((زهرة وأخواتها)) 

 نجوى العلي

  سبع سنوات وما يزيد والحرب على سورية كل يوم تأتي بويلات جديدة وآلام كثيرة قاهرة متعددة بالشكل واللون، مُرة بطعم العلقم والقهر الذي لا يضاهيه قهر. تنشر آثارها في كل مكان، وفي كل شيء وتدمر من الشجر والحجر، ما يندى له الجبين ولكن أشد أشكال الدمار قهراً هو الدمار البشري الذي يهزم في الأرواح كل سعادة وفرح ويقتل حتى الإرادة والأمل فيها؛ إلا ذلك البصيص الذي يبقى لينقذ روحاً أو أرواحاً محتاجة له. ذلك البصيص يسكن دائماً شخصية مثالية أو استثنائية ليكبر وينشر أثره في كل مكان يحيطه …. كذلك هي ((زهرة )) المرأة السورية الثلاثينية ذات الابتسامة الجذابة والبشرة السمراء الداكنة القادمة من شمال شرق البلاد. زهرة الأرملة الصبورة والأم الحاضنة لطفلين وديعين تركهما ذلك البطل الذي رحل ليدافع عن أرضه وعرضه ولحق بموكب الشهداء الأبطال. سنوات قليلة من السعادة مرت على زهرة في زواجها ليكتسح الحزن والشقاء حياتها بعد استشهاد زوجها، وحملها لمسؤولية وأمانة كانت تبدو لها ثقيلة بثقل هم الجبال وهي بعيدة عن كل ذي صلة قربى.

بدأت زهرة رحلتها في البحث عن أسرتها التي غادرتها عروساً منذ زمن لتجد حالهم ليس بأفضل من حالها، فقد استشهد الأخوة الثلاثة سند العائلة، ومات الأب حزناً عليهم وبقيت الأم وحيدة بين جدران منزلها الكئيب الذي أصبح كل ما فيه يبكي على فراق الأحبة|… سافرت باتجاه تركيا بحثاً عن شقيقاتها الثلاث اللواتي علمت بمصائب نزلت بهن لا تقل عن مصيبتها… وجدت أخواتها والتم شملهن وسط بكاء ونحيب يقطع الأوصال، فقد كانت زهرة أكبرهن، ووجدت أخواتها ما بين مطلقة وأرملة منكوبة وكل واحدة منهن لديها طفلين أو أكثر لم يكن لهم الحظ الوافر بمعرفة آبائهم، ولا حتى حفظ صورة وجوههم بذاكرتهم الصغيرة… وجدت نفسها وسط هذا الواقع المؤلم رب أسرة فَرض عليها أن تكون مرشدهم وموجههم وراعيهم وتعيش معهم في غرفتين صغيرتين أربعة أمهات وعشرة أطفال…أربعة أرامل بعمر الزهور يصبغ وجوههن الحزن والألم والحسرة على ما فقدوه من الأهل والوطن وحتى المستقبل… جاءت أكثر من فرصة لزهرة لتخرج من هذا الواقع المرير وتنسى ما عاشته من مشاهد قتل وتدمير وتهجير وفقدان الأحبة ولكنها رفضت وبشدة… رفضت أن تترك أخواتها الأرامل الشابات وأطفالهن الأبرياء قبل أن تعرف ماذا سيكون مصيرهم  ونصيبهم من الحياة… بابتسامة حزينة تتصنع فيها زهرة أنها بخير تقول: استيقظ كل يوم لأذهب إلى السوق فابتاع منه ما يكفي لسد رمق هذه الأسرة الكبيرة، وأعود لأقوم بأعمال البيت كاملة وأرعى كل هؤلاء الأطفال الصغار، واعتني بهم في حين تذهب أمهاتهم للسعي للعمل والرزق ويعدن مساء منهكات القوى؛ يأكلن ما يقع تحت نظرهن من طعام دون أن يتذوقوا طعمه ولذته، ويخلدن للنوم باكراً كي يبدأ لهن يوم جديد آخر لا يختلف عن سابقه بطعم التعب والبؤس والمرار.

تقضي زهرة جل وقتها بالاهتمام بدراسة الأطفال واللعب معهم مسايرة ابتسامتهم وطفولتهم البريئة رغم حزنها القاتل…كيف لي أن أشتري سعادتي بتعاسة هذه العائلة الحبيبة التي تحتاج لكثير من الاهتمام والرعاية والحب، والذي أبقته لي الحرب القاهرة من غال أو ثمين، معللة نفسي بمستقبل أفضل وعودة آمنة لأرض الوطن. هكذا تختم زهرة كلماتها المفعمة بالإرادة المقهورة والأمل المتصدي للصعاب وتغمض عينيها بابتسامة حزينة ودمعة نزلت من مقلتيها وهي تنظر للسماء مراقبة غروب الشمس الدافئة.

 

 

اترك تعليقاً

scroll to top