المنطقة الآمنة ودور قوى الثورة والمعارضة السورية

بقلم العقيد الركن فاتح فهد حسون

القائد العام لحركة تحرير الوطن

■ في 14-1-2019م، غرّد الرئيس الأمريكي بنية الولايات المتحدة إقامة منطقة آمنة 20 ميلا، وكان لهذه التغريدة تداعيات ومتابعات إقليمية ودولية، ذات انعكاسات سياسية وعسكرية واجتماعية على الثورة السورية.

فالمناطق الآمنة وفق القانون الدولي مصطلح غير رسمي، لم يذكر في اتفاقيات جنيف الأربع ولا البروتوكولات الملحقة بها، حيث ورد فيها مصطلحات قريبة من ذلك، منها (المناطق الطبية، المناطق المحايدة، المناطق منزوعة السلاح)، وهذه التسميات تعطي دلالات على أنها مناطق محددة تكون خارج الاستهدافات والأعمال العسكرية لأسباب إنسانية للذين لا يستطيعون حماية أنفسهم أثناء الحروب والنزاعات المسلحة. مع الإشارة إلى أن العرف الدولي استخدم مصطلحات ظهرت في حروب سابقة مثل:(ممرات إنسانية، مناطق محمية، ملاذات آمنة)، ووفق المقارنة فهناك تقارب بين دلالات “المنطقة الآمنة”، و”المنطقة العازلة” التي تعني إقامة منطقة تفصل بين طرفي نزاع تسيطر عليها قوة دولية، ويكون هدفها منع التماس بينهما، وغالبا ما تكون برية، ومن ممكن أن تكون جوية، وتسمى حينها “منطقة حظر جوي”، إنما “المنطقة الآمنة” لا تهدف للفصل بين الأطراف المتنازعة، بل تهدف لتوفير منطقة تحمي المدنيين الهاربين من الحرب، يمكن فيها تقديم الحماية والعون لهم.

درج العرف الدولي -وليس القانون الدولي- أن يكون للمنطقة الآمنة إجراءات محددة بعد صدور قرار بشأنها من قبل مجلس الأمن، أهمها: أن تكون باتفاق الأطراف المتنازعة، وأن تخرج من سياق مناطق الأعمال العسكرية، وأن يُنزع السلاح منها، وأن تخضع لإدارة مدنية، وأن تُرّسم حدودها، وأن تتوفر حماية لها من قوات تتبع للأمم المتحدة أو قوات تحالف دولي، وأن يُفرض حظر جوي لحمايتها، وأن تتوفر ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلي المدنيين فيها، وغيرها.

في سنوات سابقة، قامت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بإنشاء منطقة آمنة شمال العراق عام 1991م، وشاركت تركيا في تلك القوات، وسمّيت “عملية المراقبة الشمالية”، – وكان المبعوث الأمريكي جيمس جيفري قد نوّه لهذه العملية منذ شهرين تقريبا- وقد نجحت هذه العملية حينها في حماية الأكراد الفارين من بطش نظام صدام حسين، في حين فشلت لاحقا المنطقة الآمنة جنوب العراق في حماية الشيعة، والتي سمّيت “عملية المراقبة الجنوبية”، والسبب أن منطقة الشمال كانت توجد بها قوات “البشمركة” التي منعت قوات نظام صدام حسين من الدخول إلى المنطقة، في حين لم تكن هناك قوات بريّة في الجنوب. وبالتالي في حال أُقيمت منطقة آمنة في الشمال السوري فإن قوى الجيش الحر المنظمة والمدربة جاهزة لذلك، و يمكنها أن تحمي سكان هذه المنطقة ومن يلوذون إليها، إضافة لوجود قوات الجيش التركي التي لا يمكن اعتبارها طرفا في النزاع، ويمكنها المشاركة الواسعة بإقامة هذه المنطقة عسكريا ولوجستيا.

في عام1993م أصدر مجلس الأمن على خلفية حرب البوسنة والهرسك قرارا بإنشاء مناطق آمنة لحماية البوسنيين، وكذلك أُنشئت بعدها مناطق آمنة في سيريلانكا، وأخرى في رواندا. ولم تكن تلك المناطق آمنة بالدرجة المطلوبة، ولم تحقق الغاية المرجوّة منها لأسباب مختلفة، أهمها عدم وجود الدولة المجاورة التي ترى أن هذه المناطق ضرورة لها كما هي ضرورة لغيرها، وهذا ما ينتفي في المنطقة الآمنة في الشمال السوري إن أُقيمت، حيث ترى الجارة تركيا أن إقامة هذه المنطقة ضرورة سورية وتركية بآن واحد.

إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري مطلب للثورة السورية، وقد طالبت به تركيا في المحافل الدولية مرارا، ولكن الولايات المتحدة كانت ترفضه لأسباب عديدة، منها عدم موافقة إيران التي كانت ترى أن المنطقة الآمنة تقويض سياسي لنظام الأسد، وكانت الولايات المتحدة حينها في عهد أوباما تحابي إيران للمضي بالاتفاق النووي، ومنها كذلك ادعاءات بعض القادة الأمريكيين بعدم وجود قوات سورية معارضة معتدلة كافية لتأمين المنطقة الآمنة، وأن إقامة هذه المنطقة له تبعيات اقتصادية ولوجستية كبيرة جدا. وأما حاليا فإن إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري سيدفع بنظام الأسد وداعميه إلى الخلف، ويحجّم نفوذهم، وعلى رأس هؤلاء قوى الاحتلال الإيرانية.

بعد الاتصال الهاتفي بين الرئيسين التركي والأمريكي البارحة، فقد استقر “حتى اليوم” تصريح الرئيس الأمريكي بإنشاء منطقة آمنة بعمق20 ميل ليصب في خانة التوافق الأمريكي التركي، وما عاد التصريح “خلطا للأوراق” بعد الاستعدادات التركية النهائية للبدء بعملية عسكرية في منبج وشرق الفرات بعمق عشرة كيلومترات في المرحلة الأولى وبقوام ثمانين ألف مقاتل لتكون أكبر عملية تقوم بها الجمهورية التركية في تاريخها.

بالرغم من إمكانية تراجع الإدارة الأمريكية عن قرار إقامة المنطقة الآمنة، وعدم معرفة حدود هذه المنطقة إن أقيمت، وبدءا من أين حد ستُرسّم، ومن سيتولى حمايتها، ومن سيقوم بأعبائها الاقتصادية، وفي ظل رفض إقامتها من قبل داعمي نظام الأسد، وطلب روسيا المتوقع بضرورة أخذ موافقة النظام عليها و إقرارها من مجلس الأمن، وسعي الأحزاب الانفصالية للاستفادة القصوى منها، فإنه حري بقوى الثورة والمعارضة السورية بمختلف مؤسساتها السياسية والعسكرية والمدنية أن تقوم بدور فاعل في هذا الطرح، وأن تبادر لتقديم الرُؤى والخطط التي تحقق مصلحة الثورة السورية، وتتلافى السلبيات التي ظهرت في تجارب المناطق الآمنة التي أقيمت في السنوات الأخيرة نتيجة صراعات مختلفة.

 

اترك تعليقاً

scroll to top