إدلب جدار الصد  

 

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة

وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب والاُدباء السوريين الأحرار

إدلب التي عند تخومها توقفت أحلام اليقظة للنظام وحلفائه…

إدلب ليست المكان كما أي مكان، وليس السكان كما أي سكان…

هنا نخبة ثوار سوريا الذين ضحوا بكل شيء لأجل الحرية والكرامة…

هنا المقاتلون الذين تخرجوا من الأكاديمية العليا للخبرة بعد ثمان سنوات من المران والتمرس في ميادين وساحات القتال السورية…

هنا الجموع البشرية التي فضلت خيام النزوح على قراهم وبلداتهم وبيوتهم طالما وطأتها أقدام الغرباء والغزاة…

هنا تَلاحمَ الثَوري من الجنوب والوسط مع أخيه الثَوري من الشمال ليكونوا يداً واحدة في قوام قتالي لا يقل عن خمسة وثمانون ألف مقاتل جاهز للذود عن الأهل والكرامة…

أدرك النظام وحلفائه هذه الحقائق وأدركوا أن التقدم هنا مستحيل، والمعادلة لها وجهتين لا ثالث لهما:

  • إما الغوص في مستنقع لا أحد يعلم نتائجه.

  • أو الدخول في الممنوع واستخدام السلاح الكيماوي المحرم دولياً، والذي غمز النظام والروس من هذه القناة وإن كان باتهام الطرف الآخر باستخدامه، لكنها إشارة أصبحت مكشوفة وغبية تلقفها المجتمع الدولي وخصوصاً في أوروبا وواشنطن بتحذير النظام وحلفائه من استخدامها.

أما كل ما رَوَج له النظام وحلفائه عن اجتياح إدلب والهجوم على إدلب لا يعدو أن يكون حرب نفسية بالية في الإعداد والمحتوى، وحتى في أدوات التنفيذ من خلال الذين سعوا للترويج لمصالحات ((الاستسلام))، والذين كانت عين الثورة متيقظة لهم، فقد لاقوا الفشل الذريع في مسعاهم ومنهم من كُشِفَ أمره ووقع بيد الثوار.

وكان الرد الأكثر بلاغة وصدقاً على لسان الجماهير التي ملأت ساحات الشمال السوري، والتي هتفت للحرية وإسقاط النظام، والتي تزامن حراكها الثوري مع حراك اللاجئين السوريين في بلاد الاغتراب لينقلوا للعالم أجمع صورة ناصعة البياض لثورة الشعب السوري، والتي تحمل أهداف سامية في تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش المشترك.

فالتعويل الإعلامي والحرب النفسية حول معركة إدلب؛ والتي للأسف إنساق وراءها كثير من نشطاء الثورة وإعلامييها، ورددوا ما يروجه النظام عندما كانوا يُعبرون عن تخوفهم من الحرب على إدلب، والحقيقة أنها فصل سخيف من مسرحية الحرب النفسية، وأن تحقيق النظام لنصر في إدلب هو هراء من كل جوانبه العسكرية والسياسية والإنسانية، وفوق كل هذا وذاك الاعتبارات الإقليمية والدولية.

فمن وجهة النظر العسكرية فإن إدلب تحتوي على أكثر من خمسة وثمانون ألف مقاتل يتمتعون بخبرة القتال الفريدة من نوعها بعد سنين الصراع الثمانية، وهم لا يقاتلون دفاعاً عن الأرض والعرض والأهل والعقيدة فقط، بل فوق هذا كله هم يقاتلون في معادلة صراع البقاء، وكلنا يعلم أنه ((لا إدلب بعد إدلب الْيَوْمَ)) والصراع هنا حتى النهاية.

ومن بديهيات العلم العسكري أن تترك لعدوك المطوق طريق ثالث ليفكر بالهرب من خلاله، وألا تُحكم عليه الطوق لكي لا تجعل منه مارداً يقاتلك في نظرية صراع الوحوش الكاسرة، ناهيك عن أن القوات المهاجمة يجب أن تكون ضعف القوات المدافعة، وبالتالي يتوجب على النظام زج مئتا ألف مقاتل إذا فكر جدياً في معركة إدلب وهذا الرقم ضرب من ضروب المستحيل.

كما أن الاستخدام المفرط للطيران لن يوقع الخسائر في صفوف المقاتلين، بل سيطال المدنيين والبنى التحتية ببساطة لأن المقاتلين حَضّروا التحصين الدفاعي والتمويه والقموع الفردية، واستفادوا من خصائص الأرض وفوق هذا يمتلكون مراصد تزودهم بالمعلومات عن الحركة الجوية، وبذلك يجعلون تأثير الطيران بحدوده الدنيا عليهم.

كما أن تكتيك جديد يتحدث عنه الثوار إذا ما قامت الحرب، ويتلخص في الأعمال القتالية المركبة التي تشمل الدفاع عن إدلب وبذات الوقت بدء الهجوم على حلب، وقد يكون على حماه وحلب معاً.

أما على الصعيد الإنساني والسياسي:

فهل يتحمل بوتين تبعات كارثة إنسانية في حال الاستخدام المفرط للطيران، أو حال استخدام النظام للسلاح الكيماوي على منطقة مكتظة بأبناء البلد ومعهم إخوانهم النازحين من بقية المحافظات.

 وبالنسبة للاعتبارات الدولية المستجدة فإن الغرب عموماً ومن خلفه واشنطن يدركون أن هذه الجموع البشرية الضخمة في الشمال، والتي تبلغ زهاء أربعة ملايين إنسان إذا ما اعتمدت سياسة الأرض المحروقة من قبل الروس فإنهم سيجدون طريقهم فوراً إلى الشريط الحدودي مع تركيا، ومنها إلى أوروبا، وهذا ما حذرت منه تركيا مراراً، مع ما سيحمله هذا الطوفان البشري من مخاطر على القادة الأوربيين الذين يعانون أصلاً من مشاكل مع اليمين الذي يعارض سياسة فتح الباب للاجئين، وخصوصاً إذا ما استغلت عناصر إرهابية الفرصة التي ستكون سانحة وتسللت إلى العمق الاوروبي، فعندها لن تكون الحكومات المعتدلة الحالية في مأمن من السقوط وتبعاته الكارثية على الساحة الدولية، وهذا ما يفسر وقوف الناتو بصلابة إلى جانب تركيا ضد العمل العسكري الشامل في الشمال السوري.

ويبقى حلم بوتين بالإعلان عن النصر مجمداً عند أسوار إدلب طالما أن العاصمة الاقتصادية للبلاد ((حلب)) مقطوع عنها الشريان الذي يربطها بقاعدة حميميم واللاذقية طالما أن الطريق الدولي ((حلب، اللاذقية)) مسيطر عليه في ثلاثة مدن هامة في إدلب هي ((سراقب، أريحا، جسر الشغور)).

ولن يكون دخول إدلب ممكناً دون الدخول الحقيقي في العملية السياسية التي تنصف الشعب الثائر وفق مرجعية جنيف والقرار ((2254)) والانتقال السياسي.

اترك تعليقاً

scroll to top