المعتقلون…جرح الثورة النازف

إعداد د. عبير حسين

” ناشطة إنسانية وحقوقية في الثورة السورية”

تهتم بقضايا وحقوق المرأة

انطلقت ثورتنا المباركة بهتافات تدعو للحرية والكرامة, من حناجر متظاهرين سلميين, تخطوا حاجز الخوف الذي عشناه لأمد طويل في ظل طاغية لا يتقن سوى لغة التنكيل والقتل, ولأنهم امتلكوا الجرأة والقوة والشجاعة, إضافة إلى الفكر النير والوعي – وهو مالم يستطع النظام تحمله- بدأ حملة اعتقالات واسعة طالت كل من تظاهر ضده, فاكتظت سجون النظام بمئات الآلاف  من المعتقلين ممن عبروا عن رأيهم, وسعوا وراء ما هو من حقهم.

تعامل معهم بوحشية بالغة, ضاربا عرض الحائط كل الاتفاقيات والقوانين الدولية الخاصة بالتعامل مع معتقلي الرأي, التي أقرت القواعد النموذجية للتعامل مع السجناء مثل التعامل معهم معاملة إنسانية, والحفاظ على كرامتهم, وحق الدفاع عن أنفسهم, وهذا مالم يحترمه النظام أبدا, بل على العكس تماما, بَالغ في الوحشية حيالهم حتى أنه قضى تحت التعذيب –المحرم دوليا- أعدادا كبيرة جدا من المعتقلين.

ولم تحرك كل الجهات الدولية المختصة ساكنا حيال الامر, مما أفسح له المجال للتعنت أكثر والاستمرار في فعله الشنيع.

لازالت قضية المعتقلين تشكل أحد أهم القضايا على الإطلاق, وكانت الشغل الشاغل للكثير من الهيئات القانونية والحقوقية, كما أنها كانت جزءا هاما من ملفات التفاوض, وللأسف دون تقدم يذكر.

ومؤخرا, وبعد التغيرات السياسية الحاصلة على الساحة السورية, ودفع المجتمع الدولي باتجاه العملية السياسية ما أمكن, عمد النظام إلى التعامل مع ملف المعتقلين, محاولا التخلص منه, لأنه يشكل عليه ورقة ضغط كبيرة, ربما تعرضه للمساءلة والمحاكمة  في المحاكم الدولية, حيال مصير الكثيرين من المختفين في سجونه على خلفية سياسية, فالجرائم التي ارتكبت بحقهم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ,وجرائم حرب وانتهاكات صارخة لحقوق الانسان, وبما أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم, بدأ بالتخلص منهم بمنهجية متعددة الخطوات, أولها (قوائم الموت) التي تقوم على إرسال شهادات وفاة للكثير من المعتقلين لذويهم معللة أن موتهم يعود لأسباب طبيعية, ليخفي بها أسباب موتهم الحقيقي، وهو التعذيب حتى الموت, أو ربما القتل المتعمد.

مؤخرا وخلال الايام القليلة الماضية؛ أرسل أحد السجناء في سجن حماة المركزي نداء استغاثة, يبين فيه نية النظام إرسال معتقلي الرأي إلى صيدنايا للتخلص منهم.

وقد شهد هذا السجن اعتصامات عدة, نفذها السجناء بسبب الأوضاع المأساوية التي يعانونها, ووحشية النظام في التعامل معهم, والخالية تماما من الحد الأدنى لاحترام الكرامة الانسانية, وكان رد النظام على الاعتصامات قاسيا ووحشيا, وبما أن هذا السجن كان له أثرا واضحا في تحريك الرأي العام حيال قسوة النظام و وحشيته في التعامل مع السجناء, كان لابد ان يتخلص ممن فيه, لكيلا يشكلوا دليلا إضافيا عليه.

إضافة إلى أحكام الإعدام التي أصدرها النظام مؤخرا بحق العديد من نزلاء هذا السجن, على خلفية التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي فقط, صادرة عن محاكم الارهاب الغير قانونية وغير دستورية أيضا, لأنها تابعة أصلا لأجهزة أمن النظام, بعد محاكمات صورية تفتقر لأدنى مقومات العدالة المحددة في المواثيق الدولية, ليتم التخلص منهم لكيلا يسببوا له ضغطا دوليا في أي استحقاق قادم على البلاد.

إن التعامل مع ملف المعتقلين جزء من نهج النظام الذي اتبعه منذ اللحظة الاولى لانطلاق ثورة الكرامة, وهو نهج التخلص من كل من ثار ضده, سواء كان سلاحه الكلمة أو البارودة, فكلاهما خطر, وكلاهما هدفه الحرية.

ولأن معتقلينا هم جرح ثورتنا النازف, وهم أول من تصدى لجبروت النظام, تتعالى الأصوات في مظاهراتنا, مطالبة بالإفراج عنهم ومحاكمة معتقليهم, خاصة بعد الخطوات الأخيرة بالتخلص منهم, فقد بات واضحا تخبط النظام في هذه القضية الخطيرة جدا عليه.

ونحن بدورنا كسوريين أحرار نطالب بالإفراج عنهم, والكشف عن مصيرهم بأسرع وقت ممكن, ونحمل قضيتهم إلى كل المحافل الدولية وصاحبة الشأن، والهيئات القانونية علّ جهودنا تشكل رأي عام ضاغط ينير لنا مصيرهم المجهول.

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top