الثورة السورية المباركة  “أسباب غير مباشرة”

 للإطلاع على الدراسة PDF

الثورة السورية المباركة…أسباب غير مباشرة

يقدم القائد العام لحركة تحرير الوطن العقيد الركن فاتح حسون في دراسته المعنونة بـ: (الثورة السورية المباركة…أسباب غير مباشرة)) شرحا عن عشر أسباب مركبة ومتداخلة “عسكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا” نتجت عن الآلية التي اتبعها نظام الأسد (الأب والإبن) للسيطرة على الشعب السوري، تصب في مجرى تأدية فروض الطاعة للدول التي قدم نفسه لها لتحقيق غاياته المتمثلة بمنحه نفوذ إقليمي على حساب تنمية سورية داخليا وتطويرها، وكيف تراكمت هذه الأسباب والعوامل لتشكل في وجدان الشعب السوري ووعيه القرار بالثورة ضده مطلع العام 2011م.

 تختلف أسباب قيام الثورة السورية عن غيرها من الثورات بوجود أسباب غير مباشرة عميقة ومتجذرة في ذاكرة الشعب السوري، تعود مسؤوليتها على نظام الأسد الأب، الذي ورث ابنه من بعده نظاما طائفيا قمعيا استبداديا، ومعه أسباب عديدة لعدم استمراره ونجاحه، لن تفقد تأثيرها إلا بسقوط النظام.

أولا-اغتصاب حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في سورية، وحربه على الإسلام

لم يكن حزب البعث “القائد للدولة والمجتمع” وفق ما يصفه به منسوبوه إلا حزبا منفصلا عن واقع المجتمع السوري المسلم بالفطرة، فحزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي علماني انقلابي، له طروحات فكرية نظرية عديدة متناقضة، وهناك بون واسع بين ممارسات وأقوال قادته فترة ما قبل السلطة، وممارساتهم وأقوالهم فترة ما بعدها. حتى أن الحزب لم يكن متطرفا في علمانيته فقط، بل هو حزب إلحادي لا يختلف في أقواله عن الأحزاب الشيوعية، حيث يقول شاعره:

آمنت بالبعث ربا لا شريك له         وبالعروبة دينا ما له ثان

فالحزب يعتمد على الفكر القومي الذي ظهر بعد سقوط الخلافة العثمانية، والذي نادى به زعيمه حينها ساطع الحصري ، ويستلهم تصوراته من الفكر الاشتراكي، ويمشي على دروب الماركسية، والخلاف الظاهر بينهما أن اتجاهات الماركسية أممية، أما الحزب فقومي، وفيما عدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الفقري في فكر الحزب ومعتقده، وهي لا تزال كذلك رغم انهيار البنيان الماركسي فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي .

نشأ “حزب البعث” في بداية الأربعينيات على يد ميشيل عفلق  وصلاح البيطار، وقد انعقد مؤتمره الأول في دمشق في 7نيسان 1974م، وانتخب ميشيل عفلق عميدا له.

وفي عام 1952م اندمج الحزب مع “الحزب العربي الاشتراكي” برئاسة أكرم الحوراني    ليشكلوا ” حزب البعث العربي الاشتراكي “، وتم تغيير لقب العميد إلى لقب الأمين العام، وكذلك كان عفلق أول أمين عام للحزب.

في 8 آذار 1963م اغتصب الحزب السلطة في سوريا بانقلاب عسكري سماه ثورة “الثامن من آذار “، لينتقل الصراع في الحزب إلى داخل القيادة العسكرية، فكان “أمين الحافظ” رئيس الجمهورية حينها يتطرق باستمرار لموضوع الطائفية خلال اجتماعات الحزب، وكان يتهم صلاح جديد  وحافظ الأسد بها، مما جعل صلاح جديد يقوم بانقلاب أطاح برئيس الجمهورية أمين الحافظ في 23 شباط 1966م، ومن ثم تمت الإطاحة بالقيادة القومية للحزب، وإزاحة ميشيل عفلق وأنصاره عن قيادة الحزب، كما تم تصفية الضباط  السنة البارزين وتعيين الهالك حافظ الأسد وزيرا للدفاع ، وابراهيم ماخوس وزيرا للخارجية .

  ثانيا-اغتصاب الهالك حافظ الأسد رئاسة سورية 30 عاما ملؤها الطائفية والاستبداد

في 19 تشرين الأول عام 1970م، قاد وزير الدفاع حينها الهالك حافظ الأسد انقلابا حزبيا في صفوف الحزب أسماه “الحركة التصحيحية”، وسلم أحمد الخطيب رئاسة سورية مؤقتا ، ثم استلم هو أمانة الحزب في سورية، ثم أمانة القيادة القومية للحزب التي تضم أفرع الحزب في البلاد العربية، ورئيسا لسورية منذ 22شباط 1971م حتى هلاكه يوم 10 حزيران عام 2000م.
لقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي واجهة انطوت تحتها كل متطرفي الأقليات العرقية والطائفية في سورية للتسلط والسيطرة على الأكثرية السنية التي كان يجد حزب البعث معتقداتها رجعية وغير منسجمة مع مبادئه وأفكاره. حيث ورد في التوصية الرابعة من التوصيات العامة لمقررات المؤتمر القومي الرابع للحزب : “يعتبر المؤتمر القومي الرابع الرجعية الدينية إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في المرحلة الحاضرة، ولذلك يوصي القيادة القومية بالتركيز في النشاط الثقافي والعمل على علمانية الحزب، خاصة بالأقطار التي تشوه فيها الطائفية العمل السياسي”، كما أن فيلسوف الحزب “ابراهيم خلاص” كتب في مجلة جيش الشعب السورية في 25/4/1967م : ” والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هي خلق الانسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أن الله والأديان والإقطاع ورأس المال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ”.

بعد استلام حافظ الأسد أمينا عاما للحزب أنهى الحياة السياسية في سورية واختزلها بداية بأعضاء الحزب، ثم أصبحت أسرة الأسد هي محور السياسة السورية وجوهرها، فقد بدأت مخططاته الطائفية بتوزيع رؤساء الشعب والفروع الأمنية ومثيلاتها على المحافظات بشكل يراعي الاستراتيجية الطائفية، فكان في المدن والمحافظات السنية يوضع ضباط الاستخبارات من الطائفة العلوية أولا والدروز ثانيا والإسماعيليين والمسيحيين ثالثا، وأصبح قبول الضباط في الكليات العسكرية من أبناء الطوائف غير السنية بالآلاف، وبعد تخرجهم يتم تعيينهم في أماكن ومراكز تمنحهم السلطة والوجاهة، في الوقت الذي ضيق في الكليات العسكرية على قبول أهل السنة، وخاصة المنتمين إلى عائلات مدنية وليست ريفية، وقاموا بتسريح المئات منهم بذرائع مختلفة، حتى باتت نسبة الضباط السنة من أهالي المدن لا تتجاوز غالبا 1% من الضباط الخريجين من أي كلية عسكرية على مدار العام ، ومن الضباط السنة من أهالي الأرياف لا تتجاوز غالبا 15 % ، وكذلك اتبعت نفس الخطة حيال صف الضباط والأفراد المتطوعين إنما بنسب مختلفة، كما تابع حافظ الأسد وزبانيته تنفيذ خططهم الطائفية في وزارات ومؤسسات الدولة، فوضعوا الوزارات تحت إشراف السلطة الأمنية بشكل غير مباشر، وجعلوا في كل وزارة مسؤول أو مكتب ارتباط مع الجيش أو الأمن، وغالبا ما يكون هذا المسؤول من الطائفة العلوية .
لم يكن هذا ديدن حافظ الأسد فقط ، بل كان ديدن معظم العلويين الذين سيطروا على حزب البعث من قبله وأوصلوه إلى سدة الحكم كقائد علوي يراعي مصالحهم الطائفية، حيث يقول مطاع الصفدي عن تلك الحقبة: ” لم يترك المخططون البعثيون وسيلة لإضرام حرب طائفية خفية شاملة تغذيها أنواع من التحديات اليومية في كل قطاع، في الجيش ودوائر الدولة ، والمدارس ، والأحياء ، والمعامل ، والقرى .. بين الجبل والساحل، بين الريف والمدينة، بين المحافظة والمحافظة، إلا واتبعوها بتدبير وسعة نظر، وتصميم واع رهيب، يستهدف تدمير جميع أسس الحياة الطبيعية في البلاد، بالقضاء على مكتسباتها التقدمية، ومقاييس الحياة الحضارية فيها”.
وبغية البقاء في سدة الحكم المستبد الذي بقي فيه حافظ الأسد نحو ثلاثين عاما من خلال مسرحيات تحت مسمى انتخابات، أنشأ خارج المؤسسة العسكرية التي كان مسيطرا عليها بالمطلق قوات تتبع له، “كسرايا الدفاع” بقيادة أخيه رفعت الأسد منفذ مجزرة حماة والذي اصطدم معه لاحقا، وكذلك “القوات الخاصة” بقيادة اللواء علي حيدر، و”الكتائب الأمنية” الخاصة به. فقد كان متأكدا بأن حزب البعث بأفكاره العلمانية الإلحادية، وسيطرة الطائفة العلوية عليه وعلى مؤسسات ووزارات الدولة لن يكون مقبولا ولا مسكوتا عنه من قبل الشعب السوري ذي السواد السني، والذي بدأ بالتحرك بشكل جدي وفعال ضد الأسد بمظاهرات عام 1979م وباحتجاجات متتالية قابلها حافظ الأسد وزبانيته بالقتل والمجازر والاعتقال والتهجير.

 ثالثا-مجازر الهالك حافظ الأسد، وفي مقدمتها مجزرة حماة “مأساة العصر”

لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الشعب السوري المجازر الرهيبة التي ارتكبها الهالك حافظ الأسد بحق المدنيين المستضعفين المعارضين له، حيث شهدت سورية في بداية الثمانينات مآسي وأحزان انحنت بها هامات الرجال جيلا بعد جيل، حتى انتفضوا في ثورتهم العارمة ومشاهد وذكريات تلك المجازر تزيدهم إصرارا على الصمود والتحدي لكل أدوات وآلات القتل والاستبداد. فللقضاء على الاحتجاجات والمظاهرات التي قام بها الشعب السوري ضد نظام حكم الهالك حافظ الأسد دفاعا عن دينهم ومقدساتهم ووجودهم، قام حافظ الأسد ونظامه بارتكاب مجازر عديدة منها:

1-مجزرة قرية كنصفرة: في آذار عام 1980م، وأثناء زيارة أمين سر فرع حزب البعث العربي الاشتراكي للقرية برفقة عدد من مسؤولي إدلب، طلب بعض الأهالي منه تحقيق بعض المطالب الضرورية كالماء والكهرباء والمدارس، لكن الزائرين تجاذبوا النقاش الذي احتد مع المواطنين، ثم أمروا عناصرهم المسلحة بإطلاق النار عليهم، فقتلوا مواطنا وجرحوا عشرة، ثم أمروا بعد أيام بشن حملة اعتقالات.

2-مجزرة جسر الشغور: بذريعة التفتيش عن معارضين إسلاميين لاذوا بالفرار إلى “جسر الشغور”، قامت وحدات من القوات الخاصة بقيادة “العميد علي حيدر” بتطويق المدينة ثم قصفها بالهاونات، ثم اجتياحها في العاشر من آذار عام 1980م، وأخرجوا 97 شخصا من الرجال والنساء والأطفال، وأطلقوا النار عليهم، وطلب العميد حيدر تدمير وإحراق البيوت والتمثيل بالجثث، وكان ضمن هذه الحملة الدموية “توفيق صالحة” عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك.

3-مجزرة سجن تدمر: إثر المحاولة الفاشلة لاغتيال حافظ الأسد من قبل “الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين” في 26حزيران 1980م بإلقاء قنبلتين عليه نجا منهما بأعجوبة ، أقسم “رفعت الأسد” شقيق حافظ الأسد أن ينتقم من الإخوان ومن يؤازرهم ، فأصدر أوامره “للرائد معين ناصيف” نائبه وصهره بالتوجه بالحوامة إلى تدمر وقتل جميع أعضاء الإخوان المسلمين المسجونين هناك ، فقام المجرم ناصيف باغتيال 550 سجينا في زنزاناتهم بصورة وحشية رميا بالرصاص، وقد تعالت صراخاتهم بين نداء “الله أكبر” وبين استغاثة.
وقد حاول النظام أن يحيط العملية بالسرية ، إلا أن متورطين تم القبض عليهما في الأردن اعترفا بذلك، وتم إذاعة اعترافاتهما بالتلفزيون الأردني، وأنها أرسلا إلى الأردن لقتل رئيس الوزراء الأردني “مضر بدران” المتهم من قبل نظام حافظ الأسد بمساندة الإخوان المسلمين بالسلاح والتدريب.

4-مجزرة سوق الأحد بحلب: في 13-7-1980م، انتقاما لمساندة أهالي حلب للحراك ضد نظام حافظ الأسد ودعمهم له، هاجم عناصر من القوات الخاصة محمولين ضمن عشرين سيارة “سوق حلب”، وأطلقوا النار عشوائيا، فسقط ما يزيد عن 192 مواطنا بين قتيل وجريح.

5-مجزرة سرمدا: وقعت في 25/7/1980م، حيث طوقت البلدة القوات الخاصة، وجمعت حوالي 30 شخصا من أبنائها الرجال والنساء، وأطلقت الرصاص على 15منهم، فقتلوهم ثم ربطوا بعض الشباب بالآليات وسحلوهم.

6-مجزرة حي المشارقة بحلب: حدثت في صبيحة عيد الفطر في 11/8/1980م، حيث طوقت القوات الخاصة بقيادة “المقدم هاشم معلا” حي المشارقة بذريعة دعم الإسلاميين والتستر عليهم، وقاموا بإخراج الرجال من بيوتهم، ثم إطلاق النار عليهم، فقتل 36 شخصا بينهم أطفال ونساء.

7-مجزرة بستان القصر في حلب: حدثت في 12/8/1980م، أي بعد مجزرة حي المشارقة بيوم واحد، حيث جمعت عناصر من الفرقة المدرعة التي اجتاحت حلب 35 مواطنا، وأطلقت النار عليهم، وقتلتهم جميعا ليكونوا عبرة لباقي أهالي المدينة.

8-مجزرة تدمر النسائية: حدثت في 19/12/1980م، حيث حفرت البلدوزرات أخدودا كبيرا، ثم جرت إليه 120 امرأة مسجونة كانت سلطات الأسد قد اعتقلتهن كرهينات لمقايضتهن بالملاحقين من أبنائهن أو ذويهن، وبعد اغتصاب العديد منهن في السجن، تم وضعهن في الأخدود وإطلاق النار عليهن، ثم ردمهن بالرمال، وكان بعضهن قد مات وبعضهن ما زلن يصرخن ليدفن أحياء.

9-مجزرة مدينة حماة الأولى: حدثت في بدايات شهر نيسان 1980م، حيث حوصرت المدينة من كل الجهات، وقطع عنها الماء والكهرباء وفتشت بيتا بيتا، ليقتل أثناءها عدد كبير من أعيان المدينة، ويعتقل المئات من مواطنيها.

10-مجزرة مدينة حماة الثانية: حدثت في 24/4/1980م، حيث بعد المجزرة الأولى التي حدثت قبل أسابيع، تم اجتياح المدينة من قبل “سرايا الدفاع”، وقتل حوالي 335 مواطنا ألقيت جثثهم في الشوارع والساحات، ولم يسمح بدفنهم إلا بعد عدة أيام.

11-مجزرة الرقة: جمعت القوات السورية 400 شخص كمعتقلين في مدرسة ثانوية في مدينة الرقة شمال شرق البلاد في منتصف أيلول 1980م، وأشعلت النيران في المدرسة في ليلة ماطرة، حيث قتل الجميع ولم ينجو منهم أحد

12-مجزرة الضباط السنة: للتخلص من الضباط السنة الملتزمين دينيا الموجودين في صفوف الجيش والمتأففين من ممارساته القمعية الإجرامية، ادعى النظام وجود محاولة انقلابية عام 1981م، فاعتقل عددا كبيرا من الضباط السنة تجاوز عددهم 400ضابطا، وأعدمهم بمحكمة عسكرية صورية، وبسرعة عجيبة.

13-مجزرة حماة 1982م “مأساة العصر”: بلغ الأمر “برفعت الأسد” أن يصرح علنا عدة مرات بأنه سيجعل المؤرخين يكتبون أنه كان في سورية مدينة اسمها حماة، وأنه سيبيدها لتكون عبرة لغيرها من المدن السورية. فقبل وقوع المجزرة حرضت السلطة أجهزتها القمعية في حماة لاضطهاد أبناء المدينة لأي سبب، وأرسلت في كانون الأول عام 1981م عدة آلاف من طائفيي “سرايا الدفاع” لاعتقال وتعنيف وإرهاب المواطنين من كل القطاعات والأديان داخل مدينة حماة ، فكان من أساليب الاضطهاد: نتف لحى الشيوخ أو حرقها بقداحات الغاز، وإذا اتهم أحد الأشخاص باستقبال أحد الملاحقين فإنهم يمسكون المتهم من يديه ورجليه ويلوحون به في الهواء ويقذفونه من سطح بيته إلى الشارع مهما كان الارتفاع، كما كانوا يطلبون من آخرين في الساحة الرئيسية الركوع لحافظ الأسد، ويرفض أحد المواطنين فتفقأ عينه حتى يركع ثم يرفض فيقتل .

وبلغ الظلم والاستبداد أوجهما في حماة، حيث عمدت السلطة الطاغية إلى تفجير البيوت بألغام الديناميت على إثر أي وشاية أو تقرير من أي عميل يفيد بأن أحد المعارضين زار البيت أو تردد عليه، ويتم التفجير بلا إنذار لإخلاء البيوت أو السكان المجاورين، بل يطلقون على الجيران النار رشا لأنهم لم يبلغوا عن وجود عناصر معارضة للسلطة.

وقد بدأت المجزرة في 2شباط عام 1982م، واستمرت 27يوما بقيادة “العقيد رفعت الأسد” شخصيا، والذي أمر بتطويق المدينة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكريا وارتكاب كل ما يؤدي إلى التدمير الشامل للمدينة ومجتمعها لتكون عبرة لباقي المناطق السورية، وقد كانت من النتائج المريرة للمجزرة تباهي رفعت الأسد -الذي كوفئ بتعيينه نائبا لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي -بأنه قتل 38ألفا ، إضافة إلى 15ألف مفقود لا يعرف أهم أحياء في السجون العسكرية أم أموات حينها، وهجرة أكثر من 100ألف نسمة بسبب تدمير ثلثي أحياء المدينة، وإزالة 88 مسجدا وثلاث كنائس ومناطق أثرية وتاريخية.

 بدأت بعد المجزرة مسيرة تثبيت الحكم الطائفي الاستبدادي، وتطبيق سياسات المصالح المتناقضة مع الدول في ملفات “الصمود والتصدي” ، و”الملف اللبناني” ، و “الملف الفلسطيني”، و “الملف التركي”، و “الملف الإسرائيلي”، و “ملف إيران”، وغيرها من الملفات، ومحاولة إظهار حافظ الأسد بانه القائد الملهم الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، حتى أن أنصاره بدأوا يعدونه بمصافي الآلهة، ومن ذلك احتفال عسكري حضرته في “قاعدة حميميم الجوية” عام 1998م حيث كان بعض العلويين المتطرفين من عسكريي القاعدة يهتفون أمام الجموع : ” حلك يا الله حلك .. تحط حافظ محلك “. مما كان يزيد في الاحتقان الذي توارثه الأبناء عن الآباء، والذي ظهر بتفجيرهم ثورة الحرية والكرامة زمن الطاغية الابن، والتي كان من أشهر شعاراتها ” يلعن روحك يا حافظ ” لما ارتكبه من طغيان واستبداد أورثهما بعد هلاكه لابنه في مسرحية هزلية، بموافقة دولية، ورعاية إسرائيلية، وإشراف أمريكي.

رابعا -مسرحية توريث الحكم الطائفي الاستبدادي لبشار الأسد

إن البنية الهرمية للنظام الأسدي تؤهل بكل تأكيد لوجود نوازع وراثية موجودة في الولاءات والوصايات الشخصية والعائلية، لذلك فإن انتقال السلطة من الأسد الأب إلى الأسد الابن بالصيغة التي جرت بها إدارة المؤسسات التشريعية والسياسية والعسكرية والأمنية المختلفة، قد عكست عمق وارتباط وتغلغل الروابط الوراثية، وقدرتها على إدارة مؤسسات الحكم المختلفة حتى غياب رأس الهرم .

خلال السنوات الأخيرة من حياته بذل الأسد الأب كل ما في وسعه من أجل أن يتأكد بأن ابنه بشار هو من سيرثه في كرسيه، ومع ذلك فإن نقل السلطة من الأب إلى الابن مهما كانت سلسة وبعيدة عن الهزات، فقد أثار في سورية وخارجها موجات من الاستهزاء والنقد، وتساؤلات على صعيد ملاءمة الابن الشاب لحكم وقيادة الدولة.

إلى أن طريق بشار الأسد باتجاه السلطة بدأت في الحادي والعشرين من كانون الثاني عام 1994م، عقب وفاة شقيقه الكبير باسل في حادثة طرق، وقد كان باسل حتى وفاته الابن المختار، حيث كان اختيار بشار كوريث “خيار الغفلة” أو حتى “حادثة”، وخاصة لجهة السيرة الشخصية لبشار نفسه، والتي تركزت حتى تلك الفترة على طب العيون، وليس على السياسة والعمل السياسي . وكان الهالك حافظ الأسد قد قرر في الشهور الأخيرة من حياته تسريع الخطوات لتتويج ابنه، فدفع إلى طرد ثلة من الشخصيات الكبيرة السياسية والعسكرية والأمنية، منهم “اللواء علي دوبا” رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، والذي كان من الممكن أن يعلن رفضه توريث الحكم لبشار، كما عقد المؤتمر القطري لحزب البعث في 17حزيران عام 2000م -والذي امتنع عن عقده منذ 15عاما -وذلك للموافقة على تعيين بشار نائبا للرئيس من أجل أن يأسس بشكل رسمي مكانته في القيادة السورية. إلا أنه هلك قبل سبعة أيام من موعد افتتاح المؤتمر المقرر. وبعد إعلان التلفزيون السوري هلاك حافظ الأسد ببيان قرأه الدعي “مروان شيخو” في العاشر من حزيران 2000م، نقل التلفزيون الرسمي جلسة مجلس الشعب الذي جمعته الأجهزة الأمنية، والتي أقرت فيها تعديل البند 83من الدستور ليصبح العمر الأدنى لرئيس الجمهورية هو 34عاما على الأقل وليس أربعين، “أي من عمر بشار”، وبعد ذلك بيوم أصدر القائم بأعمال رئيس الجمهورية المؤقت عبد الحليم خدام (4)مرسومين : رقم 9 القاضي بتعيين بشار قائدا للجيش والقوات المسلحة ، ورقم 10 القاضي

 بترفيعه إلى رتبة فريق، وفي نفس اليوم اجتمعت قيادة الجيش بقيادة وزير الدفاع “العماد أول مصطفى طلاس” ورئيس هيئة الأركان “العماد علي أصلان”، وأعلنت ولاءها لبشار . وفق الخطة المعدة بالتنسيق مع الأب الهالك مسبقا.

وبعد أسبوع أثناء انعقاد المؤتمر القطري لحزب البعث، وخلال مداولات غير منطقية ، انتخب بشار أمينا عاما للحزب، ثم انتخبت القيادة القومية للحزب بشار مرشحا للحزب وللرئاسة ، ليعقد لاحقا مجلس الشعب اجتماعا صادق فيه على ترشيح بشار الأسد، ثم عرض الترشيح للمصادقة عليه في استفتاء شعبي ترافق مع مسيرات تأييد مصطنعة في كافة أرجاء سوريا، ليحصل على نسبة ( 97,29%) وليس (99و99%) التي كان يحصل عليها والده ، مما يدل على عدم نزاهة كل ما يحدث، ثم ليؤدي بشار اليمين أمام مجلس الشعب في 17تموز 2000م، طارحا شعاره “التغيير في ظل الاستمرار والاستقرار”. وللأسف كانت السلطة الأمنية التي أطبقت على البلاد تجعل هذه المسرحية تمضي بفصولها وسط التصفيق والإعجاب فقط، فلم ينبس أحد ذو مكانة ببنت شفة، إلا عمه رفعت الأسد الذي كان موجودا في المنفى في إسبانيا ، من خلال إعلان بثه في قناته (إي إن إن) أنه يشكك بعملية التنصيب التي وصفها بأنها طعنة في ظهر القانون السوري، والذي فيه ما يكفي للتسبب بسحب الشرعية الدستورية للمؤسسة الرئاسية. واستمر بنفس النهج سومر الأسد ابن رفعت الذي اعتبر أن والده يتمتع بتأييد وشرعية أوساط الجمهور السوري، وبأن مسيرات التأييد لبشار هي عرض كاذب. لكن سرعان ما توقف رفعت عن انتقاداته، وقال بأن بشار يقوم بحركة تصحيحية جديدة بقيادته، وذلك بعدما وجد أن عملية الانقضاض على السلطة استقرت دون اضطرابات داخلية أو خارجية، ومتابعة بقاء سورية مزرعة عائلية لآل الأسد. 

 خامسا-السير على خطى الأب وطمس الهوية السورية  

لقد طالب الشعب السوري إلغاء نظام توريث السلطة والتغيير الجذري للنهج السياسي في السيطرة على الحكم، خاصة بعد أن أعد حافظ الأسد لسيناريو توريث السلطة لابنه باسل أولا ثم بشار بعد مقتل أخيه باسل ثانيا، مبتدعا بذلك في العالم العربي تقليد تحويل الجمهوريات التداولية إلى جمهوريات وراثية، ونفذ ذلك بحكم سيطرة الدولة الأمنية التي يسيطر عليها من يلوذون به، وذلك من خلال تدريبه، ومنحه صلاحيات واسعة، ومكرسا له سلطة الدولة وأجهزتها للترويج له وفرضه رئيسا لنظام شمولي طائفي بامتياز، وقد كان لتأثير الهالك حافظ الأسد حتى بعد موته دور في تثبيت حكم الابن داخليا بين الأوساط والشخصيات العلوية النافذة في مفاصل الدولة، كما أنه استطاع إقناع الأقليات الطائفية “المسيحيين والدروز والإسماعيليين و المرشديين” بأنه الضامن لأمنهم الطائفي والشخصي والاقتصادي، وكذلك إقناع النخبة الاقتصادية السنية بأنهم من سيقطفون ثمار سياسية الانفتاح الاقتصادي والسياسي التي يريد انتهاجها.

لقد حاول بشار الأسد إدخال إصلاحات بعد أبيه، وليس إحداث تغيير شامل، واعتبر أن نهج والده خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن رؤيته مازالت تشكل نبراسا يهتدي نظامه بنوره، حيث أن “الوفاء والالتزام بإرث والده كان مصدر الشرعية لحكمه “، وحرص على تقديم نفسه بأنه سيقود سورية إلى القرن الحادي والعشرين، وبأنه متفاني وقريب إلى الناس، ومثقف ومفكر ويعرف ما يريد. وأصبح يحاول التقرب من الإسلاميين، فقبل هلاك والده سعى بإطلاق سراح الآلاف من “الإخوان المسلمين” الذين كانوا معتقلين في السجون السورية منذ الثمانينيات، وخلال الشهور الأولى من حكمه أطلق سراح المئات من حزب التحرير الإسلامي الذين اعتقلوا أواخر عام 1999م، وسمح للملاحقين خارج سوريا بالعودة وتسوية أمورهم مع الجهات القضائية. لقد كان بشار الأسد يحاول أن يوحي بتلك الأعمال أنه خارج سياسة الحرس القديم الذي ورثه عن أبيه. وسرعان ما وضع سياسة واضحة سارت على إثرها كل الأجهزة الأمنية وحققت أهدافها الاستبدادية، حيث أعلن بوضوح بدء المعركة ضد الأوساط الاصلاحية بعد أن سمح بظهورها بداية حكمه، ففي مقابلة لصحيفة الشرق الأوسط السعودية في شباط 2001م قال: “إن هؤلاء المفكرين يخلطون بين المجتمع المدني وبين مؤسسات المجتمع المدني، ويبدو أن هناك أشخاص يعتقدون أن فترة الاحتلال أو الانقلابات في الخمسينيات أفضل من فترة الاستقرار التي بدأت في 1963م، والتي تحولت إلى حقيقية مطلقة في عام 1970م “، وبهذا عاد النظام لاعتقال المفكرين والشخصيات العامة الذين وقفوا على رأس المعسكر الإصلاحي، وأنهى ما سمي “بربيع دمشق “(2)، ليتابع النظام سياسته الاستبدادية في كل مفاصل الدولة، وبنفس طائفي لم يختلف عن مرحلة الأب، في حين كان بشار يخصص جل وقته لألعاب الكومبيوتر والنشاطات الأخرى التي لا يوجد بينها وبين إدارة الدولة أية علاقة.

إن سياسة بشار الأسد الداخلية وصفها بدقة المعارض صبحي حداد حين قال: “بشار الأسد هو من مريدي الماضي، وهو في نفس الوقت أسير بين يديه، وهو مشارك نشط في الحفاظ على الماضي وفي تخليده، وحتى أنه يمنحه قداسة.. إن النظام الذي يمثله بشار ليس عديم القدرة على التطوير وإدخال التحديث والتغييرات والإصلاحات وحسب، بل وبسبب طبيعته هو ضد أي تغيير، ويمقت كل فكرة للتغيير والإصلاح .. ومن هنا يمكن أن ندرك أن الأسد الابن لا ينوي إزالة النظام الديكتاتوري الفاسد الذي أقامه والده المتوفي على مدى ثلاثين عاما من حكمه”.

تابع بشار الأسد النهج القمعي مما أصاب الشارع السوري بخيبة الأمل منذ سنوات استلامه الأولى، فلم يستطع الحصول على ثقة الشعب السوري، ولم يجلس يوما آمنا على كرسيه، وكان يعلم أنه لا يمكن أن يستمر في الحكم إلا أن استمر في سياسة والده الاستبدادية، فقد قال عام 2003م: ” وقد اعتبر والدي في نهاية الستينات مجددا كبيرا، ولكن بالنسبة لي أشك أنهم سينظرون إلى بعد عشر سنوات نظرتهم إلى شخص يحمل البشرى والإصلاح، ويمكن الافتراض أنهم سيقولون أني أنتمي إلى جيل آخر، جيل الماضي “

وبالفعل كانت سياسة بشار كأنها سياسة والده، فغاب المشروع المشترك ما بين نظامه والشعب، فكبتت الحريات، وكممت الأفواه، وبقي الخوف في قلوب المواطنين، وغربت الهوية السورية بالممارسات العلمانية المتطرفة، وسهل التشييع في الأوساط السنية والعلوية على حد سواء، واستمر فرض حالة الطوارئ التي تنتهك حقول وخصائص المواطن، وتجعله عرضة للاعتقال من أي سلطة في النظام، ووقفت هذه السلطة مع المشروع الفارسي الإيراني المعادي للعروبة التي تربى عليها الشعب السوري مما زاد الهوة بين النظام والمواطن، وأصبح شعار المقاومة كذبة صارخة لعنوان ” حماية أمن إسرائيل “، بل بقيت سياسة الخنوع أمام إسرائيل عنوانا ظاهرا، فقد قامت إسرائيل بتدمير موقع لإنتاج الوقود الذري في دير الزور، وحلق طيرانها فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، ودمر معسكرات “عين الصاحب”، ولم يطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل، حيث تعتبر جبهة الجولان أهدأ الجبهات المحيطة بإسرائيل على الإطلاق، فهذا الاستخذاء أمام إسرائيل مع كل دعاوي الممانعة والتصدي هو أحد العوامل التي دفعت الشباب إلى الثورة.

لقد كانت سياسة بشار الداخلية شعارها “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”، فلم يختلف عن فرعون مصر إلا بأحلاسه، فبعد أن أغلق المنتديات لعدم قبوله أي نقد، جرد بعض أعضاء مجلس الشعب من الحصانة وطاردهم واعتقل عددا منهم، لأنهم انتقدوا بعض سياساته، واتهمهم بأنهم يعرقلون عملية التنمية الشاملة في المجالات كافة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما اعتقل سياسيين علويين ومسيحيين وأكراد ودروز وإسماعيليين، لمجرد نقدهم فعلا أو قولا أو توجها لمسؤولي النظام أو الحزب أو العائلة الحاكمة ، وبهذا سمح لأجهزته الأمنية بتجاوز الخطوط الحمراء للاعتقال الفكري والسياسي، ومنع الرأي الآخر، مهما كان الاتجاه الفكري لصاحب الرأي، إسلاميا أم مسيحيا أم شيوعيا أم بعثيا.

وأعطى أمرا لوزير التربية علي أسعد من الطائفة “المرشدية” لمحاربة التوجهات الإسلامية في الوزارة، فألغى المدارس الشرعية، وأصدر قرارا بإلغاء عقود المدرسات المنقبات كي لا تؤثرن على الأجيال الناشئة “وفق زعمه”، ومن أصرت منهن على حقها بإلزام الدولة بتوظيفها تم تحويلها إلى وزارات أخرى، لتفرز إلى مؤسسات التبغ وبيع الدخان إذلالا لها، ومن تريد العودة فعليها أن تخلع النقاب.

كما أن هذا الوزير طالب بتأليف كتاب تربية دينية لكل طائفة، وتم ذلك بالتنسيق مع وزير الأوقاف “محمد عبد الستار السيد” القريب من إيران، حيث كذلك أصدر أمرا بإغلاق المدارس الشرعية الإعدادية، فاحتج على ذلك عدد من مشايخ دمشق المشهورين والمقربين من السلطة عبر بيان نشر عام 2007م، كانت أسطر المديح به أكثر من عبارات الشجب الخجول، وطلب إعادة فتح المدارس  ، فتمت مداهمة بيوت العديد ممن وقع على البيان ومصادرة حواسبهم وكتبهم واعتقالهم.
قام وزير الأوقاف ذاته المعين من قبل الأجهزة الأمنية بدعم المؤسسات التعليمية الشيعية، ومنحهم عشر ثانويات شرعية تتبع للأوقاف، وتعترف بها وزارة التربية، وهي حوزات حولها إلى ثانويات شرعية ، وتخرج حاليا طلابا بعضهم يعمل في الإرشاد الديني على جبهات القتال بين صفوف الميليشيات الشيعية. وكلفت الأجهزة الأمنية الشيعي “عبد الله نظام” الذي يعرف بقربه الشديد من السفارة الإيرانية، بتنقية مناهج الثانويات الشرعية السنية من الأمور التي لا يرضى عنها الشيعة.
وقد ورد في البيان المشار إليه أعلاه والصادر عام 2007م: “إن الحوزات الشيعية ماضية في تجاهل هذا التعميم مصرة على عدم الاستجابة له، ومدارس الشويفات تضيف إلى منهاج المرحلة الأساسية ما تشاءه من الزيادات في الساعات والمقررات، والمدارس التبشيرية الأجنبية ماضية في مناهجها الخاصة بها وأساليبها التربوية دون أي معارضة ولا إشكال، ترى ماهي الحكمة من أن ينزل هذا البلاء برأس المعاهد والثانويات الشرعية وحدها ؟ وأن تمضي هذه الخطة في التطبيق على التربية الدينية عموما ومناهج التعليم الشرعي خصوصا حتى الاختناق؟ وماذا لو فهمنا الخفايا واستشهدنا بما يعرفه بعض موظفي وزارة التربية من رسم خطة تآمرية مقصودة للإطاحة بدين هذه الأمة وثقافتها الإسلامية وتراثها الشرعي ؟!”.

حين انفجرت الثورة في وجه نظام بشار الأسد خرج طلاب المدارس الشرعية ومنسوبوها ليتظاهروا من المساجد، وبرزت منذ الأسابيع الأولى مواقف أساتذتهم الكبار أمثال الشيخ كريم راجح والشيخين سارية وأسامة الرفاعي وسواهم، وحين ودعوا أثناء الثورة شيخهم الجليل عبد الرزاق الحلبي في الرابع من شباط2012م تحولت جنازته إلى مظاهرة كبرى  .

سادسا -الممارسات القمعية لأجهزة الأمن الفاسدة والاعتقالات التعسفية

الأجهزة الأمنية في سورية هي مركب أمني مكون من إدارات وفروع ومكاتب متمايزة الاختصاصات والصلاحيات، لكنها تشترك بالاستبداد والوحشية والفساد، نصب النظام على رأس هذا المكون الأمني موثوقين طائفيين لحماية أمن نظامه سامحا لهم باستخدام كل الأساليب والطرق في كافة المجالات  ، مانحا إياهم صلاحيات بموجب قانون الطوارئ المعمول به منذ عام 1963م، وحصانات قانونية  .

يقسم المركب الأمني في سوريا إلى ” المخابرات العامة “أمن الدولة” ومديرها له صلاحية وزير، والأمن السياسي التابع لوزارة الداخلية، والمخابرات العسكرية التابعة لرئيس الأركان ، والمخابرات الجوية التابعة لقائد القوى الجوية والدفاع الجوي، ولكل منها فروع ومكاتب ومفارز على سائر الأراضي السورية بل وخارجها .

لقد بلغ عدد الموظفين في أجهزة الأمن السورية المختلفة 65ألف موظف بدوام كامل وعدة مئات من الألوف بدوام جزئي، فهناك وفقا لذلك عنصر مخابرات لكل 257من المواطنين السوريين ، ولما كان 59,5% من السوريين فوق سن 15سنة، فعندها يكون هناك رجل مخابرات لكل 153مواطنا سوريا، وهي تعتبر من النسب الأعلى في العالم، فبالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال هناك رجل مخابرات لكل 257مواطنا أمريكيا، كما أن هذه الأجهزة الأمنية تساعدها فروع حزب البعث التي تحولت الى أجهزة تجسس شعبية تنتشر في كل المدن والقرى السورية  ، إضافة إلى اتحادات الطلبة والنقابات الحزبية البعثية، كما أقنع النظام بعض السذج من الطائفة العلوية بأن يكونوا عيونا له ضمن صفوف باقي الطوائف، في الجامعات ومجالات العمل والرياضة وغيرها.
لقد كرس في الوعي المجتمعي ضمن نظام الأسد عدة “قوانين” تم استنباطها من السلوكيات الجمعية للأجهزة الأمنية، بدءا من إجراءات الاعتقال، ومرورا بالتحقيق، وما يتبعه من وسائل لا إنسانية لانتزاع الاعترافات، وصولا للمعاملة السيئة في المعتقل، وغدت هذه السلوكيات قوانين خاصة بعد تثبيت أركان السلطة إبان أحداث الثمانينيات ينتهجها الفرد وتتبناها المؤسسة ، وغدت الأجهزة الأمنية بذلك أجهزة قمع واستبداد، وانتهاك لقوانين المجتمع وحقوق المواطن وحرمة المقدسات الدينية، فهي ترتشي، وتتجسس، وتحتجز، وتغيب، وتسجن، وتغتصب، وتقتل، دون حسيب أو رقيب، سوى ضباط الجهاز الأمني فقط، فإن شاءوا حاسبوا، وإن شاءوا تركوا، حتى أصبحوا من أعمدة السلطة. فاستخدمت الأجهزة الأمنية الاغتيالات لإنهاء ملفات بأكملها، كاغتيال “اللواء غازي كنعان” لإنهاء قضايا مخالفاتها في لبنان، وأصبح المواطن أكثر من أي وقت مضى معرضا في بيته للمداهمة ومصادرة كتبه وحاسبه واعتقاله بتهمة المساس بأمن الدولة، كما حدث مع الطفلة طل الملوحي  ، التي نادت بها الثورة السورية، وخرجت مظاهرات ومناشدات لإطلاق سراحها.

هذا القمع الفكري والمراقبة الشديدة اشتدا بعد شيوع مشاهدة القنوات الفضائية الإسلامية من قبل معظم الشعب السوري كقناة “الحكمة”، “الناس”، “المجد”، وغيرها، وشعور الأجهزة الأمنية ببوادر صحوة إسلامية في المجتمع الذي حاولت إبعاده عن هويته الإسلامية منذ صغره من خلال المناهج الدراسية في مختلف مراحل التعليم، وتعبئة الفرد في مختلف مراحل عمره ضمن المنظمات الحزبية البعثية، بدءا بطلائع البعث، ثم شبيبة الثورة، ثم اتحاد الطلبة، وتكريس كل الأفكار والممارسات التي تبعده عن روح وتعاليم الإسلام، تخوفا من الإسلام السياسي.

لقد أبدعت أجهزة الأمن السورية في اصطياد الإسلاميين أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق، فإرضاء وتماشيا مع “سياسة مكافحة الإرهاب” صنعت “الشيخ أبا القعقاع “  ليكون أداة لاصطياد وتجميع الجهاديين داخل سورية وخارجها، ثم تسهيل عبورهم بعد تدريبهم إلى العراق، كي يعتقلوا أو يقتلوا بالتنسيق مع قوة الاحتلال الأمريكي هناك، والزج بمن يعود منهم في السجون.

لقد كانوا يتعاملون مع الجلاد والضحية في آن واحد، فكانت أجهزة الأمن هي من تفخخ السيارات وترسلها لتنفجر بالجنود الأمريكيين أو المواطنين العراقيين، وهي نفسها من تدلي للقوات الأمريكية بأسماء الجهاديين وتوقيتات وممرات عبورهم.

وكانت أجهزة الأمن السورية الكلب الوفي للاستخبارات العالمية، فتعاملت مع الروس ضد الشيشان بالتضييق على السوريين القفقاسيين واعتقال من تعاطف منهم مع القضية الشيشانية. كما تعاملت مع “برنامج الترحيل الأمريكي”، وسجنت واستقبلت سجناء لصالح هذا البرنامج، وحققت معهم تحت التعذيب، وقتلت منهم. كما تعاملت مع إيران ضد الأنظمة العربية، وخصصت فرعا لضمان أمن إسرائيل وإبرام اتفاقيات وتعهدات أمنية غير معلنة أسمته “فرع فلسطين”، معني بكل ما يمت بصلة للقضية الفلسطينية، وحفظ أمن وحدود إسرائيل.

وقامت باغتيال رفيق الحريري لضمان سيطرة حزب الله الشيعي على لبنان، حتى أصبحت أجهزة الأمن السورية عدوا للشعب السوري، وممارساتها سببا للثورة على سيدها بشار.

سابعا -مجزرة سجن صيدنايا

في ليلة 5/7/2008م، وداخل سجن صيدنايا المرعب كما باقي سجون النظام السياسية، جرى استفزاز المعتقلين الإسلاميين العائد معظمهم من العراق إبان الاحتلال الأمريكي، وذلك بشتم الذات الإلهية والدوس على نسخ المصحف الشريف الموجودة بحوزتهم(1) ، مما أدى إلى حدوث صدامات وفوضى داخل السجن، قام على إثرها السجناء بأخذ بعض الحراس كرهائن للحفاظ على حياتهم ومفاوضة سلطات السجن، إلا أن قوى الأمن والشرطة العسكرية وعناصر من الفرقة الرابعة يقودهم ماهر الأسد شقيق بشار ” وفق شريط فيديو نشرته شبكة شام ” قامت بارتكاب مجزرة بحق السجناء أدت إلى تصفية العشرات واختفاء ما يقارب ال 100سجين  منهم من قتل لاحقا.

ثامنا -مجزرة أحداث القامشلي

وقعت المجزرة أثناء الأحداث التي وقعت في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية بتاريخ 12 آذار عام 2004م، حيث بسبب مباراة كرة قدم بين فريقي الفتوة “دير الزور” والجهاد ” القامشلي” وقعت اشتباكات بين الجمهورين في الملعب بدأت بشعارات استفزازية متبادلة وتراشق بالحجارة وانتهت بعدد من القتلى و الجرحى سقطوا على يد قوات الأمن  ، ثم امتدت إلى بقية المدن السورية التي فيها أكراد، لتستمر 6 أيام، وكانت حصيلتها 40 قتيلا ومئات الجرحى ونحو 2000معتقل كردي، وقد اعتبر مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية في حينها أن ما حصل في القامشلي نتيجة حتمية لما مورس خلال 4 عقود من الاستبداد السياسي، وطالب بإلغاء الأحكام العرفية وقانون الطوارئ وإعادة الجنسية إلى كافة المواطنين المجردين من جنسيتهم إثر إحصاء 1962م، وطالب بإغلاق ملفات الاعتقال السياسي وعودة المنفيين ورد المظالم . 

تاسعا -فساد مؤسسات الدولة والجيش

قبل انطلاق الثورة السورية المباركة صنفت منظمة الشفافية الدولية   سورية في تقريرها السنوي لعام 2010م في المرتبة 127 عالميا من أصل 180دولة والمرتبة 15 عربيا، بتقدم مرتبة واحدة عن المرتبة 126 التي احتلتها في العام 2009م. مما يدل على أن الفساد في سورية وباء مزمن تغلغل في أحشاء معظم –إن لم يكن كل –مؤسسات ودوائر الدولة من الجمارك والشرطة وقطاعات رخص البناء والتهرب الضريبي وصولا إلى سلك القضاء  ، فقد بات المسؤولون في سورية  يستغلون مناصبهم العامة لتحقيق مصالحهم الشخصية، فتلقوا الرشاوى، وتلاعبوا في إرساء المناقصات على من يعطي أكثر، واستخدموا وظائفهم لتهديد وابتزاز رجال الأعمال والتجار وأصحاب رؤوس الأموال، ومما ساعدهم على ذلك فساد القضاء المصاب بنفس العلل من رشاوي واستغلال للمنصب وهيمنة الأجهزة الأمنية على السلك القضائي برمته، وكذلك فساد الشرطة بمجملها، حتى أصبحت أي مشكلة تحل لصالح من يدفع أكثر بدءا من تحقيق الشرطة وانتهاء بقرار القاضي .

ولا عجب في ذلك كون الهيئات الرقابية المنبثقة عن مجلس الشعب والبلديات وغيرها وصلت إلى مناصبها عن طريق تزوير الانتخابات على كافة المستويات بدءا من انتخاب البلديات ومرورا بانتخاب مجلس الشعب وليس انتهاء بانتخابات رئاسة الجمهورية، وهذه الهيئات ومثيلاتها هي من يصدر عنها القوانين التي تقيد المواطن البسيط الذي تنال منه السلطة لعدم قدرته المالية، فحددت له قوانين البناء، وقوانين الزراعة، وقوانين التوظيف، وقوانين الخدمات، وكلها تسعى للتضييق عليه وإلهائه بقوت يومه، كي لا يفكر بالسياسة، أو يقترب منها، فالوظائف شبه معدومة، وإن وجدت فالأولوية للعلويين وباقي الطوائف من غير السنة إلا من ثبتت موثوقيته لديهم، ورواتب الموظفين لا تتناسب مع احتياجاتهم، مما يساهم في تطبيق سياسة التجويع المتعمدة، وقد واكب كل ذلك سياسة إعلامية وثقافية مبتذلة ومقيتة، تسوق لبشار، وتعظم نظامه الجائر، وتزين للشعب أعماله، وتنشر الرذيلة والفجور في المجتمع  .

 أما الجيش السوري في عهد بشار الأسد، فبالرغم من كونه جيش طائفي منذ عهد الهالك والده، إلا أنه أصبح إضافة لذلك أكثر ترهلا وفسادا، فمنذ انقلاب عام 1970م لم تعد مهمة الجيش محصورة في الدفاع عن الوطن، بل أصبح جيشا حزبيا مهمته الأساسية الحفاظ على أمن النظام، فتحول من جيش وطني إلى جيش طائفي، لا يتجاوز عدد الضباط السنة فيه 15%، والضباط من باقي الأديان 10%، مقابل 75% من الضباط العلويين.

وأما المراكز القيادية فهي من نصيب الطائفة العلوية، ومن يتقلد من السنة منصبا ما يصبح مقيدا ومراقبا بلا قرار أو صلاحيات. ومما أوصل الجيش إلى هذه الحالة هو عزوف ” العائلات السنية” عن إرسال أبنائها إلى الكليات العسكرية والمطالبة بقبولهم فيها، حيث قام نظام حافظ الأسد -وتابع على نهجه ابنه بشار- بالترويج لفكرة أن الجيش قومي وعروبي ومنتمي إلى عقيدة حزب البعث الاشتراكية المحاربة لكل مظاهر البرجوازية والرأسمالية، وعلى رأسهم العائلات الميسورة من أهل السنة، وبالتالي بدأت الكثير من العائلات السنية توجه أبناءها نحو التجارة والأعمال المهنية بعيدا عن الخدمة العسكرية والسلك العسكري، غير عابئة بأن هذا سيجعل الضباط العلويين يسيطرون على كافة مواطن القوة في الدولة من جيش وشرطة وأمن. 

وبهذه الذرائع وغيرها، صادرت كثير من قيادات الجيش أراض زراعية حكومية وحولوها إلى مزارع خاصة لهم، وأقاموا بها المشاريع والأبنية، وسخروا المجندين للعمل بها، ثم شيئا فشيئا سيطر هؤلاء القادة المجرمون على الجيش ومقدراته، فاستبعدوا الضباط الملتزمين دينيا “إلا من أخفى التزامه”، ونهبوا مستحقات المجندين، وتقاضوا الرشاوى مقابل منحهم الإجازات، وأصبحت الروح المعنوية لدى المجندين منهارة، ومن يتطوع في الجيش ثم عرفه على حقيقته أصبح يريد الخلاص منه بأية وسيلة، كما المجند الذي يريد ذلك. وهذا ما كشفه مؤشر مكافحة الفساد في قطاع الدفاع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي صدر في 2015م مبينا تصدر الجيش السوري سلم الفساد في المنطقة، وأن كبار الأفراد داخل مؤسسات الدفاع والاستخبارات السورية ممن لهم علاقة وثيقة بالنخبة الحاكمة عادة ما يكون لهم مصالح مالية راسخة في الموارد الطبيعية للبلاد.  

وليس أدل على فساد هذا الجيش من بطشه وجوره للشعب السوري الأعزل، وتحوله من حارس للحدود “ولو نظريا” إلى حارس وشريك لعصابة آل الأسد التي تنتهج القتل والتدمير والتهجير والسلب طريقا ومسلكا ومنهجا.

 عاشرا -الاقتصاد المتدهور والمسيطر عليه من قبل البرجوازية الجديدة

تبنى حزب البعث الحاكم مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة النموذج الصيني في الإصلاح (إصلاح إداري وانفتاح اقتصادي مع انغلاق سياسي)  ، وهو ما كان يرى فيه الدكتور برهان غليون مفارقة واختيار غير مجد  ، وهذا ما أصبح حقيقة بعد سنوات.
أشار التقرير الوطني الثاني عن الفقر وعدالة التوزيع إلى زيادة نسبة السكان الفقراء، فوفق تقديرات عام 2010م، فإن حوالي 7 ملايين نسمة (تعادل 34,3% من إجمالي السكان) أصبحوا تحت حد الفقر، وتوصل التقرير الوطني الثاني للسكان إلى أن معدل البطالة وصل إلى (16,5) % (3,7 مليون نسمة عام 2009م)  .
قدرت البطالة بصورة غير رسمية ب 32 % (7مليون نسمة عام 2009م)، وقد انخفضت قدرة الناس الشرائية بحوالي 28 % خلال الأعوام العشرة الأخيرة قبل اندلاع الثورة عام 2011م، وتدنت نسبة استهلاك القوى العاملة (16مليون سوري إلى 24 %من الدخل الوطني)، وانخفض مستوى دخل الفرد، وانخفض النمو الاقتصادي، وقدرت الأموال السورية الهاربة إلى خارج البلاد عام 2009م بحدود 135 مليار دولار  .
وانقسم المجتمع السوري إلى طبقة كادحة، وطبقة برجوازية جديدة مكونة نواتها الصلبة من أبناء المسؤولين وأتباعهم الذين تكونت ثرواتهم في كنف النظام وبالاستفادة الامتيازية من عقوده وصفقاته ومشاريعه، ومما تتيحه السلطة من نفاذ امتيازي إلى الموارد العامة في الداخل السوري  . وقد كان رامي مخلوف  ابن خال بشار الأسد رمز هذه الطبقة بفعل تجسد التقاء السلطة والثروة فيه، لكنه ليس إلا الأبرز من عشرات من الحيتان يشبهونه، ويشكلون ما يشبه ناديا منغلقا أيديولوجيته تسمى “التطوير والتحديث”، يقودها أبناء : طلاس، شاليش، الأخرس، مخلوف، سليمان، الشهابي، أصلان، خدام، وغيرهم، حيث كانت “المغانم” كلها لا تتعدى حدود العشيرة الأسدية وأصهارها ، وعدد قليل من مواليها المقربين.

اترك تعليقاً

scroll to top