موقف حزب البعث في سوريا من المسألة الكردية

إعداد المكتب الكردي

 

  اعتمد حزب البعث منذ سيطرته على الحكم، عام 1963، سياسة ضد الكرد استهدفت وجودهم القومي بصورة مباشرة، نجم عنها مصادرة أراضيهم تحت شعار قانون الإصلاح الزراعي، وتجريدهم من الجنسية السورية بذريعة الإحصاء الاستثنائي 1962، وفرض على مناطقهم التعريب القسري الذي شمل أسماء المدن والقرى. كما أحدثت تلك السياسة تغييرات ديمغرافية وإدارية في المناطق الكردية التي تعرضت للإهمال والنهب حتى باتت تلك المناطق من أكثر مناطق سوريا تخلفًا، رغم كونها مصدر النفط والثروة الزراعية، لاسيما المحاصيل الاستراتيجية .

وبشكل عام يمكننا أن نميز بين مرحلتين في سياق تناولنا لموقف حزب البعث السلطوي من المسألة الكردية. المرحلة الاولى هي: مرحلة الرفض المطلق 1963-1970.
  كان الجهد البعثي مركزاً على ضرورة القضاء على الحركة الكردية، سواء في سورية أو العراق، وعلى رفض الوجود الكردي بالمطلق… وهذا ما انعكس على مختلف المستويات الاعلامية والسياسية اليومية؛ بل لقد وصل الأمر بالسلطات السورية في ذلك الحين إلى ارسال حملة عسكرية بقيادة فهد الشاعر عام 1963 إلى كردستان العراق للمساعدة في التخلص من الحركة الكردية هناك.

أما المرحلة الثانية، فهي التي بدأت مع استلام حافظ الأسد للحكم في سورية عام 1970م. في هذه المرحلة التزم البعث الاسلوب النفعي في التعامل مع القضية الكردية اقليميا، وذلك لتعزيز مواقعه في لعبة المعادلات الاقليمية، كما أنه في الوقت ذاته أراد توجيه أنظار الكرد في كردستان سورية، وسورية بصفة عامة نحو الخارج، سواء باتجاه كردستان تركيا أو كردستان العراق؛ ليؤكد أن الكرد في سورية هم مجرد أقلية مهاجرة، لاذت بالبلد هرباً من الإبادة.  

إن السلطة السورية – التي يقودها رسمياً حزب البعث بموجب الدستور – تسعى بكل السبل من أجل توجيه أنظار الكرد في كردستان سورية نحو الخارج، وتعمل باستمرار بمختلف الحيل من أجل ارباك وضرب اي تفاعل أو حوار حقيقي جاد بين القوى الكردية والعربية السورية. وقد كان الحل الأمثل للمسالة الكردية في سورية بوجب البعث هو إلغاء الوجود الكردي بمختلف السبل، وترتكز هذه السياسة على جملة دعائم ابرزها:

1 –  الرفض الدستوري للوجود الكردي في سورية؛ فالدستور السوري لا يقر سوى بوجود العرب في سورية، ويعتبر الشعب السوري بأكمله جزءا من الامة العربية التي يعمل حزب البعث بناء على دستوره من أجل جمع شملها في دولة واحدة.

2 – الحد من الوجود السكاني، وذلك يتمثّل بصورة أساسية في مشروع الاحصاء الاستثنائي الذي اجري حصراً في محافظة الحسكة التي تتميز بطابعها الكردي الغالب عام 1962، وجاء البعث ليتبنى نتائج ذلك الاحصاء المثير للجدل. وحسب تقديرات الحركة الكردية يبلغ عدد المواطنين الكرد الذين سجلوا في عداد الأجانب، إلى جانب الذين يعتبرون من المكتومين غير المقيدين، يبلغ عدد هؤلاء وأولئك حوالي 300 ألف وربما أكثر.

3 – سياسة سلب الأراضي من الكرد: وقد تجسّدت في قوانين الاصلاح الزراعي التي كانت بذريعة تحقيق توزيع عادل للأرض الزراعية ، إلا أنها في حقيقة الأمر كانت ترمي إلى حرمان الكرد منها، ومنحها تحت أسماء وذرائع شتى للعرب الذين استقدموا إلى المنطقة بحجج مختلفة؛ وقد شمل ذلك مختلف المناطق الكردية التي تشكل قوام كردستان سورية؛ وذلك في إطار مخطط عام يرمي إلى تغيير الطابع القومي للمناطق الكردية.

4 – محاربة الثقافة الكردية بكل أوجهها؛ حيث لا توجد دور نشر كردية. المجلات والجرائد الكردية ممنوعة. التعليم في مختلف مراحله بالعربية، بل يحظر على المرء استخدام اللغة الكردية في الدوائر الرسمية. وسائل الإعلام جميعها بيد الدولة.

5 –  الإهمال المنظم للمناطق الكردية: تعد المناطق في سورية من أكثر مناطق البلاد اهمالا وتعرضاً للنهب والفساد، وذلك بموجب سياسة مبرمجة منظمة اتبعها البعث منذ استلامه السلطة. ويمكننا في هذا المجال الاشارة إلى وصايا محمد طلب هلال – ضابط الأمن السوري البعثي في منطقة الجزيرة الذي قدم تقريراً أمنيا في صيغة دراسة عن محافظة الجزيرة من مختلف النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية – الذي اقترح على سبيل المثال عدم إنشاء مشاريع اقتصادية في المنطقة؛ وذلك بالتوازي مع عملية مصادرة الأراضي من الكرد، وجلب العرب إلى المنطقة. كما طالب هلال في الوقت ذاته بعدم توظيف الكرد، ودعا إلى محاربة الثقافة الكردية، وشدد على ضرورة خلق مختلف الظروف لإجبار الناس على الرحيل والهجرة، إما باتجاه الداخل السوري أو الخارج سواء الاوربي أو الأمريكي أو غيرهما….
إضافة إلى إجراءات تمييزية اخرى كثيرة، تستهدف باستمرار عرقلة التطور الاقتصادي الاجتماعي في المنطقة، على الرغم من أن الثروات الأساسية لسورية تأتي من المناطق الكردية، خاصة منطقة الجزيرة موطن البترول والحبوب والقطن، إلى جانت منطقة عفرين حيث الزيتون والأشجار المثمرة، والأمر نفسه بالنسبة إلى منطقة كوباني. كما أن هناك العديد من المناطق في سورية لا يُسمح للكرد أن يشتروا عقارات أو أراضي زراعية فيها. و المعاملات العقارية الخاصة بالكرد في المناطق الكردية تعرقل كثيرا بقصد ترك الأمور في فوضى عارمة لغايات تضمرها الدولة؛ فحالات حصر الارث وشراء البيوت والأراضي وإنشاء المشاريع الاقتصادية تستلزم جميعها الموافقات الأمنية، إلى جانب موافقات الوزارات التي لاتعطى، بل تؤجل من دون تسويغ أو تحديد للسقف الزمني…..

لكن تتجلى المفارقة في الاضطهاد المزدوج الذي يتعرض له الشعب الكردي في سورية. فالكرد لايتمتعون بأية حقوق قومية ديمقراطية مشروعة مثل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والادارية، لكنهم في الوقت ذاته يتعرضون لمختلف الاجراءات الاضطهادية التي تستهدف وجودهم القومي، وهو  الأسلوب الوحيد الذي يقترحه دستور حزب البعث لمعالجة وضع المكونات غير العربية ضمن الدولة العربية.

اترك تعليقاً

scroll to top