الركبان .. (مخيم الموت)

 

إعداد: وردة هويدي 

المكتب الاجتماعي

أفادت عدة شبكات محلية ومواقع تواصل اجتماعية، بأن السيدة سندس فتح الله(28 عاماً)، أقدمت على حرق نفسها داخل خيمتها يوم11 كانون الثاني2019، بسبب عدم توفر الطعام لها ولأولادها منذ ثلاثة أيام في مخيم الركبان. وبالمقابل كانت الأمم المتحدة قد حذرت من سوء الأوضاع وترديها في مخيم الركبان، مشيرة إلى الظروف القاسية جداً، والتي أدت لوفاة عشرات الأطفال في المخيم نتيجة نقص الرعاية الطبية والبرد الشديد.  وقال “إرفيه فيروسيل” المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي: ” الأمم المتحدة مازالت تشعر بقلق بالغ، إزاء الظروف البائسة المتزايدة لأكثر من (40ألف) شخص يقيمون في المخيم غالبيتهم من النساء والأطفال”.

ويعد مخيم الركبان من أكبر المخيمات في الداخل السوري، وعانى خلال ثلاث سنوات نقصاً في الخدمات وفي المساعدات الإنسانية، وإهمالا وتقصيراً من جانب المنظمات المحلية والدولية والعالمية، وعلى الرغم من أنه كان يتلقى بعض الدعم والمساعدة إلا أنها لم تكن كافية. وقد توقفت المساعدات عن المخيم في شباط 2018م بشكل كامل، بحجة صعوبة إيصالها إلى المخيم المذكور.

النشأة والموقع:

تم إنشاء المخيم في عام 2015، عندما بدأ بعض النازحين بإقامة خيام متفرقة قرب الحدود الأردنية، هرباً من تنظيم(داعش) ومن غارات التحالف والروس على قراهم وبلداتهم، وفي أواخر 2015 صدر مرسوم ملكي أغلقت بموجبه الحدود الأردنية، بذريعة الخوف من تسلل عناصر (داعش )إلى الأردن، ليصبح بعدها المخيم منطقة مغلقة يرزح نازحيه تحت وطأة ظروف لا إنسانية.

ويقع المخيم في البادية السورية مشكلاً مثلثاً حدودياً مع كل من سوريا والأردن والعراق، وهو موجود في المنطقة (55) الأمنة، ويبعد حوالي (20كم) عن قاعدة “التنف” العسكرية التي تضم قوات للتحالف. وينتشر حول المخيم قطاعي الطرق والمهربين وحياة وحشية برية. وأغلب قاطني المخيم هم نازحين سورين من ريف دمشق والرقة ودير الزور وأرياف حماه وحلب وحمص وعدد من أبناء البادية السورية.

المخيم وقاطنيه:

يمكن وصف المخيم بأنه عبارة عن خيم بالية مهترئة، ويفتقر إلى الماء الصالح للشرب ومصادر الطاقة، وإلى  الغذاء والدواء وأبسط مقومات الحياة الأساسية، وترجع هذه المعاناة التي أصبحت أشد صعوبة منذ أواخر 2017م وبدايات 2018م إلى عدد من الأسباب، ولعل أهمها هو أن قوات النظام عندما تقدمت في البادية ، سيطرت على جميع الطرق المؤدية إلى المخيم، وفرضت حواجز النظام على تلك الطرقات ما يشبه الحصار ، وذلك جعل عمليات نقل البضائع والمواد أو تهريبها إلى المخيم، أمراً صعباً ومكلفاً أيضاً. كما زاد إغلاق الحدود السورية الأردنية من صعوبة الدخول والخروج وتلقي المساعدات  عبر الحدود، ويضاف إلى ذلك توقف المنظمات الانسانية عن تقديم الدعم لقاطني المخيم.

تختلف الاحصائيات في تقدير أعداد قاطني مخيم الركبان، ولكنها تتراوح بين (40 و60 ألفاً)، ويعيش هؤلاء في منطقة صحراوية قاسية المناخ. ويعتبرهم تنظيم (داعش) أهل ردة (مرتدين)، وقد قام بتنفيذ عمليات تفجيرية فيه أكثر من مرة. ويسود الفقر الشديد في المخيم وترتفع فيه أسعار المواد، حيث أنها غالباً ما تأتي عن طريق التهريب، فمثلاً يصل سعر البنزين إلى أكثر من (1000 ليرة) ويصل سعر ربطة الخبز إلى (700 ل س). ويعاني المخيم من نقص في الأطباء والكوادر الطبية  وارتفاع في أسعار الدواء، والنقطة الطبية التابعة “لليونيسف” على الجانب الأردني، لا تقبل إلا الحالات الطبية المستعصية وبعد عدة محاولات، الأمر الذي ترتب عليه وفاة العديد من النساء الحوامل والأطفال.

وتسود في المخيم حالة من الفوضى الاجتماعية، وانتشار لزواج القاصرات بسبب الفقر والفاقة. ونتيجة للحاجة المادية فإن أعداداً كبيرة من سكان المخيم عملوا في التهريب وتجارة المخدرات والممنوعات. وقد شهد المخيم اقتتالات داخلية للحصول على الماء أو على كراتين المساعدات، والتي كانت أصلاً غير كافية.

ورقة ضغط بيد النظام والروس:

يعمل النظام وحليفه الروسي على إدخال قاطني مخيم الركبان في عمليات المصالحة، وذلك من خلال الضغط عليهم وفرض حصار على الطرقات المؤدية للمخيم، مانعين عنهم كل مستلزمات الحياة الضرورية. وتسعى روسيا إلى تفكيك المخيم للسيطرة على تلك المنطقة وللضغط على أمريكيا للخروج من  منطقة “التنف”.

ويترافق هذا الضغط مع منع الأردن منذ بدايات 2018، تسليم أي شحنة مساعدات عبر حدوده، وقد كشف وزير الخارجية الأردني “أيمن الصفدي” عن وجود تنسيق أمريكي روسي لتفكيك مخيم الركبان، خلال محادثات جرت في 28 كانون الأول 2018م مع وزير خارجية روسيا في موسكو. وهكذا يصبح  قاطني المخيم بين نارين، تتمثل الأولى في عودتهم إلى مناطق النظام وتعرضهم للاعتقالات أو السوق إلى الخدمة العسكرية، حيث أن الضامن الروسي كشف زيف ضماناته في مناطق أخرى دخلت فيما يسمى بالمصالحات، أما النار الثانية فهي بقائهم في صحراء مخيم يخلو من مظاهر الحياة وأسبابها البسيطة.

استمرارية المأساة دون حل:

بعد قرار واشنطن الانسحاب من سوريا ومن منطقة  “التنف”، أصدرت الإدارة المدنية في مخيم الركبان بتاريخ 28 كانون الأول 2018م بيان جاء فيه: ” نطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن وجميع منظمات حقوق الانسان، بأخذ دورها الكامل اتجاه مصير هؤلاء العالقين في السجن الكبير وما يسمى مخيم الموت (الركبان)، وايجاد الحلول لهم من خلال فتح الطرقات الأمنة وتأمينهم إلى مناطق أمنة”. ونوه البيان إلى أن جميع قاطني المخيم محاصرين وبحالة فقر شديد، ولا يملكون المال لتأمين طعامهم حتى.

وكانت الإدارة (إدارة مخيم الركبان) قد رفضت إعادة النازحين إلى مناطق سيطرة النظام، مطالبة بانتقالهم إلى الشمال السوري عن طريق الصحراء وبحماية التحالف.

وأثناء تقاذف كل من روسيا وأمريكا التهم حول المسؤول عن مأساة أهالي مخيم الركبان، لايزال المخيم يسجل وفاة الأطفال نتيجة للبرد ونقص المساعدات، وتحذر منظمة “اليونيسف” من أن الأطفال الذين يبلغون من العمر شهراً فقط، لا يقوون على تحمل ظروف الشتاء القاسية في التجمع الصحراوي.

 

اترك تعليقاً

scroll to top