سوريا…بين تطرفين

 

العقيد أبو الفدا

 

من المعروف عن شعب سوريا وشعب بلاد الشام عامة أنه شعب مسلم محافظ معتدل حسب المصطلحات الحديثة المتداولة في هذه الأيام. ومما ﻻ شك فيه أن طفرة التطرف التي حكمت الحياة السورية خلال السنوات الثماني الماضية هي عابرة وستنتهي آجلا أم عاجلا، لأنها ليست شيئا أصيلا ومتجذرا في حياة السوريين وثقافتهم .

فما هي قوى التطرف التي عانى منها الشعب السوري ما عاناه؟

وماهي علاقتها ببعضها ؟

وماهي المصالح المشتركة بينها؟

لقد وقع الشعب السوري منذ انطلاق ثورته المباركة في ربيع العام 2011م ضحية مباشرة لتطرفين:

1- التطرف الأول هو تطرف عصابة النظام المجرم باستخدامه قواه العسكرية والأمنية المفرط لقمع الثورة بكل وحشية واستعانته بقوى محلية وإقليمية ودولية ﻻ تقل عنه وحشية ودموية، مما نتج عنه تدمير البنية التحتية بالمناطق الثائرة وقتل حوالي مليون سوري وتشريد وتهجير أكثر من الشعب السوري داخليا وخارجيا، واعتقال وتغييب مئات الآلاف من السوريين والسوريات.

2- التطرف الثاني يتمثل ببعض الحركات الراديكالية المتطرفة التكفيرية كداعش وأخواتها، والغريبة فكرا وممارسة عن ثقافة السوريين.

فما هي الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الحركات المتطرفة على الساحة السورية ؟؟

1- شكل استخدام عصابة النظام المفرط للعنف في قمع الثورة وقتل وتهجير واعتقال الملايين بيئة خصبة لنشوء التطرف المضاد على مبدأ لكل فعل رد فعل يعاكسه بالاتجاه، وهذا ساهم في انتقال بعض الشباب السوري من دائرة الاعتدال الى دائرة التطرف.

2- عدم استجابة عصابة النظام الأسدي للمبادرات والحلول السياسية لحل المسألة السورية، وإغلاقها الباب تماما أمام أي حل سياسي يحقق الحد الأدنى من مطالب الشعب السوري المحقة والعادلة ويضع حدا لسفك دماء السوريين وينهي معاناتهم الصعبة .

3- تشجيع عصابة النظام الأسدي للحركات المتطرفة بجميع أشكالها وتلاوينها بتشجيع وتخطيط من نظام الملالي في إيران، وذلك لوضع العالم أمام خيارين صعبين؛ بأن يختار بين السيء وهو نظام الأسد، والأسوأ وهو الحركات التكفيرية.

وفي هذا الإطار تم إطلاق سراح /976/ متطرفا كانوا موقوفين بسجن صيدنايا، ومثلهم من سجن أبو غريب العراقي في تمهيد واضح لتشكيل الحركات المتطرفة وذلك بهدف أسلمة الثورة السورية وحرفها عن أهدافها الوطنية النبيلة، ووصفها ﻻحقا بالدعشنة والإرهاب و……والقضاء عليها تحت بند محاربة الإرهاب.

4- غياب الثقافة الدينية الإسلامية عند الغالبية العظمى من السوريين بسبب محاربة نظام الأسد الأب ثم الابن لعقود من الزمن الفكر الإسلامي الصحيح، مما أدى الى فراغ في الوعي الصحيح للإسلام ومفاهيمه السمحاء،  ما أدى إلى تسهيل مهمة أصحاب الفكر المتطرف في نشر فكرهم خاصة بين الشباب.

5-اليأس والإحباط الذي أصاب بعض فئات الشعب السوري بسبب تعنت عصابة النظام والإهمال والتواطؤ الدولي، وعدم الجدية بالمعالجة الفعالة للملف السوري مما دفع البعض منهم للتطرف.

إن طرفي التطرف المتمثلين بعصابة النظام المستبد وحلفائها، وبالحركات الراديكالية التكفيرية قد اتفقا على محاربة القوى الثورية الوطنية السورية المتمثلة بفصائل الجيش السوري الحر وما يمثلها من معارضة مدنية ثورية  لأن كلا التطرفين يدرك أن الحل السوري يكمن في انتصار هذه القوى، وتحقيق وإنجاز مشروعها الديمقراطي التعددي وهي البديل الواقعي المقبول محليا ودوليا للنظام الدكتاتوري الطائفي .

ولذلك سخر النظام المجرم الحركات المتطرفة كداعش وأخواتها للقضاء على فصائل الجيش الحر، واتخذ من هذه الحركات درعا واقيا دوليا لتقديم نفسه كمحارب للإرهاب، وقد ظهرت هذه السياسة واضحة في إعلام النظام بتصوير جميع الفصائل بأنها تابعة لداعش أو النصرة، وتجاهله التام للقوى المعتدلة من فصائل الجيش الحر.

تعيش داعش آخر أيامها في جيب الباغوز في ريف دير الزور الشرقي .

فهل القضاء على تنظيم داعش المتطرف سيؤدي بشكل طبيعي إلى نهاية النظام الديكتاتوري المتطرف في دمشق الذي ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في نشوء الحركات المتطرفة واتخذ منها درعا له ؟؟

يرى الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين المتابعين للملف السوري أنه إذا تم القضاء تماما على داعش فإن التطرف سيظهر تحت مسميات أخرى وبحركات جديدة، والسبب أن أسبابه ماتزال قائمة وموجودة وأهمها نظام الأسد وما ارتكبه من جرائم بحق الشعب السوري والبشرية، وكذلك ما تمثله سياسة نظام الملالي في طهران الطائفية المتطرفة التي تشجع على استمرار ظاهرة التطرف.

ولذلك على القوى العالمية والإقليمية الفاعلة إذا كانت جادة في القضاء على آفة الإرهاب وتخليص العالم من شروره إزالة الأسباب التي أدت إلى ظهوره وانتشاره، ولعل أهمها إيجاد حل سياسي عادل للقضية السورية وتطبيق هذا الحل بالقوة على الأرض، وإزالة جميع العقبات من أمام تطبيقه وأهمها النظام الديكتاتوري في دمشق إحدى أهم أذرع نظام الملالي بالمنطقة العربية.

إن كل الجهود الدولية لتغيير سلوك نظام الأسد قد فشلت فشلا ذريعا ومنها الجهود الروسية لإعادة تأهيل النظام من جديد ولذلك أصبح عبئا ثقيلا عليها. ويشكل في حال بقائه واستمراره تهديدا دائما للسلام في المنطقة ومصدرا لعدم الاستقرار والفوضى والتطرف.

فهل أدرك العالم أخيرا حقيقة نظام الأسد ؟؟

وهل بدأ العد التنازلي لإسقاطه وإراحة المنطقة والعالم من شروره وجرائمه ؟؟

لكل ما سبق إن إنهاء داعش ﻻ يصب في مصلحة نظام الأسد، لأنه سيزيل درعه الواقي وبالتالي فإن القضاء على داعش سيؤدي إلى نهاية نظام عصابة الأسد إن آجلا أو عاجلا.

 

   

اترك تعليقاً

scroll to top