عن اللاجئات السوريات

وردة الهويدي-المكتب الاجتماعي

تكشف تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن الأوضاع القاسية والظروف الصعبة التي تعانيها اللاجئات السوريات. فيكشف تقرير” نساء بمفردهن” الصادر في 2014، والمستند إلى شهادات شخصية لـ (135) امرأة لاجئة سورية، عن دوامة المشقة والقلق التي تعيشها تلك النساء، وعن تحملهن مسؤولية عائلاتهن بمفردهن، بسبب تعرض أزواجهن للقتل أو الأسر أو انفصالهن عن أزواجهن لسبب ما. وتتعرض النساء اللاجئات للضغوطات  المالية والاجتماعية  والنفسية والقانونية في بلدان اللجوء.

ما الذي يجعل اللجوء أشد قساوة على النساء؟

جاءت أغلب النساء اللاجئات  السوريات من بيئات اجتماعية، كان الدور الوظيفي للمرأة فيها يتمثل في عنايتها بمنزلها وأطفالها في المقام الأول، فلا يطلب منها المساهمة الاقتصادية  في أعباء الحياة الزوجية أو الأسرية، أو العمل خارجاً لتشارك مادياً في تحمل تلك الأعباء. الأمر الذي أدى إلى أن تتمحور مهارات النساء حول آليات العناية بالأطفال والأعمال المنزلية. وحتى وإن كان هنالك عدد من النساء ممن كنّ يعملن خارج المنزل، فإن عملهن كان شبيهاً أو مقارباً لوظيفتهن المنزلية ( كعملهن كمدرسات، ممرضات، سكرتيرات…). لذلك فإن النساء السوريات عندما تعرضن للجوء، لم تكن لديهن تلك المهارات أو الخلفيات المعرفية التي قد تساعدهن على مواجهة صعوبات أوجدها اللجوء. تقول السيدة “انتصار”، لاجئة سورية في تركيا: ” تزوجت مباشرة بعد حصولي على الشهادة الثانوية، ولمدة 15 سنة كان عملي هو تربية أطفالي والاهتمام بمنزلي فقط. ولكنني اضطررت في تركيا أن أخرج إلى سوق العمل، فخضعت لدورات مهنية كتصفيف الشعر ودورات محاسبة مالية ودورات في اللغة التركية والانكليزية، وفي الحقيقة واجهت مشقات كبيرة في البداية للتعرف على ما تتطلبه مهارات العمل سواء نفسياً أو ذهنيا، واكتسبت خبرات ومعارف جديدة عما تكون عليه الحياة خارج المنزل”.

للتكوين العاطفي والنفسي عند المرأة دور هام في جعل اللجوء عبئاً أثقل عليها من الرجل. فوفقاً لبعض الدراسات: يعالج الرجل المشاكل والقضايا الحياتية بطرق علمية وممنهجة، في حين أن المرأة تعالجها بطرق مبتكرة وعاطفية نوعاً ما. وفيما يتعلق بالتكوين الجسدي فإن التركيب الجسدي للرجل أكثر متانة وقوة من المرأة، مما يجعل المرأة حتماً أكثر عرضة للإرهاق النفسي والعاطفي والجسدي أيضاً، لدى اصطدامها بمشاكل وعقبات حياتية ومعيشية.

تتحدث بعض التقارير الأممية أو التي قام بها بعض النشطاء أو الصحفيين، أن النساء السوريات اللاجئات كن عرضة للاستغلال الوظيفي والجسدي، وعرضة للتحرش الجنسي، ومورس عليهن عنف نفسي وجنسي ولفظي، من قبل عائلاتهن ومن قبل المجتمع المستضيف أيضاً. وكانت النساء اللاجئات في المخيمات و النساء اللاجئات بدون زوج أو معيل، هن أكثر عرضة للاستغلال أو التحرش الجنسي. عبير لاجئة في الأردن، زوجها معتقل ولديها أربعة أطفال تقول: ” لم يكن الأجر القليل الذي كنت اتقاضاه من عملي كبائعة في محل للملابس، هو ما دفعني لترك العمل، بل كانت تصرفات صاحب المحل والتي اتسمت بعد شهرين من عملي، بالتودد لي  و شتمي وإهانتي عندما أخذت بصده”.

كان لاختلاف العادات والتقاليد والثقافة، والنظم التربوية والأخلاقية في الدول المستضيفة خاصة الأوربية منها، أثراً في جعل مسألة اللجوء صعبة قاسية على اللاجئات السوريات ، من ناحية الاندماج بالمجتمع المستضيف، ومن ناحية تربيتهن لأطفالهن، أو علاقاتهن الزوجية والأسرية ، وحقوقهن وواجباتهن، وحتى مفهومهن عن ذواتهن وعن كونهن نساء. وأدى ذلك إلى اختلاط المفاهيم القيمية والأخلاقية لديهن، وولد صراعاً فكرياً لديهن عما تربين عليه في سوريا وعمّا يختبرنه في دول اللجوء.

اللاجئات السوريات يقاومن من أجل البقاء

فرض اللجوء على النساء تغيرات جذرية في حياتهن, وواقعاً مختلفاً عما عهدنه في سوريا. تقول أم “عبدالله ” (60 عاماً)، لاجئة في تركيا: ” في البداية كنت أشعر بالإهانة والخجل، كوني أعمل مستخدمة في إحدى المدارس الموجودة في تركيا، بعد أن كنت أدير محلاً تجارياً أملكه في حلب. ولكن شعوري الآن أفضل، طالما وجدت أن عملي سيقيني العوز ومد يدي للغير”.  و “أم عبدالله” ليست اللاجئة الوحيدة التي عملت جاهدة على أقلمت نفسها مع واقع مختلف، فالكثير من اللاجئات السوريات، دأبن على تطوير مهاراتهن وأنفسهن لمواجهة تحديات اللجوء الصعبة. فمثلاً تمكنت بعض اللاجئات من تأسيس المراكز المهنية والحرفية والتعليمية، وعمل عدد منهن في مجالات صحية وصناعية وتجارية مختلفة، وأسست الكثير منهن مشاريع استثمارية و جمعيات و منصات مجتمعية وحتى منظمات إنسانية … وتابعت بعض اللاجئات دراستهن التي كن قد حرمن منها في سوريا. وتمكنت بعض اللاجئات من خوض غمار الحياة السياسية وأثبتن وجودهن في المحافل الدولية والأممية.

ولكن تبقى جهود وطاقات اللاجئات السوريات مهدورة مشتتة، ولاتزال نسبة كبيرة منهن تعاني من أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية, ونجد أن قسماً كبيراً من اللاجئات السوريات ولتخفيف وطأة اللجوء، لجأن إلى حلول تبدو ظالمة ومجحفة بحق أنفسهن، مثل زواجهن من أجانب أو رجال من أجل المال فقط، أو تزويج بناتهن القاصرات، أو امتهان أعمال مشبوهة وغير مقبولة اجتماعياً وقانونياً.

حلول ومقترحات

لا ينكر أحد أن المنظمات الإنسانية والدولية والعالمية، وأن المجتمع الأممي  والدول المستضيفة، قدمت الكثير من الدعم الإنساني والإغاثي للاجئات السوريات وأطفالهن، خاصة للاجئات المخيمات، وأقامت عدد من المشاريع التعليمية والصحية والخدمية للاجئين، ولكن ذلك الدعم لم يكن كافياً! والسبب هو الزيادة المطردة في أعداد اللاجئين على مدار ما يزيد على سبع سنوات. ولذلك بات من الضرورة إيجاد حلول وخطط أكثر نجاعة. وعلى ما يبدو فإن الحل الأمثل هو وضع استراتيجيات جديدة، تحد من تدفق اللاجئين وهذا يحتاج إلى توافق دولي وأممي يُثني النظام السوري عن تهجيره القسري للمدنيين من قراهم وبلداتهم، ويحمي المدنيين من وحشيته المفرطة.

“لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصيدها”، بمعنى أن يبدأ التركيز على مساعدة اللاجئات لتأهيلهن كي يصبحن منتجات، في ظل التوجه الحالي لتوقف العديد من المنظمات الإنسانية عن عملها، والتوجه الدولي والأممي لإيقاف الدعم والمساعدة عن الشعب السوري عموماً.  وبالتالي فإن مشاريع غايتها تحويل اللاجئات السوريات إلى أيد عاملة منتجة ستكون ذات جدوى ومنفعة أكثر، من ابقائهن في طوابير للحصول على كراتين المعونات أو التبرعات. ولكن مثل هذه المشاريع تتطلب قناعة مسبقة بدعمها من قبل المجتمع الدولي والأممي، وتحتاج إلى تشكيل صورة واضحة عن قيمتها في أذهان اللاجئات أنفسهن.

هل للاجئات السوريات دور في التغيير السياسي في سوريا؟

بحسب مركز “بيو” الامريكي للأبحاث، فان عدد اللاجئين السورين يقارب (6 مليون) لاجئ. وعليه سيكون عدد اللاجئات السوريات رقماً لا يستهان به، وهن قادرات على أن يكون لهن دور في عمليات التغيير في سوريا. مع توجه المجتمع الدولي مؤخراً إلى الحديث عن حل سياسي في سوريا، وضرورة وضع دستور جديد للبلاد، وإجراء انتخابات ديموقراطية.. ويمكن النظر إلى مسألة اللجوء من زاوية ايجابية، فقد استطاعت اللاجئات السوريات الاحتكاك بالمجتمعات المستضيفة خاصة الأجنبية منها، واستشفاف التقدم الحضاري والقوانين الناظمة فيها والتي تصون كرامة وحرية الفرد في وطنه. ولذلك يجب أن لا يستثنى دور اللاجئات في عملية التغيير نحو الأفضل في سوريا، ويكون ذلك من خلال بدء العمل على رفع سويتهن السياسية، وتنظيمهن وحشدهن لمناصرة قضاياهن، ليأخذن دورهن في العملية السياسية ويصبح لهن ذلك الدور في مواقع صنع القرار السياسي.

خاتمة

يجب أن تتشارك الحكومات المضيفة، والمجتمع الدولي و الوكالات والمنظمات الانسانية والنشطاء والحقوقيين واللاجئات أنفسهن في تخفيف صعوبات اللجوء وتذليلها. والأهم من كل هذا لابد  من محاسبة المسؤول الأول عن مأساة اللجوء وهو النظام السوري، الذي سعى عن قصد بإحداث تغيير ديموغرافي في سوريا مستخدما كل أنواع القمع والوحشية والتي شردت وهجرت ملايين المدنيين.

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top