المعتقلات السوريات.. واقع مرير، وملفات مغلقة.

بقلم وردة الهويدي

امرأة شابة، ترتدي بجامة سوداء، ملقاة جثة هامدة بين كومة من الهياكل العظمية، وطبع على جبينها الرقم(2935). كانت تلك صورة للفتاة السورية “رحاب علاوي”، وهي صورة من آلاف الصور التي سربها العقيد المنشق ” قيصر” ، لضحايا التعذيب في معتقلات النظام السوري.

ورحاب واحدة من آلاف المعتقلات، اللواتي ما يزال مصيرهن غير معلوم لدى ذويهن وعائلاتهن .وصورة رحاب إن دلت على شيء،  فهي تدل على هوية النظام السوري المفرطة في معاقبة معارضيه بوحشية، بل وتذهب  إلى أبعد من ذلك لتبين بأن النظام الأسدي أنتهج سياسات  مدروسة ، هدف من ورائها قمع كل الاحتجاجات الشعبية ضده، ولجم أي ملمح  من ملامح الثورة.  وما اعتقاله لألاف من النساء إلا إحدى تلك السياسات.

ضغط معنوي وابتزاز مادي:

اعتقل النظام واختطف العشرات من زوجات وأخوات وبنات وحتى أمهات المعارضين لحكمه، ممارساً بذلك ضغط عليهم  إما لتسليم أنفسهم أو حجمهم عن المشاركة في الثورة، كما أن اعتقال النظام لنساء معارضيه،  لطالما كانت طريقة ناجعة للضغط على قادة الفصائل وعناصر الجيش الحر، لإرغامهم على إجراء صفقات المبادلة أو إجبارهم على الدخول في مفاوضات مناطقية  معه.

وفي الحقيقة تمكن النظام مرات عدة من الوصول إلى مبتغاه، حيث تنحى الكثير من الثائرين تاركين العمل الثوري، سواء المدني أو العسكري أو السياسي  نتيجة لاعتقال زوجاتهم أو بناتهم..  بالإضافة إلى أن النظام تمكن من عقد صفقات مبادلة، حرر فيها العديد من أسراه من أيدي معارضيه مقابل إطلاق أعداداً  من النساء المعتقلات لديه، وهذه الصفقات وإن كانت ظاهرياً صفقات جيدة، ورحب بها المجتمع الدولي والمبعوثون الأمميون، إلا أنها لم تصب إلا في مصلحة النظام.

عشرات من ملايين الليرات ومئات ألوف الدولارات، ملئت جيوب الانتهازين ومحترفي النصب، الذين استغلوا لهفة أهالي المعتقلات الباحثين بشكل محموم عن مصائر بناتهم . ونشرت وسائل التواصل الاجتماعي عشرات القصص والحكايات عن أهالي معتقلين تم استغلالهم مادياً من قبل تجار الأزمات والحروب. والمتابع لتلك القصص  والمحلل لبعضها سيدرك أن بعضاً من عناصر النظام كضباط وعساكر، كانوا ضالعين بشكل مباشر أو غير مباشر في ابتزاز أهالي المعتقلين مادياً وتجريدهم من كل ممتلكاتهم أحيانا”. وكثيراً ما تم اعتقال النساء من قبل الحواجز الأمنية بهدف الحصول على المال فقط.

تشوهات اجتماعية ونفسية:

لم يكتفي النظام الأسدي بهدم وتدمير البنية التحتية الاقتصادية للمدن والبلدات الثائرة، بل عمد جاهداً وعن عمد إلى هدم وتشويه المنظومة الاجتماعية وزعزعتها أيضاً، و كمثالاً بسيطاً على ذلك، فإن اعتقاله للنساء وزجهن في سجونه تحت تهم باطلة( جهاد نكاح، العمل مع الارهابين، تمويل الجماعات المتطرفة….الخ) ا، أحدث مشاكل اجتماعية  لدى المعتقلات وذويهن، وغالباً ما كانت عائلة المعتقلات محاطة بشعور من الإهانة والذل وانتقاص الكرامة. وفوق هذا كله فإن لفظة ” معتقلة”، أثرت في العديد من النساء اللواتي اعتبرنها كوصمة عار سترافقهن طوال عمرهن.

أنين الزنزانات.. ومواجهات لا ترحم:

منفردات كالقبور، وشَبح حتى الشلل، كابلات وانابيب مصممة لتأكل الجلود الأدمية بشراهة، غرف مخصصة لاغتصاب الروح والجسد، وسجينات تختلط دموعهن مع دمائهن. وتأن الزنازين الحديدة الصلدة وجعاً على سجينة حبلى، وعلى أم تركت أطفالها ورائها، وعلى ثالثة هي يافعة صغيرة.. فالنظام إذ يعتقل لا يخضع لقوانين أو شرائع ، فجل همه هو تنظيف مزرعته الأسدية من أي فرد يفكر ولو بصمت بالتغير أو الحرية.

و لا يتوقف  عذاب المعتقلات حتى بعد نجاتهن من جحيم الزنازين، فهن يتأهبن لمواجهة واقع لا يرحم، وصعوبات فائقة في العودة إلى حياتهن الطبيعية، والتكيف مع محيطهن الاجتماعي. وقد تجد النساء رفضاً لهن من قبل بعض أفراد المجتمع الذين لا يتقبلون فكرة المرأة المعتقلة. وستعاني النساء المعتقلات من اضطرابات نفسية، وربما فصام وانفصال عن الواقع، وسيظل الشعور بعدم الأمان ملاحقاً لهن.

إن أول ما يتبادر إلى ذهن شخص ما عندما يسمع بامرأة معتقلة، هو السؤال التالي: ” هل تم اغتصابها.. هل فقدت عذريتها؟” وهذا السؤال بحد ذاته سيكون أشد إيلاماً وقسوة على المعتقلة من عذابات السجن. بالمختصر أن المعتقلات ينتقلن من ظلمة ضيقة إلى ظلمات أوسع عندما يفرج عنهن.

المعتقلات السوريات والمجتمع الدولي:

تقول ” مريم خليف” وهي معتقلة سابقة من مدينة حماه، إن أبشع أنواع التعذيب الذي كانت تتعرض له، هو ضربها وجلدها بأنبوب أخضر كانوا يطلقون عليه اسم ” الأخضر الإبراهيمي”!. ويعلم الجميع أن “الاخضر الإبراهيمي” هو المسؤول الأممي السابق الذي أوفد إلى سوريا من قبل الأمم المتحدة لحل القضية السورية. وما تلك  التسمية إلا استهزاء وصفاقة واضحة من قبل أفرع النظام ، بالمبعوث الأممي والأمم المتحدة وعلى مرأى ومسمع الجميع.

كانت أولويات وجداول أعمال المبعوثين الدوليين إلى سوريا، بداية من السيد الدابي ومروراً بكوفي عنان والاخضر الابراهيمي ووصولاً إلى السيد ديمستورا، تتضمن شرطاً ملحاً وضرورياً لوضع القضية السورية على مسارها الصحيح، وهو إطلاق سراح المعتقلات السوريات. ولكن ماكان يحدث هو جملة من الاحتيالات والالتفافات التي يقوم بها النظام، فيطلق النظام  سراح المعتقلات بموجب صفقات تبادل، أو أنه يعمل على تحرير أسر نسبة ضئيلة من النساء المعتقلات بيده اليمين، ويعتقل مكانهن عدداً أكبر بيده اليسار. وعلاوة على هذا كله فلم يجري فعلياً محاسبة أي من المسؤولين عن عمليات التعذيب الممنهجة، أو إخضاعهم للمسائلة والمحاكمة.  حتى أنه وعلى العكس تماماً أصبح ملف المعتقلين اليوم، من أواخر الملفات التي يتم تداولها دولياً وأممياً، ولايزال هذا الملف ورقة الضغط الرابحة التي يملكها النظام، بعد أن تملص منها داعميه وحلفاؤه الروس والإيرانيين.

خاتمة:

يشدد القرار(1325) والمجمع عليه من قبل مجلس الأمن في 31 أكتوبر/تشرين الأول عام 2000، على أهمية مشاركة المرأة وعدم تجاهل دورها في حل النزاعات وبناء السلام، والعمل على منع العنف ضدها من خلال تعزيز حقوقها، ومحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب مثل العنف الجنسي.

ويتحدث العالم مؤخراً عن مفاهيم ومصطلحات مثل ” الجندر” و”النسوية”.. وتتهافت المنظمات الانسانية العالمية والدولية والمحلية، على إقامة مشاريع في مناطق النزاع والصراع، هدفها تمكين النساء اقتصادياً وسياسياً، وتوعية المجتمع بضرورة إقحام النساء في صنع القرارات.

 وعلى مسافة ليست ببعيدة عن القرار (1325)، وعن  ضرورة إيقاف العنف ضد المرأة ، توثق  الشبكة السورية لحقوق الانسان في عام 2017، ما يزيد على (7500) امرأة سورية لا يزلن قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري!.

اترك تعليقاً

scroll to top