تطور الجهاز القمعي في إيران في ظل العقوبات الأمريكية

 إعداد النقيب المهندس ضياء قدور
خريج جامعة أصفهان في إيران –

رئيس وحدة متابعة الشأن الإيراني

 

 

مع بدء العقوبات منذ 4 تشرين الثاني ٢٠١٨م ، تطور الجهاز القمعي في إيران ضد المحتجين الإيرانيين من جميع الطبقات والأصناف والشرائح في كل حركة احتجاجية مناهضة للحكومة. وبطبيعة الحال، لا يمكن تبرير هذا القمع بالعقوبات الأمريكية المميتة المفروضة على هذا النظام، لأن مسؤولي نظام الملالي أعلنوا عدة مرات أن العقوبات ليست موجهة ضد النظام وإنما ضد الشعب الإيراني، لكن الحكومة القمعية لا تتصرف بطريقة تثبت هذا الادعاء في الممارسة العملية.

فإذا كان الشعب الإيراني تحت العقوبات، كما يدعى الملالي، فمن الطبيعي أن تقلل الحكومة القمعية هي من الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها على المحتجين؛ لا أن تزيدها وهذا الأمر يثبت زيف ادعاءات المسؤولين الإيرانيين بشكل واضح وجلي.

في عام ٢٠١٨م سعت وزارة الاستخبارات ومخابرات قوات الحرس الثوري والقوات الأمنية القمعية لإعمال تغييرات في عمليات قمعهم، وذلك بسبب خوفهم ورعبهم من توسع انتفاضة الشعب الإيراني العامة في ظل العقوبات المفروضة.

وفي هذا المقال، سوف نشير لعدة صور لتفاقم هذا القمع الوحشي عشية فرض العقوبات الأمريكية:

أ – التهديد بالإعدام وقتل السجناء السياسيين:

في عام ٢٠١٨م تم إعدام ما لا يقل عن ٢٤ إيراني أغلبهم من السجناء السياسيين تحت التعذيب عموما، أو بطرق مشكوكة داخل السجون والمسؤولين الإيرانيين كانوا يدعون بكل صفاقة بأن هؤلاء السجناء السياسيين قد أقدموا على الانتحار. وشهد شهر كانون الثاني ٢٠١٨م أكبر موجة إعدامات لسجناء سياسيين وصل عددهم ل ١٢ سجينا سياسيا ممن تم اعتقالهم خلال مظاهرات شهر كانون الثاني الماضي، وعمد نظام الملالي لتبرير عمليات الإعدام من خلال الادعاء على أنها عمليات انتحار، وذلك لامتصاص الغضب الشعبي الذي كان منتشرا حينها.

ووفقا لتقارير مختلفة أيضا فقد قام النظام الإيراني بإعدام ما لا يقل عن ٢٠ معتقل أهوازي من بينهم نساء تم اعتقالهم على خلفية الهجوم على الموكب العسكري في الأهواز، وقام بإعدامهم على الفور بدون إجراء أي محاكمات عادلة لهم. كما هدد في وقت سابق رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني بشكل مباشر سائقي الشاحنات المضربين بأكثر العقوبات قسوةً (أي الإعدام) معتبرا أن حكمهم هو حكم قاطع الطريق. (إيلنا، مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، ٢٠١٨).

وشهدت إيران وقائع إعدامات جديدة طوال شهر كانون الأول الماضي، نُفذت جميعها داخل سجون سيئة الصيت بالبلاد، في الوقت الذي باتت طهران تندرج ضمن أعلى الدول عالمياً في معدلات تنفيذ عقوبة الإعدام، لا سيما ضد المراهقين.

ونفذت السلطات الإيرانية في كانون الأول 2018م  25 حكماً بالإعدام في مختلف مدن البلاد، بينما تراوحت الفئة العمرية للأشخاص الذين نٌفذت بحقهم الإعدامات من 20 إلى 60 عاماً.

وتركزت أغلب وقائع الإعدامات هذه في مدن: رشت، وكرج، وبندر عباس، وجرجان، وكرمان، وقزوين، وأورمية، ومشهد، وأخيراً أصفهان، وسط تبرير قضائي بتورط المتهمين بجرائم جنائية، وفقاً للمقاومة الإيرانية.

ب – اعتقالات ليلية واسعة النطاق:

عام ٢٠١٨م كان أسوأ عام يمر على نظام الملالي منذ ٤٠ عاما مضت، فقد شهد هذا العام أمواجا كبيرة ومتلاطمة من الاحتجاجات في أغلب المدن الإيرانية، حيث وصل عدد الحركات الاحتجاجية والمظاهرات المناهضة للحكومة الإيرانية لأكثر من ٥٠٠ حركة ومظاهرة مناهضة خلال شهر ديسمبر الماضي فقط.

وخلال عام ٢٠١٨م سعت القوات القمعية لتنفيذ عمليات اعتقالات ليلية واسعة، حيث كانت تتجنب عمليات الاعتقال أثناء المظاهرات، وتكتفي بالمشاهدة والمراقبة، وتسجيل أسماء قادة المظاهرات، وتقدم ليلا على اعتقالهم من داخل منازلهم وفي أماكن عملهم، وأثناء أوقات استراحاتهم كما حدث أثناء اعتقال عمال المجموعة الوطنية للصلب والفولاذ في الأهواز. فخلال الاحتجاجات الواسعة لشهر كانون الثاني ٢٠١٨م سعت القوات القمعية إلى عدم تنفيذ الاعتقالات في الشوارع وفي نقاط المواجهة بين الشعب والقوات القمعية، بل ثم قامت باعتقال ما بين ٦ حتى ٨ آلاف شخص خلال الاحتجاجات عن طريق عمليات الهجوم الليلي على منازلهم.

ج – تغير في بنية الجهاز القمعي:

عشية بدء العقوبات، شهدنا تغييرات في بنية الجهاز القمعي ذاته، فقد تم حقن وزارة الاستخبارات بمجموعة جديدة من استخبارات الحرس الثوري الإيراني، لتبقى مخلصة للنظام في أوقات الأزمات.

وما يسمى بالعتبة الرضوية أصبحت مستعدة للتعامل مع المعارضين، لأن هذه المؤسسة كانت واحدة من أفسد المؤسسات الاقتصادية الدينية في إيران على مدار الأربعين سنة الماضية.

وقامت قوات الباسيج بتوسيع دائرة عملياتها على مستوى الأحياء، بحيث يمكن التعامل بسرعة مع أي احتجاج على مستوى الحي.

د – دعم الباسيج العشائري لمواجهة العناصر “المعادية للثورة”:

صرح رئيس منظمة الباسيج العشائري، نصرة الله سيف، يوم الأحد 6  كانون الثاني ، بإصدار تراخيص لحمل السلاح إلى العشائر، بإذن من علي خامنئي وبإشراف وتنفيذ الحرس الثوري الإيراني.

وقد تأسست منظمة الباسيج العشائري في عام 2008م، وتنشط حاليًا في 27 محافظة من خلال إنشاء 6 فروع رئيسية في مراكز المحافظات، و15 منظمة باسیج إقلیمیة، و39 قاعدة ما يسمى بالمقاومة المحلية.

كما تعمل منظمة الباسيج العشائرية في المجالات الاقتصادية لزيادة انتشارها بين العشائر من خلال منحهم القروض والتسهيلات الاقتصادية، و کان الحرس الثوري قد بدأ بتنفيذ مشروع تسليح قبائل المناطق الجنوبية الغربية في إيران، منذ  تشرين الأول 2009م، بين قبائل محافظة سيستان وبلوشستان.

وفي وقت سابق أشار القائد الحالي لقاعدة ثار الله التابعة للحرس الثوري، محمد کوثري، إلى التشابه بين هذا المشروع والمشروع الذي تم إطلاقه لتعزيز الأمن الإقليمي في محافظة كردستان تحت عنوان “مسلمو الکرد البشمرکه” في بداية الثورة. كما أشار أيضًا إلى أن الهدف الآخر من ذلك هو مواجهة ومحاربة “العناصر المعادیة للثورة”.

يعلم اليوم نظام الملالي جيدا أن الظروف الدولية قد تغيرت تماما عما كان في عام ٢٠٠٩م، حيث كانت سياسات التماشي الدولية سائدة في ذاك الوقت، ولكن الآن مع تسليط الضوء على إيران وفرض العقوبات الأمريكية الداعية لتغيير سلوك النظام والإدانات الدولية المستمرة لانتهاكات النظام الإيراني لحقوق الإنسان في إيران يسعى النظام لإعمال مزيد من الضغوط الداخلية، وخلق مناخ الرعب والخوف وذلك بسبب خشيته من الانتفاضة الإيرانية التي ستطيح بحكم الملالي للأبد.

اترك تعليقاً

scroll to top