(ثلاث دقائق على جبهة الجولان)

قصة واقعية بقلم العميد الركن فاتح حسون

القائد العام لحركة تحرير الوطن

 أثناء اتباعي لدورة “قيادة وأركان” في الأكاديمية العسكرية العليا في دمشق عام 2010م، زرت مع زملائي الضباط خط جبهة الجولان المحتل، وذلك ضمن الزيارات الرسمية المقرّرة للدورة في الأكاديمية، وعند استعراضي ميدانيّا خط الجبهة بمعيّة المقدم الركن معن يوسف رحمه الله -الذي انشق لاحقا عن النظام واستلم رئيس فرع عمليات جبهة حمص في الجيش الحر واستشهد لاحقا- دار حوار بيننا حول خطوط دفاعاتنا المواجهة لجيش الاحتلال الإسرائيلي ومدى فاعليتها، فتأخرنا لمدة لا تزيد عن “ثلاث دقائق” عن باقي زملائنا بالعودة إلى أماكننا المخصّصة في الحافلات التي ستقلنا إلى مكان آخر على الجبهة، الأمر الذي تسبّب في تأخير انطلاق الحافلات والبحث عنا، ليجدنا المدربون قرب مدفع سوري نتحاور مع طاقمه، فوجّه لنا الضابط المسؤول عن الزيارة توبيخا على التأخير طالبا منا التوجه للحافلة فورا، وطلب من الضباط المدربين المسؤولين عنّا تسليمه أسماءنا متوعدا إيّانا وإيّاهم بالمحاسبة لاحقا، وفعلا في ظهيرة اليوم التالي “وبعدما بحثوا في تاريخنا منذ انتسابنا للجيش”، دعت قيادةُ الكلية إلى “اجتماع عام” لكل الضباط المتدربين في القاعة الخاصة، وفي الوقت المحدّد بدأ اللواء مدير الكلية الاجتماع بالتأكيد على الانضباط وضرورة الانصياع للأوامر، معرّجا على “الفوضى التي حدثت أثناء زيارة جبهة الجولان، والتي كادت أن تؤدي لمشكلة دولية”، وطلب من متسببيها الوقوف، فوقفت أنا والمرحوم معن، لينظر إلينا قرابة خمسمئة ضابط متشوّقين لمعرفة تفاصيل ما اقترفته أيدينا، فتابع توبيخه لنا بأسلوب فظ لا يليق به ولا بنا أمام زملائنا الضباط في الدورة والذين ينتمون لجنسيات دول متعددة، وقد كان يجلس قربي وأنا واقف مع زميلي نستمع لتوبيخنا ضابط لبناني حارب سابقا مع قوات “العماد ميشيل عون” ضد الجيش السوري في لبنان، فهَمَس لضابط آخر كويتي يجلس جانبه وهما يضحكان: “يا خَيّي لو مِسكوهم لهالمعتّرين الإسرائيليِّه كان أهون عليّون”. وبعد انتهاء الاجتماع الذي توعّدَنا فيه مديرُ الكلية بأن يجعلنا “عبرة لمن يعتبر”، تمّ طلبنا في اليوم التالي من قبل قيادة الأكاديمية والتحقيق معنا رسميا حول سبب تأخرنا “ثلاث دقائق على جبهة الجولان”، ولولا أن تدخّل لصالحنا قائد جناح الشؤون الفنية، وقائد جناح القوى الجوية العميد الركن أسعد الزعبي -الذي انشق وأصبح لاحقا رئيس وفد المفاوضات- وتتالت الاتصالات الهاتفية من شخصيات كبيرة من خارج الأكاديمية تطلب لنا الشفاعة لكان مصيري “وشريكي في الجرم” المقدم معن رحمه الله التحويل بالتناوب إلى فرع الأمن العسكري، وفرع المخابرات الجوية، وفرع فلسطين، للتحقيق معنا، واعتبار غيابنا عن الدورة في الأكاديمية أثناء التحقيق غيابا “غير مشروع”، وبالتالي فصلنا من الدورة والتحاقنا بقطعاتنا بالإضافة لعقوبة انضباطية، وذلك في حال تبيّن للمحقّقين أن نوايانا كانت “سليمة”، أو المكوث في سجون الفروع الأمنية إن ظهرت هناك “شبهة” تتعلق بتأخّرنا، وتحويل قضيتنا “التأخر ثلاث دقائق على جبهة الجولان” إلى رئيس أركان الجيش والقوات المسلحة لاتخاذ عقوبة زاجرة بحقّنا، قد تُنهي حياتنا العسكرية. حيث كانت قيادة النظام تعتبر هذه الجبهة منطقة يحرم فيها تنفيذ أي استطلاع لغير المكلّفين، تخوّفا من مشاريع خفيّة قد تكون لدى من يقوم بذلك، كدراسة وضع جهاز أو عتاد أو فتح ثغرة وغيرها، مما قد يسبّب إحراجا للنظام أمام الإسرائيليين الذين كانوا يراقبون كل التحرّكات على الجبهة من خلال المراصد وطائرات الاستطلاع، والذين من الممكن أن يكونوا قد طلبوا عبر قنواتهم مع النظام معرفة أسباب تأخّرنا وموافاتهم بها. وقد علمنا حينها أن هناك ضباط قبلنا تم فصلهم من دورتهم القيادية في الأكاديمية لنفس السبب بعد تحقيقات أمنية عديدة أجريت معهم. وبعد مضي شهور كنّا فيها  “أنا وشريكي” رحمه الله تحت المراقبة الأمنيّة اللصيقة تخرّجنا من “دورة القيادة والأركان”وقد ترسّخت قناعاتنا بأن الجولان المحتل مُباع من قِبَل “الأب الهالك”، ومطلوب حراسته بشراسة من قبل “الوريث القاصر”.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top