رحلوا عنِّي .. وما زلتُ أنتظر اللقاء !!

 

 عائشة صبري

إعداد المكتب الاجتماعي

نظرت إلى جدران المنزل، وراحت تنتقل بنظراتها من زاوية إلى أخرى، حبست دموعها داخل مقلتها والعبرة تخنق أنفاسها، ابتدأت كلامها بلحظة خشوع، ودمعة صامتة سقطت من عينها، وقالت: أصبحت أيامي تمرُّ كلمح البصر في سرعةٍ يعجز عقلي عن استيعابها، ولكنَّني اليوم مع مصابي العظيم، وبليَّتي الجسيمة في فقدي لفلذات كبدي الثلاثة، الذين كانوا قرَّة عيني، وريحانة فؤادي، أصبحت أيامي عصيبة، ثقيلة، الثواني فيها ألم، والدقائق حزن، وساعاتها مرارة وحسرة.

وما زالت تمرُّ أمام عيني كشريط سينمائي ينتهي ليبدأ من جديد، فيلم حقيقي لقصة واقعية عشت تفاصيلها لحظة بلحظة وبكل ذرة في كياني، فيلم وضع السيناريو والحوار له القدر، وكانت مشاهده الرئيسية في هذه البلاد (سوريا) حيث الحزن والقهر والأسى، هذه البلاد التي أصبحت للظلم عنوان، أما موسيقاه التصويرية فكانت تلك النغمة الصاخبة لصوت قذيفة من دبابات النظام.

في منطقتي الحولة شمالي حمص، وقبل تهجيرنا منها بمدة عام، وقدومي إلى إدلب قبل سبعة أشهر، ما زلت أذكر صباح ذلك اليوم، حيث كان الجوُّ مكفهرًا وماطرًا، وحجبت نور أشعة الشمس الدافئة، والرعد والمطر يملأ السماء، كان الرعد يزمجر في صوت يقبض ألباب القلوب، ونور البرق يشقُّ السماء، والمطر ينهمر بشكل مخيف مرعب.

ماذا حدث ؟

دخل بيتي زائر بدون موعد، له صوت غريب وقوَّي، وهو يصرخ موتوا جميعًا، مع اللحظات الأولى لم استوعب ماذا حدث، لكن عندما استعدت إدراكي تبيَّن لي أنَّها قذيفة دبابة من حاجز لقوَّات الأسد يقبع في مكان مرتفع غربي المدينة، اكتشفت أنَّه قد نفث سُمَّه، ودخلت أنيابه بيتي، ليسري السمّ في أجساد أولادي الثلاثة، ارتموا أمامي، ولم أعلم لماذا فجأةً أصبح لون وجوههم وثيابهم أحمر، وبدأت أشتم رائحة الدماء، حينها عجزت عن التفكير أو الفعل، إلى أن صرخ أحد الجيران قائلًا: “هلموا يا قوم لقد استشهدوا”، وبهذه الجملة ابتدأت مأساتي لأسمع بعدها تمتمات وصيحات وكلمات غير مفهومة، وأرى عيون مفجوعة، مصدومة.

ماذا حدث؟ وكيف حدث ؟ وأين هم ؟.. سيل من الأسئلة يدور في رأسي حتى كاد رأسي أن ينفجر، ومن كانت معهم الأجوبة كانوا قد أخذوا أولادي الثلاثة وذهبوا بهم إلى المستشفى، وبينما أنا في هذه الدوامة العصيبة، يصرخ أحدهم تعالي يا خالة، واركبي معي نلحق بهم، ركبتُ معه، وقلبي يُحدِّثني أنَّ أولادي في محنة كبيرة، وبلاء عظيم، ولكن أين هم ؟ وأين أنا ؟.

هم في مكان وأنا في مكان تفصلني عنهم تضاريس الأرض، وماذا عساي أن أفعل سوى الانتظار والصبر على تلك النار التي كانت تتأجج، وتزداد سعيرًا في صدري مع كل ثانية تمرُّ، ويمرُّ الوقت كسلحفاة مريضة، وأنا لا أملك من أمري إلا دموع تنهمر من عينين وأفكار تشقُّ رأسي وفزع مما يخبأ لي القدر.

ها أنا في السيَّارة جالسة، كانت دقات قلبي أسرع من محركها، وأنفاس حارَّة تخرج من صدري أحرُّ من احتراق وقودها، عجلاتها تدور، ومعها تدور الأفكار في رأسي، يا تُرى كيف هم ؟ هل هم بخير أم … ؟ ماذا سترى عيني ؟ هل سيحتمل قلبي ما سأرى ؟.

وقفت السيَّارة ليقفز قلبي قبل جسدي، وبدأت أبحث في الممرات، والأبواب والغرف عن أحبائي الثلاثة الذين يرقدون في مكان ما، ولكن أين ..أين ؟.

سألت أحدهم، فأجابني هم هنا في هذه الغرفة، فشخص بصري نحو بابها، إنَّهم هنا، ولا يفصلني عنهم غير هذا الباب، وكان لونه أبيض كسائر الأبواب، ولكنَّني في تلك اللحظة رأيته كأبواب القلاع الحصينة، وأنا صغيرة ضعيفة لا أقوى على فتحه، استجمعت ما تبقى في جسمي من قوَّة وفتحت الباب، وفتحت معه جميع أبواب الآلام والحسرات التي منذ هذه اللحظة لم ولن تنتهي، إنهم هناك مستلقين على أسرة مغمضين أعينهم، أجسادهم مخضبة بالدماء، ثيابهم ممزقة، مستسلمين للقدر، سألت ماذا حلَّ بهم ؟.

لأسمع الإجابة إنَّهم قد ماتوا !

لتأتي هذه الكلمات كسهام مسمومة اخترقت قلبي قبل أذني، هؤلاء الفتيان الثلاثة الذين كانوا يملئون الدنيا فرح وسعادة وحركة، الآن هم يرقدون بلا حراك، بلا حول ولا قوَّة، لأقف عاجزة عن الحركة وعاجزة عن التعبير.

خرجتُ من تلك الغرفة مذهولةً أحمل قدمي حملًا، ماذا سأفعل وإلى أين سأذهب ؟ إلى من ألجأ ؟ إلى من ؟ .

لقد رحلوا .. وفراقهم أدمى قلبي، رحلوا عن دنياي، ولكن عزائي الوحيد أنَّهم في جوار ربَّهم عند من هو أحنُّ عليهم منِّي سبحانه، فارقدوا بسلام مطمئنين الأنفس، فأمكم راضية عنكم تمام الرضا، وتدعو ليل نهار مع كل إشراقة شمس، ومع كلِّ غروب أن يجعلكم الله من أصحاب اليمين، وتتمتعون في جنات النعيم، وأن يجمعني الله بكم في مستقر رحمته، فإلى لقاء قريب، ليس بعده فراق.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top