البعد المذهبي في الفكر العسكري الإيراني

تسعى طهران جاهدة للسيطرة على القرار في عدة عواصم عربية قربها,  مستفيدة من ظروف إقليمية ودولية حققت لها نجاحا نسبيا في ذلك؛ فعينت حكومة عراقية موالية لها،  

وتساند نظام الأسد في سورية منذ سنوات عديدة, وتدعم تنظيم الحوثي في اليمن الذي أجرى عملية انقلاب في اليمن قرب المملكة العربية السعودية, كما تدعم المعارضة البحرينية وتسعى لتطوير عملهم بما يضمن لهم السيطرة على المملكة, إضافة إلى ذلك يعتبر حزب الله في لبنان قوة كبيرة مدعومة من إيران ويسيطر على القرار بشكل كبير في لبنان، كما قدمت دعماً لحركات ضمن مصر والمغرب والجزائر.

لذلك تقدم حركة تحرير الوطن سلسلة بعنوان (إيران من الداخل) للوقوف على الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية التي تعتبر القوة الدافعة والمحركة وراء سلوكها التوسعي، والذي ظهر في تصريحات مسؤوليها مرارا وتكرار.

وحدة الدراسات الإيرانية

نجح رجال الدين في إيران في المحافظة على سيطرتهم على البلاد، وخلق أرصدة للنظام في مفاصل الدولة، عبر حقن الصبغة المذهبية في كل شرايين الحياة. ولكي تكون القراءة منصفة لا بد من تلمس الجوانب الإيجابية والسلبية في سيطرة المذهبية على الفكر العسكري الإيراني كالتالي:
بالرغم من أن القناع الإسلامي الإيراني فيه تركيز على البعد المذهبي، إلا أن الإشارة والإشادة بالجهد الإيراني في جعل أسماء معظم الأنشطة والأسلحة العسكرية تحمل أسماء إسلامية أمر مستحق.
من إيجابيات سيطرة المذهبية على الفكر العسكري الإيراني بروز الجيش العقائدي المؤمن أن التشيع الإثنيْ عشري هو ما أعطى الشخصية الإيرانية تميزها وخصوصيتها. وهذا ما جعل التشيع اللاعب السياسي الوحيد في القوات المسلحة، ولا قوى سياسية سواه، وعليه فالجيش هو جيش عقيدة ولاية الفقيه وغير قابل للاختراق.
كما أن من إيجابيات سيطرة المذهبية على الفكر العسكري الإيراني في مجتمع نسبة الأمية المطلقة فيه 13.5% أن أصبحت المذهبية هي المحرك البديل للوعي لصنع المواطن الصالح، فقد سوّقت إلى مداركهم البسيطة بأن عقيدة ولاية الفقيه هي الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه، ولأن عيونهم لم تفتح على غيرها، فقد نهلوا من منهلهم الوحيد هذا أن العامل العقائدي هو الدافع والمحفز الأول للصراع الإنساني.
من سلبيات سيطرة المذهبية على الفكر العسكري الإيراني أن نشأت مشاعر مكبوتة لدى أقليات صارت تنظر إلى الجيش على أنه جيش المذهب الواحد، بدلاً من أن يكون جيش كل الشعب، كما أن السنة والزرادشت واليهود والمسيحيين والبهائيين أقليات تبلغ نسبتهم أكثر من 30% من الشعب الإيراني، وقد تم تهميشهم بشكلٍ واسع بواسطة الدولة المذهبية رغم تجنيد أبنائهم للخدمة العسكرية. ورغم أن؛ في الدستور الإيراني الحالي مادة كاملة (المادة 13) تفصّل حقوق هذه الأقليات؛ إلا أن الأمل بحصول تحسن في المدى المنظور ضئيل.
من السلبيات أيضاً المخاوف من أن العسكرية المتشربة بالمذهبية والتي تضم 600 ألف فرد، وهي قوة سياسية هائلة وتستخدم حالياً من قبل الخط السياسي المؤمن بولاية الفقيه؛ قد تكون أحد دوافع انهيار العملية السياسية وخلق طاغية، أو دكتاتورية دينية، ولعل سلطة المالكي الجائرة في العراق والتي غرست بذرة الاختلافات المذهبيّة في المؤسسة العسكرية ونزوعه نحو الطغيان وانتهاجه النهج الإقصائي لإقامة دكتاتورية مذهبية ذات نظرة تمييزية للآخر المختلف خير مثال.
من سلبيات سيطرة المذهبية على الفكر العسكري الإيراني أن القيادة العسكرية لم تعد المرجع الرئيسي في أعمال القتال، ولم يعد يؤخذ في الحسبان تحليلاتها للمواقف العملياتية، ومقترحاتها لتنفيذ عقيدة قتالية معينة. فرجال الدين بعمائمهم أو ببدلاتهم المبرقعة هم المسيطرون على المفاصل العسكرية، متسربلين بالمذهبية، ومتسلحين بالقدرة على حرمان الناس من رضا الولي الفقيه، ومنطلقين لنشر التبريرات المذهبية الشاملة حتى للجرائم العسكرية.
– كما أن من سلبيات سيطرة المذهبية على الفكر العسكري الإيراني أن قرأ الجوار الإقليمي مسميات الأسلحة الإيرانية بأسمائها المذهبية كمحفزات استفزازية، فإذا كان الإصرار على فارسية الخليج مساراً للهيمنة للنفاذ للهوية الثقافية؛ فالمذهبية العسكرية تلويح بالهيمنة بالقوة. وستغادر هذه الأسلحة مصانعها للعرض في المناورات الإيرانية دون أن يؤذن لها بدخول الخدمة في جيوش أخرى. أما المناورات فلم تقد إلى حل لأمن الخليج كما تقول إيران قبل أن تقودنا إلى الجدل المذهبي.
لقد حاول النظام في إيران خلق رؤية لأسلمة المجهود العسكري، فوقع في المذهبية وسيطرة الفكر الأحادي والخصوصية الطائفية عن عمد. واعتقد النظام أن لديه نظرية أمنية واضحة وذات مبادئ مترابطة تشكل كلاً متكاملاً، لكن المذهبية حالت بمظهرها القوي بينه وبين العلم العسكري على حقيقته، ومن هنا ظهرت بوضوح سلبيات الطريق الذي سلكه في تشخيص وفهم واقع الحرب والسلم من منظور مذهبي بالدرجة الأولى. فالنزعة المذهبية التي طبقها بفوضوية أدت لدفع ثمن باهظ على مستوى الواقع العملي منذ ماتسميه إيران الثورة الإسلامية مروراً بالحرب مع العراق وحتى المماحكات مع الغرب حالياً.

 

اترك تعليقاً

scroll to top