أطفال سوريا.. حصاد للبنادق.

 

إعداد وردة الهويدي – مكتب المرأة

بتاريخ 12 أذار 2018 صدر تقرير لمنظمة الأمم المتحدة ” اليونيسف”،  وأشارت “اليونيسف” في تقريرها إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في سوريا هم الأطفال. حيث أنهم يواجهون تهديدات متزايدة بالتشويه الدائم بسبب القتال، كما أنهم يعانون سلسلة من الانتهاكات، بما في ذلك العمل القسري، والزواج المبكر، وندرة الغذاء والحد الأدنى من الوصول إلى الصحة أو التعليم. وبحسب التقرير فإن (13.1 مليون) شخص سوري هم بحاجة للمساعدة من بينهم (5.3 مليون) طفل. وتختتم المنظمة تقريرها بالقول: ” إن التأثير النفسي على الأجيال الشابة،  التي قضت نصف حياتها على الأقل في صراع وحرمان من الغذاء الكافي والتعليم والرعاية الصحية، هو من أصعب المخاطر التي يجب وضعها في الاعتبار”.

تشوهات وإعاقات جسدية ونفسية:

“رؤى” طفلة من بلدة  “عربين” التابعة لغوطة دمشق الشرقية، كان عمرها سنتين عندما أصيبت بقذيفة صاروخية في شتاء 2013، أدت إلى عطب يدها اليمين واستقرار ثلاث شظايا في رأسها. تقول والدتها: ” لم يتمكن الأطباء من انقاذ يد رؤى اليمين فتم بترها. وتعاني رؤى من صعوبات في التعلم والكتابة، وتصاب أحياناً بنوبات من العصبية حين لا تتمكن من اللعب أو مسك الأشياء كما يفعل باقي أقرانها”.

و”رؤى” واحدة من عشرات ألاف الأطفال الذين سبب لهم القصف والنزاع في سوريا إعاقات جسدية دائمة، خاصة تلك الاعاقات الناجمة عن بتر الأطراف، وإنه لمن الطبيعي أن تؤثر تلك الاعاقات على نمو الطفل الجسدي والعقلي والنفسي، وتقلل من نشاطه وأداءه وفعاليته لاحقاً في الاسرة والمدرسة والمجتمع ككل.

الأنسة ” فاطمة” مدرسة في مدرسة ابتدائية في مدينة “سراقب” تقول: ” تم ملاحظة ازدياد ظاهرة التبول اللاإرادي وصعوبات في النطق والتأتأة بين تلاميذ المرحلة الابتدائية. كما أن سلوك العديد من الأطفال يتسم بالعنف، أو قد تجد بعض الأطفال يميل إلى العزلة والانطواء، والخوف الشديد من الأصوات العالية أو أي صوت كان”. ويدل هذا على أن الحرب والقصف والنزوح والتهجير، وَلد لدى الأطفال مشاكل واضطرابات نفسية، ستؤثر هي الأخرى على نشأتهم واتزانهم النفسي والعاطفي، وبالتالي وجود أجيال مشوه غير قادرة على النهوض لا بنفسها ولا بالمجتمع، أو حتى أداء وظائفها وأدوارها الاجتماعية بصورة سليمة.

مستوى تعليمي متدني:

هناك جملة من الأسباب والظروف، لعبت دوراً في تدني التحصيل العلمي والمعرفي للأطفال في سوريا خلال سنوات الصراع الطويلة. وعلى رأسها القصف الشديد من قبل النظام للمدارس الموجودة في المناطق الخارجة عن سيطرته، وتدميرها جزئياً أو كلياً لتخرج عن الخدمة. وكان لظروف النزوح والتهجير القاسية التي عاشها المدنيون السوريون، حصة كبيرة في تأخر ألاف الأطفال عن دراستهم، وسبباً في تركهم لمدارسهم والتسرب منها.

وبالنظر عن قرب إلى حال المدارس الحكومية، سنجد أن حالتها توصف بالتدهور لوجستياً وإدارياً وتعليمياً. علاوة على ارتفاع اعداد الطلاب في الشعبة الصفية الواحدة، ولاسيما تلك المدراس القائمة في المناطق الخارجة عن السيطرة، والتي أقل ما يقال عنها أنها  مهمشة، تفتقر إلى الامكانيات والوسائل والكوادر اللازمة لإنجاح العملية التعليمية. وبالمقابل فإن المدارس التي أحدثتها بعض المنظمات الانسانية و الإتلاف ، وعلى الرغم من أنها حاولت الرفع من السوية التعليمية للطلاب والتلاميذ، إلا أن محاولاتها لم تكن كافي.

تقول الأنسة ” فاطمة”: ” لم يعد مستغرباً أن تجد تلميذ في الصف الرابع الابتدائي لا يعرف كتابة اسمه! فالوضع الأمني غير المستقر أدى إلى انقطاع التلاميذ عن الدراسة ولفترات طويلة، وخلق فوضى وعدم اهتمام وإهمال بالتعليم عند المدرسين والطلاب أنفسهم، وانحداراً  في العملية التعليمية وتراجعها”.

أثار اجتماعية وأخرى اقتصادية وصحية:

قدرت ” اليونيسف” عدد الأطفال السورين الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما بنحو(مليون طفل)، ويبدو الرقم كارثي بكل معنى الكلمة. وهؤلاء الأطفال سيفتقدون إلى الأمان الاسري وإلى المعيل، وسيترتب عليهم حياة اجتماعية صعبة مجحفة، وسيكونون عرضة للانتهاك النفسي والجسدي وللعنف.

وتنتشر في المجتمع السوري عدد من الظواهر منها ظاهرة الزواج المبكر، خاصة زواج القاصرات، وغالباً ما تلجأ الأسر إلى تزويج بناتهن في سن صغيرة، للتخلص من أعبائهن المادية التي زاد من وطاءتها الحرب والنزوح والتشرد والوضع الأمني المضطرب، أو لأسباب تتعلق بالخوف عليهن من الاعتقال أو الاختفاء القسري. تقول “كِندا” (16 عاماً) فتاة من ريف درعا الشرقي: ” رفض والدي فكرة حصولي على الشهادة الإعدادية، وفضل تزويجي لأحد أقاربنا عندما كان عمري (14 عاماً)، خوفاً علي من الاعتقال من قبل حواجز النظام، إذا ما ذهبت لمدينة درعا لتقديم امتحان الشهادة الإعدادية، كون والدي عسكري منشق ومطلوب لأجهزة الأمن”.

ومن الظواهر التي بدأت تظهر بشدة في المجتمع السوري ظاهرة عمالة الأطفال، ويزيد من انتشارها تسرب الأطفال من مدارسهم، ودخولهم إلى سوق العمل لإعانة عائلاتهم التي يجتاحها الفقر والفاقة، وخاصة أولئك الأطفال الذين فقدوا المعيل لأسرهم، وأرهقهم النزوح والتهجير، فتلقى على عاتقهم مهمات ومسؤوليات كبيرة لا تحتملها أعمارهم الصغيرة. وتتناقل وسائل التواصل الاجتماعي وتتحدث مقالات وتقارير عن انتشار المخدرات بين الأطفال السوريين، وعن ادمانهم على  التدخين وعلى عناصر وتراكيب كيماوية غريبة، ويبدو هذا الأمر خطيراً جداً اذا ما تم الإحاطة به وتحجيمه.

وعلى الصعيد الصحي، فقد شهدت العديد من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام حصارات دامت لسنوات، وعاش سكان تلك المناطق نقص حاد في الغذاء والماء والدواء والدفء وكافة متطلبات الحياة الأساسية. مما انعكس سلباً على الأطفال و على بنيتهم الجسدية، وهذا سيؤثر لاحقاً على نموهم وقد يؤدي إلى خلل عضوي وأمراض مستديمة ومستعصية.

اضطراب فكري وقيمي:

ابتعد الكثير من أولياء الأمور كما المدارس والكوادر التعليمية عن مهمة التربية قبل التعليم، بسبب النزاع والحرب الممتدة على مدار أكثر من سبع سنوات. إضافة إلى تغير العديد من المفاهيم والمنظومات القيمية والأخلاقية في المجتمعات السورية الريفية منها والمدنية.  وأصبح هناك شرخ كبير في الاتفاق على أليات التربية بين أفراد الأسرة الواحدة والمجتمع ككل. وهذا كله سيؤدي حتماً إلى اضطراب فكري وأخلاقي لدى الأطفال، وسيؤثر على تفكيرهم وأحكامهم وقدرتهم على التميز بين ما هو أخلاقي وما هو لا أخلاقي.

ولابد من الإشارة إلى شيء هام جداً، وهو دخول أعداد كبيرة من المليشيات والعناصر الأجنبية إلى سوريا، وتحمل هذه العناصر والمليشيات أفكاراً متطرفة، وقد عملت بالخفاء أو بالعلن  بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على نشر أفكارها في المجتمع السوري، واستطاعت في احيان كثيرة من حرف مفاهيم واعتقادات بعضاً من أفراد المجتمع، والتأثير على سلوكهم وتصرفاتهم. ولعل جيل الأطفال والشباب كانوا الشريحة الأوسع التي استهدفتها تلك العناصر والمليشيات “كنشاط الميليشيات الإيرانية وتغلغلها في المجتمع من خلال مؤسساتها الثقافية)، حيث أنهم تربة خصبة لزراعة التطرف ونموه بصورة يصعب اجتثاث جذوره مستقبلاً.

 

أطفال سوريا في بلدان اللجوء:

يعتبر حال أطفال سوريا في بلدان اللجوء أفضل نسبيا”،  مقارنة مع أولئك الأطفال القاطنين في مناطق النظام أو القاطنين في المناطق المحررة، وبديهياً أفضل من أطفال المخيمات، من ناحية أن الدول المستضيفة تقدم لهم الرعاية الصحية والنفسية، وتحرص على تقديم التعليم والمعرفة لهم. والأطفال في بلدان اللجوء أكثر قابلية للاندماج بالمجتمعات المستضيفة، وتَشرب عاداتها وتقاليدها وثقافتها وتعلم لغتها بيسر وسهولة. ولكن هذا الأمر وإن بدا ظاهرياً  أمر جيد، إلا أنه وعلى المدى البعيد قد يخلق أجيال تنفصل عن هويتها السورية، وتصبح سوريا الأم  بالنسبة لها وطن ثان أو منشأ أصلي فقط.

خاتمة:

قالت الممثلة الأممية الخاصة لشؤون الأطفال في الصراعات المسلحة ” فرجينا غامبا” بتاريخ 27 تموز 2018، إن الربع الأول من عام 2018 شهد زيادة بنسبة (348%) في قتل وتشويه الأطفال السوريين، مقارنة بالربع السابق للعام 2017. وذكرت أن إجمالي عدد القتلى من الأطفال منذ بدأ النزاع بلغ أكثر من (7000 قتيل)، ومعظم حالات القتل والتشويه منسوبة للحكومة السورية و القوات الموالية لها. وأضافت أن رقم (7000 قتيل) هو ليس دقيقاً، فالتقارير التي لم يتم التحقق منها تفيد بأرقام تتجاوز (20ألفاً ) من ضحايا الأطفال.

إن ما قالته السيدة “فرجينا غامبا” إن دل على شيء فهو يدل على الأمرين التاليين: الأول هو تصاعد عنف النظام والقوات الرديفة  والحليفة له ضد المدنيين  وبشكل مطرد دون رادع، والثاني هو أن المجتمع الدولي جل ما يفعله في المسألة السورية عموماً، لا يتعدى التنديد والاستنكار وتقديم أرقام وجداول إحصائية.

 

اترك تعليقاً

scroll to top