الأم السورية خنساء هذا الزمان

د. كوناي النشيواتي 

المكتب الاجتماعي

مثلها مثل أي أم في الدنيا كانت الأم السورية تفرح لقدوم بمولودها وتكون سعيدة عندما تراه يكبر؛ لكنها تنتظر فرحة أكبر هي عندما تراه يتخرج من جامعته و يتزوج ..هو حلم قلما يتحقق الأن  في سوريا التي دمرتها الحروب، فلو بحثنا عن تلك الأمهات  لوجدنا أن بعضهن  أصبحن في المهجر وأبناؤهن في دوامة المأساة السورية، إما سجناء أو مقاتلين أو مقتولين. وهناك أخريات بقين في ديارهن بينما رحل عنهن أولادهن فرارًا من ملاحقة النظام أو انشقاقا عن صفوف جيشه أو بحثًا عن سبيل للنجاة لمن تبقى من أسرهم.

وعلى مدار 8 سنوات هي عمر الثورة السورية المباركة ظلت الأم السورية تتجرع مرارة ألم فقدان الابن والأخ والزوج وأحيانا  “راحة” الشهادة.. ولم تقتصر مهمة الأم السورية على حمل الأبناء 9 أشهر، بل تحملت عبءً أكبر هو حمل ذاك الطفل بعدما أصبح في ريعان الشباب  لكن على خشبة الموت الذي لم يرحم صغيراً ولا كبيراً.

وحدت ظروف الحرب بين الأمهات السوريات… لم تفرق بينهن انتماءات سياسية أو مذهبية، وامتد ألم الفراق والفقد ووجع العجز والخوف والقلق ليشملهن جميعاً، وفي بعض الأحيان وصلت مرارة فقد الأبناء إلى فقدان بعض الأمهات 6 من أبنائهن  ليصبحن “خنساء” هذا الزمان.

إحدى هذه النساء هي أم أمجد وهي أم لسبعة أولاد قضى معظمهم في الحرب وحرمتها من البقية الذين لايزالون على قيد الحياة، و تعيش الآن برفقة الصبر والأمل في أن ترى ما بقي منهم من أحياء، وكانت عائلة أم أمجد التي تعيش في ريف دمشق تتألف من ثلاثة شبان وأربع فتيات سهرت الليالي من أجل أن يكبروا ويشتد ساعدهم، إلا أن الموت والتشرد والاعتقال شتت شمل هذه الأسرة الهادئ.

فمنذ بداية الثورة في  سوريا لم تستطع أم أمجد أن تمنع أولادها عن المشاركة في المظاهرات، ومع مرور الأيام حيث ارتفعت وتيرة الأحداث واتبع النظام سياسة القمع والقتل ليذهب أحد أبنائها ضحية رصاصة أردته قتيلاً خلال مشاركته بإحدى المظاهرات، أما الآخر فبات معتقلاً في أحد الفروع الأمنية، فيما الابن الثالث رأف لحال أمه وأبيه، ووعدهما بالبقاء معهما بعد أن أصبحا بهذا الحال المأساوية.

بعد مرور أشهر على اعتقال ابنها الأسير خرج من المعتقل بعد أن باعت من أجله كل ما تملك، ودفعته لأحد الضباط كي يُفرج عن ابنها ولكن اعتقاله لم يثنه عن متابعة مسيرته والتحق بصفوف الثوار ليعود لأمه شهيدا جميلا.

أما بناتها فقد هاجرن مع أزواجهن واقتلعت جذورهن الغربة وبقيت الأم وحيدة تتجرع مرارة الصبر والشوق…

وهكذا أصبحت الأم السورية بلا طفل ولا زوج ولا وطن، لكنها مازالت متمسكة بالأمل، والأمل مازال مشرقاً في عينيها ومازالت تواصل البذل والتضحية والعطاء.

اترك تعليقاً

scroll to top