سورية المأساة المستمرة  

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

مع دخول عامها التاسع تستمر المأساة السورية بحصد المزيد من الأرواح في ماكينة الموت المتنقل وسط تكلس الضمير العالمي وانحداره الأخلاقي عبر إشاحة الوجه عن جريمة العصر التي نتجت عن مطالبة هذا الشعب بحريته وكرامته ، حيث تستمر الأطراف الفاعلة الكبرى بالتخندق وراء مصالحها التي تريد تحقيقها على حساب الشعب السوري والجغرافية السورية، غير آبهين بالدماء التي تسفك كل يوم، أو  لمنظر خيام النزوح التي تجرفها السيول بما تحتوي، وتترك أصحابها في العراء (( تشرد فوق تشرد )).

المعيار الإنساني اليوم أصبح خارج السياق ، ولعبة الوحوش المتصارعة على الفريسة مستمرة في منطقة يعلم الجميع أن العبث فيها هو عبث كارثي قد يطيح بالأمن  والسلم الدوليين ، وقد يُدخل الجميع في المواجهة المفتوحة التي طالما تم تأجيلها مراراً.

تستمر واشنطن من جهتها في سياسة الضباب واضمحلال الرؤية التي حيرت الجميع  ، فالبعض يعتبر أن سياسة ترامب تقوم  أساساً على الغموض البناء وإفساح المجال أمام الخصوم للدخول بالاستنزاف العسكري والاقتصادي والاكتفاء بالمراقبة عن بعد دون أي خسارة تذكر ، وهناك من يرى العكس فكل خطوة أميركية نحو الوراء يقابلها خطوة روسية نحو الأمام وبما أن الطبيعة تأبى الفراغ  ، وبما أن اللاعب بوتين المتعطش للعودة بقوة نحو الساحة الدولية جاهز، وطلائع قواته في سوريا متأهبة وتحت الطلب لملء ليس فقط الفراغ، بل لملء أي ثغرة قد تحدث لاحقاً  ، وعين بوتين تراقب كل صغيرة وكبيرة في ساحة المواجهة السورية خصوصاً والدولية عموماً .

فكانت المعادلة:

–  ((ترامب )) يتراجع في سوريا(( بوتين )) يزداد حضوراً فيها

– (( ترامب )) يهمل الحلفاء فيسارع (( بوتين )) لكسبهم وهذا ما حصل مع تركيا التي وجدت في تموضع الوسط خيار أفضل من انتظار مجهول ترامب، وليس هذا فقط بل عقدت الصفقات العسكرية مع الروس أيضاً ، وكان من ضمنها صفقة الصواريخ S400  التي أزعجت واشنطن كثيراً.

حتى اسرائيل الحليف التقليدي لواشنطن والتي أهداها ترامب اعترافاً بسيادتها على الجولان لم تسلم من غزل بوتين المتعطش للنفوذ والذي قام بتقديم رفاة الجندي الاسرائيلي (( زخاري باوميل )) الذي سقط في معركة السلطان يعقوب في لبنان عام ١٩٨٢ هدية (( لنتنياهو )) قبل أيام من الانتخابات الاسرائيلية ودون علم النظام أو التنسيق معه.

حتى التمدد الإيراني الذي يستنكره الجميع تعامل معه (( بوتين )) بمنطق القواسم المشتركة في المصالح، وترك إيران ورقة ضغط ومساومة كبيرة يُظهرها لواشنطن وللغرب عموماً وقت الحاجة على أنها حليف يسانده على الأرض ويدور في فلكه أيضاً  .

لكن هذه المنافسة بين الفرقاء جعلت المنطقة ساحة نزاع دولي رغم كل المحاولات لضبط الأمور هناك ، فالضعف والوهن العربي في معالجة القضايا((  العربية ، العربية )) نقل هذه القضايا إلى يد اللاعبين الدوليين الذين وجدوا فيها الفرصة السانحة للاستثمار وزيادة النفوذ والتمدد ، وكلنا تابع القمة العربية الأخيرة في تونس والتي لم تتمكن من إيقاظ الزعماء العرب لإيجاد آلية حل لأي من الملفات العربية الساخنة، وبقيت المأساة السورية مستمرة في غياب أي أفق للحل طالما أن وزارة الخارجية الروسية تُصرح بأن صفحة رحيل بشار الأسد تم طيها.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top