“السوري المستقر”

بقلم د. كوناي النشيواتي

 

الحرية هذه الكلمة السحرية التي صدحت بها حناجر الملايين، وبذلت في سبيل الحصول عليها الدماء الطاهرة، ودمرت مدن سايرت التاريخ منذ بدايته، وعانق لأجلها آلاف الأحرار قضبان السجون، ونام الكثيرون على قارعة الطريق يحلمون بها.. الحرية التي كانت من أولويات التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة فحتى اعتناق الإسلام يجب أن يأتي نتيجة اختيار حرّ بدليل قوله تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). فإذا كان الله تعالى وهو ملك الملوك القادر فوق العباد لم يفرض دينه على أحد فكيف يسعى مخلوق إلى سلب آخر حق الاختيار وحرية القرار؟ وفي ذات السياق يقول المفكر الفرنسي إتيان دولا بواسييه في كتابه العبودية الطوعية: (عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل، تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج للحرية، وتتواءم مع الاستبداد ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر). ولو ألقينا نظرة على المواطن السوري الذي يعيش باختياره ورغبته في حضن النظام نراه قد تخلى عن نعمة الحرية هبة الله الثمينة و انحصرت اهتماماته في لقمة العيش وكرة القدم والدين بالحد الذي سمح له الطاغية به. فلقمة العيش هي الركن الأول في حياة هذا المواطن التعيس حيث يصارع يومه بساعاته ودقائقه، لتأمين قوته غير عابئ بحقوقه السياسية مغمض العين عن الظلم الذي يتعرض له أبناء بلده صاماً أذنيه عن صرخات الأحرار تحت سوط الجور والقهر وكل ظنه أن رسالته في هذه الحياة تكتمل بتوفير لقمة العيش لأبنائه. وأما الدين عنده فلا علاقة له بالحق والعدل، وإنما هو مجرد أداء للطقوس واستيفاء للشكل بعيدًا عن السلوك الحقيقي للإنسان المؤمن، فقد تجده يمارس بلا حرج الكذب والنفاق والرشوة ولكنه يشعر بالذنب فقط إذا فاتته الصلاة ..هو يغضب نعم إنما ضد الدول التي تبيح زواج المثليين بحجة أن ذلك ضد إرادة الله ولكنه يغلق فمه عن انتقاد الظلم بل ويمجد بالقاتل ويبتسم بحماقة لمن يمتص دمه وعرق تعبه… هذه الازدواجية أبعد ما تكون عن جوهر الدين ومعانيه السامية. ولكرة القدم معه حكاية أخرى ففيها يجد هذا المواطن الخانع تعويضاً عن أشياء حرم منها في حياته اليومية وكرة القدم قد تنسيه همومه فيتراءى له من خلالها تحقيق العدالة التي فقدها فخلال90 دقيقة تخضع هذه اللعبة لقوانين تنصف الجميع.. المواطن السوري المستقر هذا أي نوع من البشر هو؟؟ وكيف يقبل بالعبودية طواعية ويلغي إنسانيته ويحط من كرامته… ألا يدرك مدى بشاعته وقبحه؟….ألا يعلم أن المستبد لا يصير مستبدًا إلا عندما يملك الآخرون الاستعداد للاستعباد و أنه قد بادل أفضل ما يملك وهو الحرية بأسوأ ما يملكه الآخرون وهو التسلط .

اترك تعليقاً

scroll to top