(بعد ثلاث سنوات عن أي انتصار ستتكلم روسيا؟!)

 

بقلم العقيد الركن فاتح فهد حسون

 

بعد مشهد دام لأربع سنوات من انطلاق الثورة السورية المباركة، وعجز النظامين السوري والإيراني عن ترجيح كفة المعركة لصالحهم، جاء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية بموافقة ما يسمى البرلمان ومباركة الكنيسة الشرقية لتحقيق حلم روسيا  للوصول إلى المياه الدافئة و الذي يعود لأيام القياصرة ، مبررة ذلك بحصولها على طلب رسمي من النظام السوري للمساعدة في مكافحة الإرهاب، معبرة لاحقا على لسان رئيسها أن العمليات في سورية تعد تدريبات عسكرية ذات كلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية.

لا يخفى على ذي بصر وبصيرة  أن الروس بتدخلهم العسكري غيروا المعادلة لصالح نظام بشار الأسد، وتسببوا بعشرات آلاف القتلى والجرحى، إضافة إلى عمليات تهجير السوريين من مدنهم وقراهم، واستخدام السلاح الكيماوي تحت أنظارهم عشرات المرات. لقد أخفق الروس في البداية في تحويل مجرى الصراع لصالح النظام  من خلال الحرب التقليدية والمواجهات مع الفصائل الثورية ،ونجحوا بذلك عندما اعتمدوا على تاريخهم الحافل بالانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان باتباعهم لسياسة الأرض المحروقة وتركيز القوة النارية على المدنيين والبنى التحتية دون الالتفات إلى أية معايير أخلاقية أو قيم إنسانية ، فبعد أن كان نظام بشار الأسد يسيطر على نحو 22% من مساحة سوريا الكاملة في الأشهر الأخيرة من العام 2015، فقد تخطت هذه النسبة 48% من المساحة الكلية لسوريا  حيث يسيطرعليها الروس والإيرانيون اليوم ، و ليصبح نظام بشار الأسد بلا قرار ولا سيادة .

ومن خلال الخبرة الكبيرة للروس في حروبهم المخزية وخاصة في الشيشان التي هددوا بتطبيقها عند أول لقاء لنا معهم في مباحثات الأستانة عمدوا إلى تقسيم المعركة التي بدأوها إلى ثلاث مراحل: 

* مرحلة تعزيز التواجد العسكري: والتي جرى خلالها نقل المعدات العسكرية إلى سورية، وتوزيعها وفق معطيات جولات الاستطلاع التي قام بها الخبراء الروس العسكريون المبتعثون إلى سوريا سابقا ، إضافة إلى المتواجدين منذ سنوات فيها و المقدر عددهم بألف خبير حينها،  وهم يملكون معرفة كافية بالجغرافيا السورية والسكان على حد سواء ، وقد عمدوا بعدها إلى تأهيل وصيانة العديد من القواعد البرية والجوية والبحرية بموجب اتفاقيات إيجار موقعة مع النظام عامي 2015 و2016  لتكون قاعدة انطلاق لعملياتهم العسكرية، وأهم هذه القواعد التي احتلها الروس هي ” قاعدة طرطوس البحرية” و “قاعدة حميميم الجوية”  وقد  أصبحت هذه القاعدة الأهم في إنقاذ النظام وإخراجه من عنق الزجاجة، بعدما تمكنت الفصائل الثورية من تحقيق انتصارات عسكرية هددت وجود النظام في الشمال الغربي لسوريا، وأصبح معقله التبادلي (اللاذقية) قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

*مرحلة تطبيق سياسة الأرض المحروقة على المدنيين: حيث عمد الروس خلال هذه المرحلة إلى توجيه الضربات الجوية المكثفة واليومية وبكافة أنواع الطيران على الحاضنة الشعبية للثورة في مختلف المحافظات والمناطق الثائرة معتبرة إياهم حقل تجارب لأسلحتها المدمرة، وكان الهدف إضعاف الروح القتالية للفصائل الثورية في تلك المناطق وإجبارهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، حيث استخدم الروس الطيران الحربي الاستراتيجي والقاذف والمقاتل والحوامات القتالية والمضادة للدروع والقطع البحرية ، إلى جانب القطع والبوارج البحرية بكثافة نارية هائلة على أهداف مدنية وعسكرية على حد سواء ، مما أحدث صدمة للشارع الثوري بسبب شدة الدمار الذي تركته ذخائر الطائرات والبوارج كالقنابل العنقودية و الارتجاجية والفراغية والفوسفورية والمحرمة ، إلى جانب مختلف أنواع الصواريخ منها صواريخ كالبير. مما أدى لسيطرتها على ريفي اللاذقية الشمالي والشرقي وأجزاء من ريفيْ حلب الجنوبي والشرقي، فضغطت باتجاه إحياء مفاوضات جنيف المعلقة لتحقيق مكاسب سياسية لصالح النظام، بينما ضغطت واشنطن باتجاه إنشاء هدنة عسكرية تثبت الواقع العسكري الجديد. وسارت الأمور باتجاه الهدنة التي قبلت بها موسكو من باب الفخر بالانتصارات العسكرية التي حققتها، وتأتي بعد انتهائها الهدنة الثانية التي كانت هشة بكل المعايير ولتظهر النتائج بعدها من خلال استكمال موسكو لسياسة الأرض المحروقة في مدينة حلب التي بسطت سيطرتها عليها بالحديد والنار في ظل عجز دولي وصمت أمريكي، فكان التدخل التركي الفاعل لإيقاف الانهيارات العسكرية للثورة السورية بإطلاق مباحثات الأستانة.

مرحلة الاستثمار:برز في هذه المرحلة الخلاف الروسي الإيراني الذي يجسد الحالة الطبيعية للتدافع بين ملفات الدول حول مصالحها في سوريا ، وجاءت المرحلة -التي لا يتقن فنها الإيرانيون غير المرضي عنهم أمريكيا-، فعمد الروس في هذه المرحلة بما يتعلق بمفاوضات جنيف إلى إعادة ترتيب هيكلة هيئة المفاوضات السورية ، بحيث تضم قوى قريبة منها كمنصة موسكو وقوى أخرى تقف في الوسط بين النظام والثورة ، وتابعوا في مفاوضات أستانة بكافة مراحلها من مناطق خفض التصعيد وصولا إلى ملفات المعتقلين وتحويل مسار الأستانة إلى مؤتمرات سوتشي. وبدأوا بخلق جولات تفاوضية مستقلة في المناطق المحررة بدءا بالغوطة الشرقية ثم ريف حمص الشمالي ثم الجنوب السوري، ونصبت نفسها ضامنا في حين كانت هي العدو اللدود، وذلك من خلال زرع العملاء وشراء الذمم وإطلاق الوعود وإعطاء الضمانات. واستكملت مرحلة الاستثمار بالسيطرة على كامل الغوطة ثم حمص ثم درعا، وصولا لملف إدلب الذي تم الاتفاق حوله في قمة سوتشي الثنائية بين الرئيسين التركي والروسي، وهنا ظهرت مرحلة جديدة أمام الروس قد تنسف كل ما قاموا به سابقا، ويمكن تسميتها “عقدة معركة إدلب” التي قلبت الطاولة عليهم.

بالرغم من وجود موافقة ضمنية أمريكية على شن روسيا معركة للسيطرة على إدلب دون تدخل إيراني ، وهذا يوافق المصالح الروسية التي باتت تتدافع مع المصالح الإيرانية في سورية ،إلا أن روسيا لا تمتلك القوات البرية الحليفة لطائراتها على الأرض والقادرة على تنفيذ المعركة، فقد فشلت في استقدام مقاتلي فصائل المصالحات ، وفشلت في إدخال قوات سورية الإرهابية في المعركة ، وفشلت في تعبئة العدد الكافي من المقاتلين ممن تبقى من جيش النظام ،وكانت شروط المعركة لا تصل لمستوى استعدادات وحجم قوات الثورة السورية والمواجهة التي يمكن أن تحدث معها ، لا سيما أنه قوبل قصفها وتهديدها بتعزيز عسكري تركي غير مسبوق كما ونوعا لنقاط المراقبة التي تنتشر في محيط منطقة إدلب ، وبنجاح تركي سياسي ودبلوماسي بحشد المجتمع الدولي ضد المعركة  فأوحت بأنها انصاعت لمناشدة المجتمع الدولي لإيقاف معركة إدلب في الوقت الذي كانت فيه عاجزة عن شنها، وكانت القمة الثنائية في سوتشي بين الرئيسين التركي والروسي التي تؤدي نتائجها إلى بقاء إدلب محررة عصية على الروس تديرها الثورة السورية مع المناطق المحررة المتصلة بها .

مؤشرات الفشل الروسي في سوريا

بعد ثلاث سنوات من التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية نجد أن روسيا التي وقفت مع المجرم بشار الأسد في حربه على الشعب السوري لم تحقق ماكانت تصبو إليه من خلال تدخلها السافر والمباشر بقضها وقضيضها فقد :

– أيقنت أن المجرم بشار الأسد   كان ورطة كارثية عليها .

– كما نجح المعسكر الغربي في استدراج الدب الروسي  إلى المستنقع السوري .

– ،لقد حولت روسيا سورية إلى ساحة أكبر نزاع دولي وإقليمي متعدد الأقطاب في القرن الحادي والعشرين .

–   وفشلت في القضاء على الثورة السورية على الصعيدين العسكري والسياسي، – – وفشلت في بسط نفوذ النظام على المناطق المحررة .

–  وفشلت في السيطرة على الأراضي الغنية بالموارد الاقتصادية المسيطر عليها من الولايات المتحدة في شمال وشرق الفرات.

–  وفشلت في القضاء على الإرهاب التي ادعت أنها جاءت لمحاربته.

–  وفشلت في حماية مصالحها في سورية وفق ما كانت ترغب به .

–  وفشلت بمقايضة الولايات المتحدة بالملف السوري مع ملفات أخرى .

–  وفشلت في إرغام الغرب أن  يتعامل معها بندية كقوة عظمى.

–  وفشلت في رفع العقوبات الاقتصادية عنها .

–  وفشلت في الإيفاء بالتعهدات والاتفاقيات المختلفة التي أبرمتها  حتى باتت بلا مصداقية.

–  ودخلت مع حليفتها إيران في منافسة على النفوذ .

–  ودخلت في توتر علاقات مع إسرائيل بعد فشلها في كبح جماح القوات الإيرانية.

–  وبسطت تحت ناظريها حليفتها تركيا نفوذها على شمال غرب سورية بشكل لا يمكن التراجع عنه إلا لصالح الثورة .

–  وشكلت بتعنتها وسياستها اللاأخلاقية تحالفا دوليا مضادا سيجعلها معزولة مع الأيام .

–  واستنزفت مقدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية .

–  وشاركت النظام في تحمل مسؤولية عشرات جرائم الحرب ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم .

–  وأما فشلها الذريع فهو عدم قدرتها على إعادة الشرعية للنظام.

–  وعدم قدرتها على استقدام أموال إعادة الإعمار في ظل وجود نظام بشار الأسد المجرم .

فبعد ثلاث سنوات عن أي انتصار ستتكلم روسيا ؟!

 

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top