أمر صعب تحقيقه في ظل القصف الذي جعل المدارس في أحياناً كثيرة تعلق دوامها المدرسي، وهذا ساهم في تدني المستوى التعليمي للأجيال”

التلاميذ والطلاب:

التلاميذ والطلاب هم جوهر العملية التعليمية، هذا الجوهر الذي طاله التأثير السلبي الأكبر للحرب الدائرة في سوريا. وهناك جملة من العوامل لعبت دور أساسي في انخفاض مستوى التعليم وتدنيه لدى الأجيال السورية، منها وأهمها هو النزوح والتهجير واللجوء، فبسبب النزوح تأخر الآلاف من التلاميذ والطلاب عن دراستهم، ويعاني أولئك الطلاب والتلاميذ الذين لجئوا مع عائلاتهم إلى بلدانا أخرى من مشاكل تعليمية ، تتعلق بتغيير اللغة والمناهج التدريسية وتقبل الوضع الدراسي الجديد. ويكاد التعليم ينعدم عند الطلاب والتلاميذ القاطنين في مخيمات اللجوء.

و دفع الوضع الاقتصادي  والأمني المتردي إلى ترك وتسرب الآلاف من الطلاب والتلاميذ لمدارسهم والالتحاق بسوق العمل، خاصة أولئك الذين فقدوا المعيل لأسرهم. و إلى انتشار ظاهرة زواج القاصرات في المجتمع السوري للتخلص من أعبائهن التعليمية والمادية.

ولتدني المستوى التعليمي للتلاميذ والطلاب أسباب ذاتية تتعلق بالطلاب والتلاميذ أنفسهم، حيث أصيب الكثير منهم باضطرابات نفسية أثرت على انخفاض مستواهم التعليمي، وانتشرت في المدارس سلوكيات انحرافيه مردها غياب التربية المنزلية و المدرسية وحتى المجتمعية، نتيجة للصراع القائم الذي أثر على كل جوانب العملية التربوية، ونشأ عن ذلك أجيال تحمل مفاهيم  مشوهة سواء أخلاقية أو اجتماعية.

وعلى صعيد آخر فقد ترك الكثير من الطلاب مدارسهم وتوجهوا نحو السلاح، وتم استقطاب المئات من الطلاب من قبل المليشيات والجماعات المتطرفة،  بهدف التأثير على عقولهم وتجنيدهم لمصالهم ورغباتهم.

كان ذلك مروراً على ركائز العملية التعليمية  التي طالها الخراب والدمار نتيجة للحرب المستمرة في سوريا، وبالرغم من ظهور بدائل تعليمية مثل بعض المدارس والمراكز التي دعمتها بعض المنظمات الأهلية والمحلية والعالمية ، ومدارس كانت تبعيتها للائتلاف، إلا أن تلك البدائل كانت قاصرة عن انقاذ العملية التعليمية  التي تنحدر في سوريا. فعلى سبيل المثال لا تعترف الدول بالشهادات التي يحصل عليها الطلاب من مدارس وجامعات الائتلاف، ولم تتمكن المدارس والمراكز التي أنشأتها المنظمات الإنسانية من أن تحل محل المدارس الحكومية بسبب محدودية دعمها وانتشارها على مساحات المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

نشرت منظمة ” save the children” في تقرير صادر لها بتاريخ 23 أذار 2015، جملة من التوصيات والمقترحات لإنقاذ العملية التربوية في سوريا، اضع بعض من هذه المقترحات نظراً لأهميتها وضرورتها.

– يجب على المجتمع الدولي اليوم وضع التعليم في سوريا في قائمة الأولويات عند تعامله مع الأزمة حيث رأينا مدى تأثير غيابه على المديين القصير والطويل على الأطفال وعلى المجتمعات.

– يمكن للتعليم أن يغير من مستقبل أطفال سوريا ومن النمو الاقتصادي والاستقرار في سوريا وفي المنطقة حولها.

– العمل المشترك للتخلص من العقبات الرئيسية أمام تعليم اللاجئين في المنطقة.

– اتخاذ إجراءات فورية لتحميل جميع أطراف النزاع مسؤولية كل انتهاكات القانون الدولي بما فيها الاعتداءات على المدارس وإيجاد آلية حماية تضمن تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2139 والتحقيق في الانتهاكات والإخطار عنها.

– الإعلان عن دعمهم لحماية المدارس عبر تطبيق بنود حماية المدارس والجامعات من الاستخدامات العسكرية في النزاعات المسلحة.

– الضغط لإنهاء الاعتداءات على المدارس ولإيجاد حل سياسي للنزاع.

https://static.guim.co.uk/ni/1427711553264/Save-the-Children-Cost-of-W.pdf

 

 

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top