العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

 

الحريق الدائر منذ ثمان سنوات والذي كان وقوده الشعب السوري، يتناثر اليوم شرره أبعد من أشلاء السوريين، والأقطاب التي تدير الصراع وجدت نفسها أمام استحقاق الدخول المباشر في أتون المحرقة المتنقلة  .

فالوكلاء وصلوا مرحلة الاستنزاف الكامل ولَم يعد بمقدورهم سد احتياجات الأصلاء في لعبة كسر العظم وفرض إرادة هذا الطرف على ذاك، فكان التالي هو قرار ترامب وقف تمدد إيران التي راحت تغرد خارج السرب، والتي تجاوزت ما هو مسموح لها مستغلةً حالة التردي العربي ومستغلةً المأساة السورية التي وجدت فيها بيئة خصبة للاستثمار السياسي والعسكري والتمدد وتصدير الثورة الإيرانية وإيديولوجيا الولي الفقيه ونشر التشيع  .

وفعلاً استطاعت اليوم تأمين طريق معبد إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط من خلال الهيمنة على العواصم العربية ((بغداد، دمشق، بيروت))، إضافةً إلى إحداث الخلل الكبير في الخليج العربي من خلال أزرعها الطائفية هناك وخصوصاً ميليشيا الحوثي في اليمن، ولَم تكتفِ بما وصلت إليه فهي مستمرة بالعبث بالأمن الإقليمي، وحتى الدولي مستندةً إلى التحالف المصلحي المتبدل مع الروس، هذا الأمر الذي تنبهت إلى خطره إدارة ترامب والتي توصلت إلى قناعه بأن هذا التمدد الإيراني لم يعد مقبولاً وأنه يجب أن يُوضع حد له  .وفعلاً تسارعت وتيرة الأحداث  .

– اتخذ ترامب قرار سحب القوات الاميركية من سوريا، وفِي الحقيقة هي عملية إعادة تموضع وتمركز من سوريا إلى العراق التي ترشحها مجموعة الأزمات الدولية لتكون ساحة المواجهة التالية  .

وأعقب قرار ترامب سحب قواته من سوريا زيارته إلى قاعدة عين الأسد العسكرية الأمريكية شمال العراق دون إخطار أي طرف من الأطراف العراقية، فكانت هذه الزيارة مثار جدل في الأوساط العراقية وخصوصاً الموالية لإيران، ثم تلاها طلب واشنطن من حكومة عادل عبد المهدي أن يعمل على تفكيك وسحب سلاح مليشيات الحشد الشعبي ((الشيعي)) وغيرها من المليشيات التي يعبر ولائها الحدود العراقية ليصل إلى أحضان الولي الفقيه في طهران، واضعةً لهذه الغاية عدة تصورات أولها أن تتمكن الحكومة العراقية من القيام بهذه المهمة بحيث لا يكون هناك دولة ضمن دوله أو مليشيا تأتمر بأوامر غير عراقية  .

وإن لم تتمكن الحكومة العراقية من إنجاز هذه المهمة – وهي فعلاً مهمة صعبة الإنجاز – فستكون مقرات القيادة والسيطرة ومستودعات الذخيرة والسلاح التابعة لهذه المليشيات موضع استهداف الطيران الاميركي، بل هدد ترامب بأبعد من ذلك حيث كان هناك تصور آخر للاستهداف المباشر لقيادات هذه التنظيمات  .نعم فكيف لواشنطن التي خسرت آلاف الجنود لتسقط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، ولتبسط نفوذها على العراق أن تترك إيران تأخذ مكانها بهذه البساطة في هذا البلد؟! .

ولم تأخذ إيران مكان الولايات المتحدة في العراق فقط، بل استمرت بالتمدد إلى سوريا ولبنان الذي هو بالأساس مُسيطر عليه عبر ذراعها حزب الله هناك  .

استشعرت إيران الخطر المدبر الذي سيطيح بحلمها الذي استثمرت به إلى حد إفقار الشعب الإيراني لصالح هذا المشروع العابر للحدود، فدفعت بوفد كبير يرأسه وزير الخارجية محمد جواد ظريف ليبقى في العراق خمسة أيام بزيارة، واضح أنها تستنفر همم المليشيات الطائفية، فكان واضحاً أنه يريد ترتيب الصفوف وإعطاء جرعة المعنويات لقواته وللقوات الموالية له في العراق، و تهيئتهم لخوض شيء كبير ينتظرهم هناك  .

تتبنى العقيدة العسكرية الإيرانية نفس النظرية الاسرائيلية في نقل المعركة إلى أرض الآخرين، وبالتالي عندما تخسر المعركة فهي لن تخسر شيء من أرضها  .

ولَم يغب عن تصورات واشنطن أن الشرر الذي سيحدث هناك قد يجر إيران إلى المواجهة المباشرة، وقد لا يروق للروسي أن يرى حليفه الوحيد الإيراني وهو ينهار هناك فكانت رسائل ترامب القوية هذه المرة موجهة للجميع بأن إحياء برنامج حرب النجوم وغزو الفضاء للاستخدام العسكري الذي أطلقه الرئيس الامريكي الأسبق رونالد ريغن قد يعود به ترامب الآن، في إشارة منه لحماية الولايات المتحدة الامريكية من أي هجمات صاروخية بالستية أو مجنحة  ، وكما هو معلوم أن واشنطن قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا المضمار المخيف الذي يمكن أن يجعل من الفضاء الخارجي قواعد صواريخ تطال أي بقعة جغرافية على الأرض دون أي إمكانية للتصدي لهذه الصواريخ التي ستنطلق نحو الأرض من مجال خارج نطاق الكشف الراداري للمحطات الأرضية، وهذا ما دفع بالدبلوماسية الروسية إلى رفع اليد عن الحليف الإيراني والاكتفاء بالتنديد بضربات اسرائيل المتكررة لمواقع إيران في سوريا مع الإشارة إلى أن التصاعد الإيراني والمنافسة الإيرانية لموسكو أصبحت غير مقبولة، وهذا ما يفسر تشظي جيش النظام بين موالي لإيران وبين موالي لموسكو، وقد بلغت هذه حد المواجهة المباشرة بين الفيلق الخامس الذي يحركه الروس وبين الفرقة الرابعة التي يرأسها ماهر الأسد وتحركها إيران  .

لكن يبقى السؤال هل ستستعيد واشنطن العراق من يد إيران فقط أم أنها ستدحرها من سوريا أيضاً  ؟

الواضح أن ما يحضر هو شيء كبير بكل تأكيد  !

اترك تعليقاً

scroll to top