تأسيس المدارس النظامية في عهد السلاجقة

 

إعداد المكتب التركماني

أُنشأت في عهد ألب أرسلان “الأسد الشجاع” بتوجيه من وزيره العادل الحليم نظام الملك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري في العصر السلجوقي، و قامت هذه المدارس بدورٍ هامٍّ في تاريخ السلاجقة؛ حيث عملت على إعداد الإنسان الصالح والمصلح لغيره، واعتبر الوزير هذا الهدف مهمًّا لبناء الأمَّة الصالحة، وكان تأسيسها من الأحداث المهمة العلمية والدينية في تاريخ الإسلام، و مبعث تأثير كبير وتحوّل باهر في مختلف شؤون العالم الإسلامي، واستمرت لقرون باعتبارها من المراكز العلمية والدينية الهامة في دنيا الإسلام.

نهض نظام الملك بمشاريع كبيرة فريدة؛ فهو إضافة إلى إدارة أمور البلاد سياسيًا واجتماعيًا؛ أسس هذه السلسلة من المدارس التي عُرفت باسمه وأصبحت قدوة لما أُسّس بعدها من مدارس، وأشهرها نظامية بغداد والموصل والبصرة ونيسابور وبلخ وهراة ومرو وآمل وجرجان وشيراز وأصفهان وطبرستان وغيرها، وسطعت ‌نظامية بغداد بوجود الإمام الغزالي ونظامية نيسابور، و عَلَت أيضًا بوجود إمام الحرمين الجويني.

أسس نظام الملك نظامية نيسابور لتكون محلاً لتدريس إمام الحرمين الجويني بعد أن استقدمه إلى نيسابور، وأوكل إليه أمر التدريس والخطابة. والجويني مارس عمله التعليمي والعلمي هناك مدة 22 سنة، وربّى خلالها كبار تلاميذه مثل الإمام الغزالي. 

انتشرت المدارس في المدن الإسلامية بعد تأسيس النظامية انتشارًا واسعًا خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين.  ونتيجة لتحمسه، وتبنيه إنشاء المدارس في المناطق المختلفة، فقد ترتّب على ذلك أن امتلأت بلاد العراق وخراسان بعشرات المدارس؛ حتى قيل فيه: إنَّ له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة، وكان ينشئ المدارس حتى في الأماكن النائية، وكان كلَّما وَجَدَ في بلدةٍ عالمًا قد تميَّز وتبحَّر في العلم بنى له مدرسة، ووقف عليها وقفًا، وجعل فيها دارَ كُتبٍ، وكان التلاميذ يتعلَّمُون فيها بالمجَّان، وللطالب الفقير فوق كل ذلك شيءٌ معلوم يتقاضاه من الريع المُخَصَّصِ لذلك، وكانت المدارس جزءًا من المساجد قبل القرن الرابع الهجري، ثم استقلت المدارس في هذا القرن تبعًا لاتساع العلوم وتنوعها وتطورها، غير أن المساجد لم تفقد مكانتها العلمية والتعليمية.

وكانت تلك المدارس ترمي إلى تحقيق جملة من الأهداف التعليمية أهمها:

1- الأداء الأمثل للتكاليف الشرعية المختلفة؛ وذلك لأن معالم الشريعة لا تكون واضحة، ولا تعرف أحكام الدين إلا عن طريق التعليم الإسلامي القويم، والتعليم الصحيح هو الطريق الأمثل للوصول إلى مراد الشارع سبحانه وتعالى.

2-  إعداد الإنسان الصالح بنفسه المصلح لغيره، ولذلك اعتبر هذا الهدف مهمًا من وجهة نظر التعليم الإسلامي، فالتعليم الإسلامي يعد الفرد لكي يكون آمرًا بالمعروف معينًا عليه وعلى فعله، وناهيًا عن المنكر داعيًا إلى تركه بعد أن يكون هو نفسه قد امتثل هذا الأمر أو النهي.

3- توفير جو علمي، تهدف المدرسة الإسلامية إلى توفير جو علمي يساعد الأساتذة والمعلمين على أن يفكروا ويؤلفوا ويبتكروا، فيضيفوا كل جديد إلى العلوم المختلفة بصفة مستمرة.

4- العمل على توسيع الأفق الفكري لدى الطلاب، فالمدرسة لا تكتفي بتنمية الخبرات، بل تعمل على أن تكسب الطالب الخبرات الجديدة الناتجة عن تجارب الأمم السابقة والمعاصرة, وهذا ما يسمى عند علماء التربية الإسلامية “نقل التراث”، وهذا يكون من خلال اطلاع الطلبة على التراث الحضاري والفكري لدى الأمة؛ مما يؤدي إلى توسيع الأفق لديهم نتيجة لاطلاعهم على تلك الخبرات.

5- إعداد الكوادر الفنية، تهدف المدرسة من وراء تعليمها للطلبة إلى إعداد الكوادر الفنية المؤهلة لممارسة الأعمال المختلفة، سواء في الجهاز الحكومي أو في غيره، خصوصًا أن الوظائف قد تشعبت وكثرت وتضخمت، ولذلك قامت المدرسة بتخريج الأفراد الذين عملوا على تحمل مسؤولياتهم في تلك الوظائف.

6- نشر الفكر السني، ليواجه تحديات الفكر الشيعي المتمثل بالدولة الفاطمية آنذاك، ويعمل على تقليص نفوذه.

7- إيجاد طائفة من المعلمين السنيين المؤهلين؛ لتدريس المذهب السني ونشره في الأقاليم المختلفة.

ويعد العلماء التالية أسماؤهم من أبرز خريجيها:

– عمر الخيام 

– أحمد بن موسى: عاش في القرن العاشر، وهو رائد الهندسة النظامية.

– على بن عيسى: هو عالم قدم للمرة الأولى أبحاث عن مرض العيون في القرن الحادى عشر.

– البيرونى: هو العالم الولى الذي أكتشف ثروات الأمريكان واليابانيين.

– ابن جسار: الطبيب المسلم الأول الذي أكتشف أسباب ونتائج مرض الجزام.

– ابن حوقل: ألف كتاب على قيمة علمية عالية.

– ابن الهيثم الفيزيائي الشهير المؤسس الأول لعلم العيون.

– ابن قارقة: الطبيب الشهير.

– ابن يونس: العالم الفلكى الذي أكتشف عقارب الساعة قبل جاليليو

وبذلك أدت المدارس النظامية رسالتها من تخريج العلماء، وزودت الجهاز الحكومي بالموظفين ردحاً من الزمن وبخاصة دوائر القضاء والحسبة والاستفتاء, وهي أهم وظائف الدولة في ذلك العصر، وانتشر هؤلاء في العالم الإسلامي حتى اخترقوا حدود الباطنية في مصر، ودعموا الوجود الإسلامي بها، وصارت مدعاة لبناء المدارس ومثاراً للتنافس بقدر ما أصبحت نموذجاً يحتذيه مؤسسو المعاهد منذ بداية تشييدها إلى ما بعد ذلك بعصور طويلة، وقد مهدت بتراثها ورجالها وعلمائها السبيل ويسّرته أمام نور الدين زنكي والأيوبيين كي يكملوا المسيرة التي من أجلها أُنشئت النظاميات.

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top