إيران؛ الدور التخريبي  

 

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

 وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

 

 

مع الرغبة الدولية الواضحة للعيان في تطويق الأزمات وبؤر التوتر ومنعها من الوصول إلى حافة الانفجار الكبير، الانفجار الذي يخشاه الجميع يصبح أمل السوريين أكبر في الخروج من دوامة العنف والموت المتنقل.

التغريبة السورية أصبحت تؤرق الجوار الجغرافي، بل والدولي أيضاً وزيادة الاستقطاب الذي يذكرنا بمخاضات الحرب الكونية الأولى والثانية كان مُستكمل الأركان في مساحة الوطن السوري الذي يعد موقعه كموقع القطب من الرحى، ليس في قلب العالم العربي فقط، بل في قلب الأطلس الدولي جغرافياً، وفِي عمقه الحضاري تاريخياً، وبالتالي تحركت القوى الكبرى نحو تحديد هوية العابثين في السلم والأمن الدوليين وإيجاد السبل للحد من هذا العبث الخطير.

فكانت ايران في طليعة هؤلاء الذين يحملون أيديولوجياتهم الغيبية القادمة من غبار التاريخ، ويريدون تصديرها في الامتداد الجغرافي القريب منه والبعيد، مستفيدين من حالة الفوضى والنزاعات القائمة اليوم ليكونوا سكين أخرى تُجهز على الشاة المتردية.

وقد شهدت الساحة الدولية حراك مكثف لهذا الغرض، فكان الحراك الدولي الأخير في مؤتمر ميونخ للأمن والسلم الدوليين، وتلاه مؤتمر وارسو الذي كان عنوانه الأبرز وضع حد لخطر التمدد الإيراني والذي ترجم لاحقاً بزيادة العقوبات الاقتصادية على إيران، وتطويق نشاطها السياسي والعسكري الذي يحمل الطابع العدواني، حيث أُغلقت الملاحة في قناة السويس في وجه السفن الإيرانية التي من شأنها تأمين الدعم اللوجستي للقوات التي تدين بالولاء لها في سوريا، ومن ثم اللقاءات المكثفة بين القيادات العسكرية لكل من تركيا وروسيا لبحث خروقات النظام وإيران لاتفاقية خفض التصعيد في الشمال السوري، والتحرك العاجل لوضع حد لهذا العبث وهذه الاعتداءات من خلال تكثيف الجانب التركي لدوريات المراقبة في المنطقة منزوعة السلاح من الجانب المحرر، ودوريات الشرطة العسكرية الروسية من الطرف الذي تسيطر عليه قوات النظام وميليشيات إيران.

وكانت زيارة بشار الأسد السرية والبعيدة عن أعين الرقيب الروسي إلى إيران غير مسبوقة؛ فلا بروتوكول، ولا وفد مرافق، وحتى الطائرة كانت تابعة للخطوط الجوية الإيرانية والحراسة ذهاباً وإياباً من قبل الأجهزة الأمنية الإيرانية.

والتي قابلها زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو في وضح النهار والتنسيق الأمني والعسكري معها، وما تلا الزيارة من تصريحات المسؤولين الروس وضعت أمن اسرائيل على رأس أولوياتهم.

كل هذه المفاعيل والمعطيات العامة تشي بأننا أمام انعطافه ما، أو توجه ما نحو تهيئة الأطراف للقبول بما يُحضر.

فعندما نتحدث عن أن روسيا تُحجم ماهر الأسد لحساب قوات النمر فهي تُحجم قوات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، أي بمعنى آخر هي تُحجم تيار الصقور الموالي لإيران في بقايا جيش النظام، وكل من لديه نزعة العدوان وعدم الرضوخ لاستحقاقات الحل السياسي، فبوتين على عجلة من أمره لإنضاج طبخة سياسية يتقدم بها للمجتمع الدولي معلناً من خلالها أنه استطاع تحقيق الاستقرار، ونجح عسكرياً وسياسياً في المعضلة الأكثر تعقيداً على الساحة الدولية، وهذه الطبخة السياسية على ما يبدو لا تنسجم والطموح الإيراني ونوايا بشار الأسد فتعمد الروس إعادة تظهير الصور المذلة له في هذه الأوقات.

وهذا يسير مع تصريحات وزير الدفاع التركي ((خلوصي أكار)) والتي أكد فيها عن استمرار عملية الفصل بين الجيش الحر وبين القوى الراديكالية، أي التي لا تريد الحلول السياسية (وتؤمن بالجهاد المفتوح).

إذاً من جهته الضامن الروسي يضغط على النظام وبشكل خاص التيار الرافض للحل والضامن التركي أيضاً يعري ويفصل من لم يقبل بالحل، بذات الوقت تسعى إيران إلى تعطيل المسعى الدولي والروسي نحو حل الأزمة السورية، ونعلم جميعا أن الحل السياسي ونهاية بشار الأسد سيبطل شرعية وجودها في سوريا.

    في الحقيقة إن بوادر الخلاف الروسي – الإيراني هي ليست جديدة فهم بالأساس لا يحملون نفس الأهداف وما كان يجمعهما من مصالح شارف على نهايته ، وبوادر عدم الانسجام أو الخلاف بَدأ مع بِدء استهداف اسرائيل للمواقع الإيرانية في سوريا، واكتفاء الروس بالتنديد حيناً وبالصمت أحياناً.

و الانعطافة الكبرى في العلاقات الروسية – الإيرانية كانت مع زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى روسيا والتنسيق العسكري والأمني معها، ومع المنافسة الإيرانية للروس في الحصول على الامتيازات الكبيرة التي يوقعها بشار الأسد مع الإيرانيين في الوقت الذي حُرم منها الروس وهم أصحاب الدور الأكبر في حماية النظام عبر الغطاء السياسي في الأروقة الدولية، وعبر الغطاء الجوي بالقاذفات الاستراتيجية الروسية، الأمر الذي دفع بالروس لإفشال الكثير من هذه الاتفاقات.

إن احتدام المنافسة الروسية – الإيرانية سيستمر طالما يوجد الطرفان  في الحيز الجغرافي المتنافس عليه نفسه .

 

اترك تعليقاً

scroll to top