تداعيات الحرب السورية على المرأة

بقلم وردة الهويدي

مكتب المرأة

 

لم يعد يخف على أحد أن الصراع الدائر في سوريا، والذي ما يزال قائماً منذ أوائل 2011 وحتى الأن، أثر على المرأة السورية بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمكن القول أن الحرب طالت حياة المرأة ومن كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والنفسية  والصحية والفكرية.. وتحدثت العديد من الدراسات والتقارير عن الأثار السلبية التي خلفها الصراع على المرأة وما تعرضت له من عنف واستغلال واضطرابات اجتماعية ونفسية.

وقد لا نتمكن في هذا المقال من حصر كل تلك الأثار ، ولكنه سيكون من الأهمية بمكان تسليط الضوء، على عدد من المظاهر والاشكاليات التي عانتها وتعانيها المرأة السورية في ظل حرب طاحنة لا ترحم. ولكن وقبل الحديث عن تداعيات الحرب على المرأة السورية، يتوجب التنويه إلى أن المرأة شاركت بالثورة منذ قيامها كمتظاهرة، و كمعتقلة، وكسياسية وناشطة إعلامية، وكانت أم شهيد وزوجة معتقل، فضلا على المرأة  كان لها وظائف أخرى في الثورة، فقامت بوظيفة التمريض أو مسؤولة عن اطعام الثوار.. وسجلت الثورة وجود عدد من النساء اللواتي حملن السلاح.

متعبات نفسياً:

تعرضت النساء وخلال فترة الحرب إلى صدمات نفسية عنيفة، تجلت في حالات مثل الهلع والخوف والقلق، واضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب، وأمراض عصابية مختلفة. إضافة لمشاعر الحزن واليأس وفقدان الأمل. ومرد ذلك إلى ما عايشته المرأة من قصف عنيف بمختلف أنواع الأسلحة من قبل قوات النظام وحلفائه، وما شهدته من نزوح وتهجير، وفقدان للأهل أو الاولاد أو الزوج، كما تعرضت المرأة السورية للعنف والاعتقال ، وتم تسجل حالات اغتصاب من قبل مليشيات النظام في معتقلاته أوفي اقتحاماته للقرى وللبلدات المعارضة لحكم الأسد . وسجل حالات ابتزاز مارسها النظام على زوجات وبنات المطلوبين لأجهزته الأمنية والاستخباراتية.

بتاريخ 7 شباط 2019 قامت امرأة (35 عاماً) من مهجري دوما، تعيش في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، بمحاولة قتل أطفالها الثلاثة خنقاً. وحاولت المرأة  الانتحار بعد قتل طفليها ونجاة أحد الأطفال عبر تناول  المحروقات وقطع شرايينها.   وقبلها كانت قد أقدمت السيدة سندس فتح الله(28 عاماً)، على حرق نفسها داخل خيمتها يوم11 كانون الثاني2019، بسبب عدم توفر الطعام لها ولأولادها منذ ثلاثة أيام في مخيم الركبان. وهاتين الحادثتين المروعتين إن دلتا على شيء، فهما تدلان على الحالة النفسية المتردية  والاضطراب العقلي الذي تعانيه النساء السوريات بسبب ظروف الحرب الشاقة جدا”.

ظروف اقتصادية مرهقة:

خطفت الحرب  ارواح آلاف الأشخاص خاصة  من الذكور الشباب  الذين يعتبرون قوة العمل الأساسية، كما قتلت الحرب أرباب الأسر المنتجين ، واعتقل النظام الألاف من المعيلين لأسرهم، ويضاف إلى ذلك هجرة ألاف من الذكور هرباً من الاعتقال أو السوق إلى الخدمة الإلزامية أو بحثاً عن مكان أكثر أمناً واستقراراً. الأمر الذي جعل المرأة المعيل الأساسي لأسرتها، ومواجهتها لأدوار جديدة فرضت عليها مسؤولية  تأمين وحماية أسرتها مع غياب المعيل.

ومع ازدياد الفقر في سوريا وارتفاع نسبة البطالة نتيجة للحرب الدائرة،  زادت الأعباء الاقتصادية على المرأة واضطرت إلى العمل في مهن ووظائف مرهقة أو قد لا تتناسب مع طبيعتها وعادات مجتمعها، فلم يعد مستغرباً أن تجد مثلاً فتيات  صغيرات أو نساء كبيرات يبعن بضائع مختلفة  على الأرصفة أو في الطرقات، واضطرت حاجة  بعض النساء إلى المال للعمل في بعض الأعمال غير الاخلاقية وغير القانونية مثل الدعارة والتسول.  كما أن هنالك الكثير من النساء اللواتي كن عاملات في الوظائف الحكومية فصلن من عملهن  بطريقة تعسفية وتحت تهم باطلة من قبل النظام. وأدى تدمير النظام لبلدات ومناطق بأكملها، إلى إغلاق العديد من الشركات  والمصانع والمعامل  الخاصة ، والتي كانت قائمة في تلك البلدات والقرى لتتوقف عن العمل، وغالباً ما كانت تلك المصانع والمعامل باب رزق لألاف من النساء وعائلاتهن.

أما النساء اللاجئات  (خاصة نساء المخيمات) و النازحات فكن الشريحة الأكبر التي فتكت فيها الفقر والحاجة المادية، حيث يعانين هؤلاء النساء أوضاع معيشية قاسية، وغالباً ما يعتمدن على المعونات الاغاثية والمساعدات الانسانية والدولية، والتي لا تلبي  حاجاتهن وحاجات اطفالهن المتصاعدة  لاسيما مع طوال فترة النزوح أو اللجوء.

كشف التقرير الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2014، عن أن أكثر من (154000) عائلة سورية لاجئة في مصر ولبنان والعراق والأردن، ترأسها نساء، أي أن ربع العدد الاجمالي لهؤلاء النساء البالغ نصف مليون امرأة ، يخضن بمفردهن كفاحاً من أجل البقاء على قيد الحياة، بسبب فقد أزواجهن أو المعيل لأسرهن.

https://www.unhcr.org/ar/53bb888a6.html

تداعيات الحرب على أوضاع النساء الاجتماعية والتعليمية:

كان نتيجة للاعتقال والاختفاء القسري، ونتيجة لقتل النظام لألاف من الرجال، ارتفاع نسبة الأرامل والنساء الفاقدات لأزواجهن، وترتب على ذلك تغير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للمرأة السورية في البيت والمجتمع. وانعكس ذلك سلباً على أمن المرأة وقدرتها بالحصول على حقوقها الاجتماعية أو الاقتصادية، فقد عانت بعض النساء الأرامل من استلاب حقهن في تقرير مصائرهن، فيجبرن مثلاً على الزواج بشقيق الزوج أو من تراه الأسرة مناسباً.

وفي حال عدم زواج النساء الأرامل أو نساء المعتقلين والمغيبين قسرياً، تجد تلك النساء صعوبات فائقة في تربية اطفالها وتأمين أجواء أسرية سليمة لهم، وتتضاعف مسؤولياتهن  في حماية أبنائهن من المظاهر الاجتماعية والأخلاقية السلبية، التي ازدادت في المجتمع السوري طوال فترة الحرب، كالإدمان  على المخدرات والانحرافات الاخلاقية.

وارتفعت في سوريا نسبة عنوسة الفتيات ممن هن في سن الزواج ، بسبب انخفاض نسبة الذكور والشباب، وقابلتها ظاهرة انتشار الزواج المبكر بين القاصرات أو ممن هن في سن الدراسة الاعدادية والثانوية، للتخلص من أعبائهن المادية، وخاصة الفتيات اللواتي يعشن مع أسرهن في مخيمات النزوح واللجوء. فتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، أن نسبة زواج طفلات اللاجئين السوريين في الأردن في حالة ارتفاع من (12%) عام 2011 إلى (32%) عام 2014.

ص82  http://www.un.org/ar/esa/ahdr/pdf/ahdr16.pdf

وتراجع التحصيل العلمي والمعرفي بين النساء، إما بسبب الزواج المبكر أو بسبب النزوح والتهجير، أو نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتردية للأسرة السورية،  فارتفعت نسب التسرب من المدارس وانتشرت الأمية، وهذا بدوره سيؤدي إلى انخفاض مساهمة النساء المستقبلية في بناء المجتمع ،وسينحصر دورها الاجتماعي في المنزل فقط، وستفقد استقلاليتها وقدرتها على المشاركة الفاعلة في البناء الأسري والمجتمعي.

المرأة السورية والاعتقال:

لعل أبشع وأقذر ما تعرضت له المرأة السورية خلال الصراع القائم، هو الاعتقال على أيدي قوات النظام وميليشياته، فالمرأة السورية المعتقلة تصبح معاناتها أشد وأصعب وتواجه تحديات اجتماعية واقتصادية ونفسية غاية في القساوة. وقد خضعت النساء المعتقلات إلى أشد أنواع التعذيب من قبل أمن النظام ومخابراته، وكثيراً ما تم اعتقال النساء مع أطفالهن. وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي العشرات من القصص عن نساء تعرضن للاغتصاب والذل والقهر في معتقلات النظام. وكنا قد تناولنا سابقاً موضوع المعتقلات السوريات وواقعهن المرير.

http://www.alwatan-l-m.com/archives/12721

خاتمة:

يطول الحيث عن تداعيات الحرب السورية على المرأة، تلك الحرب التي افرزت واقع اجتماعي واقتصادي  وصحي ونفسي وتعليمي.. مرير، وأنتجت معضلات واشكاليات يحتاج حلها وعلاجها فترات زمنية طويلة وجهود فردية وجماعية كبيرة. وتحتاج المرأة السورية اليوم إلى إعادة تأهيلها ومساعدتها في تخطي همومها وأزماتها التي ولدتها الحرب الطويلة، وصار من الضرورة بمكان أن تشارك المرأة السورية في مواقع صنع القرار والمناصب السياسية، ليس لأن المجتمع الدولي ينحو نحو ذلك فقط، بل لأن المرأة السورية كان لها دور فعال في الصراع القائم وهي تحملت أعباء وتداعيات ذلك الصراع، وتمكنت العديد من النساء السوريات من إثبات وجودهن في  الساحات الدولية، وفي أسواق العمل و ميادين العلم و الدراسة. ويحسب للمرأة السورية صبرها وتماسكها وإصرارها على النجاة والبقاء في ظل حرب ظالمة ونظام  سوري  عنيف  جائر.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top