د.عبير حسين / مديرة مكتب المرأة في حركة تحرير الوطن، تكتب تحت عنوان:(لن نصنع طاغية بعد الآن)

د.عبير حسين / مديرة مكتب المرأة في حركة تحرير الوطن، تكتب تحت عنوان:
(لن نصنع طاغية بعد الآن)

إن المتأمل للتاريخ يجده حافلا بالويلات والحروب والمآسي , وكذلك الطغاة , ولعلهم أكثر ما يسبب الويلات لشعوبهم على مر التاريخ , لأنك تجدهم متمرسين في استباحة حقوق مواطنيهم وربما إهدار دمهم وممارسة أبشع انواع القتل والتشريد, فقط لأجل إبقاء سيطرتهم وسطوتهم وتملكهم للسلطة.
كيف يصنع الطغيان؟
الطغيان ليس متجذرا في النفس البشرية، إنما هو حالة يتم الوصول إليها بتوفير الظروف المناسبة ,أولها وأهمها سياسة التخويف والذعر الممنهج الذي يتبعه الطغاة على الشعب , ونشر الرعب , والرقابة العالية جدا على كافة أشكال الحريات والتي غالبا ما تكون من مسؤولية أجهزة الأمن , الحرص على إبقاء الشعب في حالة متدنية جدا من الفقر والجهل والفساد ,الحرص على تكريس أيديولوجيا فكرية وسياسية معينة يدور الشعب في فلكها , ويتم ذلك باستخدام الإعلام الذي يعتبر سلاحا غاية في الخطورة وأداة مهمة جدا في يد الطاغية للجثوم على رقبة الشعب , لأن مهمته تقتصر على تبجيل النظام السياسي وتجميله وتلميعه وغض الطرف عن كل انتهاكاته وإساءاته أيما بلغت.
والتاريخ الحديث للعرب شهد الكثير من هذه النماذج للأسف، فنحن أمة تتقن صناعة الطاغية بامتياز. فالشعب يهتف ويصفق عندما يأتي الأمر بذلك ,والاعلام يمجد ويقدس ويلمع , الصحف تنمق الكتابات والشعارات تبجيلا للنظام الحاكم , والشعراء يمدحون , والمنافقون يتملقون ويتزلفون , وعلماء السلطان يجيدون إبداع الفتاوي التي ما أنزل الله بها من سلطان كرمى لعين النظام, ولأجل ذلك كله كانت الثورات التي طالت العديد من البلدان , ومنها ثورتنا المباركة , التي خرجت لتقول كفى للطغيان والاستبداد والظلم.
فما كان للطاغية لدينا إلا أن يعمل على وأد ثورتنا بكل الوسائل الوحشية الممكنة، ويبارك تدخلات كل من حزب الله وإيران وروسيا لنفس الهدف , فشهدت البلاد على مدار الثماني سنين الماضية أقسى أنواع المعارك التي نتج عنها أكبر عمليات القتل والتهجير والتنكيل على الإطلاق في التاريخ المعاصر , وأعادت روسيا بوحشيتها المعهودة سيطرة الأسد على الكثير من أراضينا بعد أن حررها جيشنا الحر .
بدأت بعدها روسيا محاولة الترويج لإعادة الاعمار , ولكن دون جدوى، فما كان منها إلا أن أوعزت لبعض من يخطبون ودها بإعادة التطبيع مع الأسد , لإعادة اعتباره السياسي الذي سقط منذ بدأ حملته الشرسة على الشعب الذي أراد التخلص من طغيانه.
كل ذلك يعتبر خطوة في طريق إعادة تأهيل الطاغية , وإتمام فكرة انتصار الشرعية على الإرهاب –كما تروج روسيا طبعا- ولكن أين السوريين من كل ذلك؟
لم ينتفض السوريون يوما على الطاغية ليقبلوا بإعادة التطبيع معه , وان أعاد سيطرته على كامل البلاد , وإن أعادت كل دول الأرض علاقاتها به .
الثورة لم تولد لتموت وان اجتمعت عليها كل الظروف , وان انتكست , فلن تمت أبدا في قلوبنا وفي نفوسنا، ولن تنفع طاغية دمشق زيارة رئيس , ولن تعيد اعتباره فتح سفارة، وإن عمل العالم كله على إعادة تأهيله ، فتأهيله الحقيقي يكون بنا نحن، ونحن أسقطنا الطاغية، ولن نصنع طاغية بعد الآن .

اترك تعليقاً

scroll to top