الجغرافيا السياسية

إعداد المكتب السياسي

تمهيد:

الجغرافيا السياسيّة  وتعرف أيضاً بالجيوسياسيّة، هي علم يسلّط الضوء على طبيعة العلاقة التي تربط ما بين الجغرافيا والسياسة بشكل عام، ثم يبدأ بالتعمّق شيئاً فشيئاً ليصف العلاقة على أنها تأثير وتأثر فيما بينهما، وغالباً ما يكون تركيز علم الجغرافيا السياسيّة على الأثر الذي تتركه السياسة فوق مساحة جغرافيّة ما.

 وتأتي أهمية الجغرافيا السياسية من أنها العلم الذي يبحث في تأثير الجغرافيا على السياسة؛ أي الطريقة التي تؤثر بها المساحة والتضاريس والمناخ، وعلى أحوال الدول والناس. الجغرافيا السياسية ليست فقط تأثير الجغرافيا على السياسة ولكن أيضا تأثير السياسة على الجغرافيا، فهناك الكثير من القرارات السياسية التي غيّرت الوجه الجغرافي لمناطق كثيرة بالعالم كشق القنوات الكبرى كقناة السويس مثلا.

وتعتبر الجغرافيا السياسية علماً أكاديمياً حديثاً بالرغم من وجود مبادئها منذ أرسطو (الحجم السكاني الأمثل للدولة، المساحة الأفضل للدولة)، وابن خلدون (دورة حياة الدولة)، لكن يعتبر الألمان هم من بدأوا هذا العلم وذلك بعد أن نشر الجغرافي الألماني “فريدرك راتزل”  كتابه (الجغرافيا السياسية) في سنة 1897م، ويعد الألمان أكثر من كتب في الجغرافيا السياسية. وهي تضم مجموعة من المفاهيم السياسية الرئيسية منها: جغرافية المستعمرات، الدولة والإقليم، الأمة والقومية، جغرافية الانتخابات، إضافةً للخطط الاستراتيجية الجيوبولتيكية التي حكمت العلاقات السياسية الحربية القديمة بل والحديثة علي أساس خصائص البيئة الجغرافية.

مفهوم الجغرافيا السياسية:

تعد الجغرافية السياسية واحدا من الموضوعات الشائكة في الدراسات الجغرافية. وتطورت الجغرافيا السياسية عبر التاريخ ومرت بعدة مراحل ولها الكثير من الرواد الذين ساهموا في وضع الأسس الأولى لها. وتمثل الدولة المحور الأساسي للجغرافيا السياسية .

  • تعريف “لويس الكساندر”: هي دراسة الأقاليم السياسية كظواهر موجودة علي سطح الكرة الأرضية. وان طبيعة وكينونة ومدة هذه الأقاليم السياسية مرهونة باختلاف الظواهر السياسية الموجودة في العالم.

  • تعريف “ريتشارد هارتشهورن”: هي دراسة أوجه الشبة والاختلاف بين الأقاليم السياسية.

  • تعريف “دوغالس جاكسون” : هي دراسة علاقة الظواهر السياسية في خصائصها التوضيحية من تحليلها للحدود ومشاكلها ، والتنظيمات الجغرافية الناتجة عن تطبيق السلطة الحكومية او الوجود السياسي للدولة.

الجغرافيا السياسية عند “فريدريك راتزال”:

فردريك راتزل  (1844-1904 )اهم من طور منهج الجغرافيا السياسية، واورد  “راتزال” سبعة قوانين تحكم حركة الدولة داخل مجالها الحيوي في مقال له بعنوان (القوانين السبعة للنمو الأرضي للدولة  )وهي :

  • ان مساحة الدولة تنمو وتتزايد بنمو الحضارات الخاصة بها .

  • ان نمو الدولة واتساع حدودها عملية لاحقة لمظاهر التقدم الأخرى الخاصة بسكانها مثل التجارة والأفكار والنشاط التبشيري وغير ذلك .

  • ان نمو الدولة يتم من خلال عمليات الدمج والاستيعاب للوحدات الأصغر منها .

  • ان الحدود السياسية هي الكائن الحي الخارجي المغلف للدولة والذي يعكس نموها وقوتها ويضمن لها الأمن والحماية.

  • ان الدولة تسعي اثناء مراحل نموها الي ضم واستيعاب الأقاليم ذات القيمة السياسية مثل السواحل والأودية النهرية والسهول والمناطق الأخرى الغنية بمواردها الاقتصادية .

  • ان الحافز الأول للنمو الإقليمي والتوسع يأتي للدولة البدائية من الخارج ومن حضارة اعلي منها ومعني ذلك ان الدولة ذات المرتبة الأعلى تعمل الي التوسع علي حساب الدول ذات الحضارة الأدنى.

  • ان الميل العام نحو التوسع الأرضي والدمج والاستيعاب تنتقل من دولة الي دولة ثم ما يلبث ان يشتد ويتزايد بعد ذلك (عملية التوسع تزيد الشهية نحو توسع اكبر) .

نستنتج من مضمون هذه القوانين ان “راتزل ” يرى في الدولة كائنا حيا ينمو ويتوسع وقد يموت ويندثر اذا فقد اسباب الحياة ، وان حاجات البقاء والنمو قد تدفع الدول نحو ضم دول اخري ، الأمر الذي قاد الي موجة الاستعمار الأوربي ، الذي استند علي فكرة نمو الدولة وعلاقته بعوامل جغرافية عدة كالحدود السياسية والمساحة والاقتصاد والسكان .

الجغرافيا السياسية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية:

ظهر اتجاه جديد وحديث في الجغرافيا السياسية  بعد الحرب العالمية الأولى، ركز علي الدراسات التفصيلية للمشكلات السياسية والإقليمية والعالمية.

  • ويعتبر الجغرافي البريطاني “بومان” من ابرز الجغرافيين في هذا المجال، حيث فتح المجال امام افكار جديدة خاصة بمفهوم الجغرافيا السياسية ، وتحديد الإقليم السياسي كاطار تنظيمي يساعد علي تحليل عناصر قوة الدولة بداخله ، الطبيعية منها والبشرية ، معتبرا الإقليم السياسي حجر الزاوية في دراسة الجغرافيا السياسية .

 وفي النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديدا  بعد الحرب العالمية الثانية ، اتسع مفهوم الجغرافيا السياسية ليشمل تحليل التفاعل بين العمليات السياسية من جهة ، والحيز الجغرافي الذي تدور بداخلة من جهة اخري ، وذلك بعد التأكد من تأثير مجموعة العوامل الجغرافية على  الاتجاه والسلوك السياسي للسكان ، والذي ينتج عنه التباين السياسي بين الدول المختلفة ، او بين اجزاء الدولة الواحدة . وظهر علي  اثر ذلك اتجاه جديد في الجغرافيا السياسية يهتم بدراسة العوامل الجغرافية التي تؤثر في القرارات والأفعال التي تصدر عن الجماعات والأفراد داخل الدولة.

 جاءت الجغرافيا السياسية لتبحث في كل ما يتعلق بالوحدات السياسية(الصغرى منها والكبرى  )من حيث تكوينها وتطورها في ضوء المعطيات البيئية والبشرية بداخلها . وتتقاطع الجغرافيا السياسية مع علم السياسة في كونهما تتخذان الوحدة السياسية (الدولة) محورا لهما. وأصبحت الجغرافيا السياسية تشكل ميداناً مشتركاً بين الجغرافية البشرية من جهة وعلم السياسة من جهة اخري. وازدادت دراستها أهمية بعد ما تطورت من أفكار ومبادئ عامة إلي قواعد وظواهر علمية.

اترك تعليقاً

scroll to top