((المشروع الإيراني إلى أين))

 

  العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء الأحرار

بعد مخاض عسير، الجمل يلد فأراً مشوهاً.

هذا حال الجانب الإيراني الذي اعتمد سياسة الخنوع وامتصاص الضربات المتلاحقة لمواقعه في سوريا من قبل إسرائيل، وكحليفه نصر الله عندما يتحدث عن حربه مع الصهيونية؛  ويستهدف السوريين الذين هم برأيه أدوات اسرائيل، كذلك الأمر بالنسبة لإيران التي ردت على الضربات الإسرائيلية باستهداف مواقع شرق سوريا تحت عنوان ((استهداف مواقع إرهابية))، لكنها تمنت لو أنها لم تفعل، بل وأصابها ندامة الكسعي مع فارق أن سهام الكسعي بلغت أهدافها، لكن الصواريخ الإيرانية أصابها الوهن واستراحت على رمال الصحراء العراقية، بل ومنها أبى أن يغادر مسقط رأسه.

وللحديث عن الضربات الصاروخية الإيرانية لابد من معرفة العوامل والشروط التي سبقتها، فالمتتبع للأحداث الجارية وبشكل خاص في منطقتنا العربية يرى بوضوح مخاضات لأمور كبيرة قد يكون منها انتقال المواجهة من الوكلاء إلى الأصلاء، وبشكل خاص إذا ما استمر التصعيد شديد اللهجة الجاري اليوم المتزامن مع الحشود العسكرية الضخمة للفرقاء، وما يتم تبادله بين الفينة والأخرى من رسائل القوة و إشهار العضلات والتحدي التقني من قبل الأطراف المتنافسة على النفوذ، وكلنا شهد التصعيد الأخير بين روسيا وإسرائيل على خلفية إسقاط الطائرة الروسية   .

وبالنسبة لإيران كبلد يسعى نحو تصدير الأيديولوجيا والتمدد على حساب جيرانه العرب، وجد مَنفذ وبارقة أمل نحو تحقيق هذا الحلم من خلال تقاطع المصالح المعمول به حالياً مع الروس، وبالارتكاز على قوى طائفية محلية وجد فيها ضالته لتحقيق ما يصبو إليه.

لكن حلم إيران التوسعي بكل تأكيد لن يروق للقوى الكبرى وخصوصاً الولايات المتحدة الامريكية التي تشرف على الترتيبات الإقليمية اليوم، ولا لحليفتها اسرائيل.

فإيران تُرك لها الملعب العراقي وهي تُحرك لبنان كما تشاء عبر وكيلها حزب الله هناك، لكن أن تدخل سوق المنافسة في نادي الكبار فهي بكل تأكيد لا تملك ثمن تذكرة الدخول ((لا عسكرياً ولا اقتصادياً ولا غير ذلك)).

وهذا ما يفسر الاستهداف المتكرر للمواقع الإيرانية في سوريا، وأيضاً الطلب “الامريكي والإسرائيلي” من روسيا لإخراجها من سوريا.

بدورها إيران وبعد أن شعرت بتعرض سمعة قوتها لانتكاسة كبيرة، وبشكل خاص مع استباحة سلاح الجو الإسرائيلي لمواقعها في سوريا، وبعد الخرق الأمني الكبير الذي تعرضت له من خلال استهداف العرض العسكري الذي جرى مؤخراً في الأحواز، والذي حصد أرواح عدد كبير من النخب العسكرية المشاركة في العرض، أرادت رد الاعتبار لسمعتها المنهارة، وإعادة الروح المعنوية لعناصر قواتها المسلحة الذين تدهورت معنوياتهم كثيراً بعد هذه الأحداث المتلاحقة.

فقامت إيران ومن خلال التقنية الصاروخية التي تعتد بها بإطلاق مجموعة صواريخ باتجاه شرق سوريا، بذريعة استهداف مواقع لـ”داعش في المنطقة، لكن هذه الصواريخ ومن خلال الرصد الغربي، وبشكل خاص رصد واشنطن لكل حراك عسكري في المنطقة، تبين الفشل الذريع لهذه الصواريخ، وبدل رد الاعتبار تلقت التقنية العسكرية الإيرانية صفعة أُخرى، حيث تعرضت هيبة الصناعة العسكرية التي أفقرت الشعب الإيراني إلى هزيمة نكراء، وأثبتت بالدليل القاطع عدم قدرتها على مُجاراة سباق التسلح الذي يحتاج إلى الإمكانات المادية الهائلة، كما يحتاج إلى تراكم الخبرات والمعارف  .

إذاً إيران أرادت من خلال الضربة الصاروخية حصد أكثر من نتيجة:

–  إعادة الهيبة لقدرتها العسكرية.

–  إعادة الروح المعنوية لعناصر قواتها المسلحة بعد الانتكاسات المتلاحقة.

–  توجيه رسالة لبقية اللاعبين لتقول أنها تمتلك من القدرات والمقومات ما يؤهلها للشراكة معهم، وبشكل خاص في ملف محاربة الاٍرهاب الذي أصبح شماعة لكل من يريد الاستثمار السياسي.

 –  والأهم من هذا كله لحرف الأنظار عن قضية شعب عربي أحوازي مضطهد، ويقع تحت الاحتلال الإيراني الذي يذيقه الأمرين (لأنه بالنهاية من استهدف العرض العسكري هي المقاومة الأحوازية، وإن كان هناك محاولات بائسة للصق التهمة بالإرهاب).

ولأن سلاح الصواريخ هو الأداة الأولى بيد إيران، والذي تعتبره ذراعها الطويلة فقد كانت الصدمة كبيرة عليها، فإيران تنتج عدد كبير من الصواريخ متنوعة المدى، وذلك كوّن إنتاج الصواريخ أقل تكلفة من إنتاج الطائرات، وأيضاً لاعتبارات سهولة التصنيع، لكن المشكلة أن الصواريخ الإيرانية وبشكل خاص البالستية يمكن استهدافها من خلال منظومات الدفاع الجوي، لأنها تأخذ المنحى القوسي في خط سيرها نحو الهدف إضافةً لعيوب التصنيع التي تظهر، وآخرها كان مع الضربة الصاروخية التي استهدفت شرق سوريا، عكس الصواريخ الامريكية  .

فعلى سبيل المثال لو أجرينا مقارنة بسيطة بين هذه الصواريخ الإيرانية وبين الصاروخ الامريكي ((توماهوك أو كروز)) والذي ينتمي إلى تصنيف الصواريخ الطوافة أو الجوالة، فسنجد أن الصاروخ “توماهوك” يصيب الأهداف حتى النقطية منها بدائرة قطرها ٥ متر، كما أنه يستحيل التشويش عليه كون توجيهه ذاتي من خلال مطابقة معلومات المسار مع المعلومات المخزنة مسبقاً في ذاكرته، حيث توجد كاميرا تلفزيونية في مقدمة الصاروخ لهذه الغاية، كما أن إصابته بالمضادات الارضيّة شبه مستحيلة لأنه يطير على ارتفاعات منخفضة متتبعاً شكل تضاريس الأرض حتى منطقة الهدف، ومن هنا أتت تسمية الطوافة أو الجوالة (وغالباً ما يحافظ على ارتفاع ٤٠ متر على كامل مساره ).

أما الصواريخ البالستية الإيرانية فإن مسارها قوسي، وبالتالي فإن اصطيادها بوسائط الدفاع الجوي سهل، ومن غير المستغرب إن قلنا أن الولايات المتحدة هي من أسقطت الصواريخ الإيرانية، لأننا نعلم أن عنصر المفاجئة هو الأهم دائماً في عناصر أي عمل عسكري.

وبالتالي نحن أمام فشل إيراني كبير في الوصول إلى إثبات الذات مع بقية اللاعبين الدوليين، وهي مهددة دائماً بطردها من سوريا بعد كل الاستثمار والخسائر التي قدمتها هناك.

اترك تعليقاً

scroll to top