السبب السادس – أجهزة الأمن الفاسدة وممارساتها الإرهابية:

العقيد الركن فاتح حسون

القائد العام لحركة تحرير الوطن

أجهزة الأمن في سورية هي مركب أمني مكون من إدارات وفروع ومكاتب متمايزة الاختصاصات والصلاحيات، لكنها تشترك بالاستبداد والوحشية والفساد ، نصّب النظام على رأس هذا المكون الأمني موثوقيه الطائفيين لحماية أمن نظامه سامحا لهم باستخدام كل الأساليب والطرق في كافة المجالات، مانحا إياهم صلاحيات بموجب قانون الطوارئ وحصانات قانونية، جعلتهم يتدخلون في مفاصل الحياة اليومية للمواطن، بدءا بالموافقات الأمنية للزواج، مرورا بعقود آجار البيوت والمحلات، وموافقات مزاولة المهن، وغيرها، حتى وصل بهم الأمر قبل انطلاق الثورة السورية المباركة بشهور بإلزام مكاتب “سيارات الأجرة” أن يفتتحوا سجلا يعرض على “الأمن السياسي” كل أسبوع مدون به اسم الزبون، ورقم سيارة الأجرة التي استقلها، ووجهته، مع تحديد الزمن والتاريخ، وعدد المرافقين.

يُقسم المركب الأمني في سوريا إلى “المخابرات العامة أو أمن الدولة” التي تتبع رسميا لرئاسة مجلس الوزراء، ولمديرها صلاحية وزير، و”الأمن السياسي” التابع لوزارة الداخلية، و”المخابرات العسكرية” التابعة لرئيس الأركان، و”المخابرات الجوية” التابعة لقائد القوى الجوية والدفاع الجوي، ولكل منها فروع ومكاتب ومفارز على سائر الأراضي السورية، وخارجها.

لقد بلغ عدد الموظفين في أجهزة الأمن السورية المختلفة 65ألف موظف بدوام كامل وعدة مئات من الألوف بدوام جزئي، فوفقا لذلك هناك عنصر مخابرات لكل 153مواطنا سوريا عمره فوق ال15 عاما، وهي تعتبر من النسب الأعلى في العالم، فبالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال هناك رجل مخابرات لكل 257مواطنا أمريكيا، كما أن هذه الأجهزة الأمنية تساعدها “فروع حزب البعث” التي تحولت الى أجهزة تجسس شعبية تنتشر في كل المدن والقرى السورية ، إضافة إلى “اتحادات الطلبة” و”النقابات الحزبية البعثية”، كما أقنع النظام بعض السذج من الطائفة العلوية بأن يكونوا عيونا له ضمن صفوف باقي الطوائف، في الجامعات ومجالات العمل والرياضة وغيرها.

لقد غدت الأجهزة الأمنية بذلك أجهزة قمع واستبداد، وانتهاك لقوانين المجتمع وحقوق المواطن وحرمة المقدسات الدينية، فهي ترتشي، وتتجسس، وتحتجز، وتُغيب، وتَسجن، وتَغتصب، وتَقتل، دون حسيب أو رقيب، سوى ضباط الجهاز الأمني فقط، فإن شاءوا حاسبوا، وإن شاءوا تركوا، حتى أصبحوا من أعمدة السلطة. فاستخدمت الأجهزة الأمنية الاغتيالات لإنهاء ملفات بأكملها، “كاغتيال اللواء غازي كنعان لإنهاء جرائم النظام في لبنان”، وأصبح المواطن أكثر من أي وقت مضى معرضا في بيته للمداهمة ومصادرة كتبه وحاسبه واعتقاله بتهمة المساس بأمن الدولة، كما حدث مع الطفلة طل الملوحي، التي نادت بها الثورة السورية، وخرجت مظاهرات ومناشدات لإطلاق سراحها، وما زالت معتقلة حتى الآن.

هذا القمع الفكري والمراقبة الشديدة اشتدا بعد شيوع مشاهدة القنوات الفضائية الإسلامية كقناة “الحكمة، الناس، المجد”، وغيرها، وشعور الأجهزة الأمنية ببوادر صحوة إسلامية في المجتمع الذي حاولت إبعاده عن هويته الإسلامية منذ صغره من خلال المناهج الدراسية في مختلف مراحل التعليم، وتعبئة الفرد في مختلف مراحل عمره ضمن المؤسسات الحزبية البعثية، بدءا بطلائع البعث، ثم شبيبة الثورة، ثم اتحاد الطلبة، وتكريس كل الأفكار والممارسات التي تبعده عن الإسلام، تخوفا من الإسلام السياسي.

أبدع الفكر الإجرامي لأجهزة الأمن السورية وبتشجيع خارجي في إنشاء الجهاديين واصطيادهم والتخلص منهم حسب الحاجة، ومثال ذلك صناعتها “الشيخ أبا القعقاع ” الذي اغتالته لاحقا في 2007 م، حيث قال لي مسؤول نقلا عن “العقيد حافظ مخلوف” أنه هو من أمر بقتله لانتهاء دوره. كانت انطلاقة أبي القعقاع عام 2001م مع الانتفاضة الفلسطينية، حيث ألهب الناس بخطبه في “مسجد العلاء” بحي “الصاخور” في حلب، وأقام المهرجانات ونصب الشاشات. وعقب تفجيرات 11أيلول 2001م في أمريكا وإعلان الحرب على ما سمي بالإرهاب انتقل لتبني الجهاد العالمي، فزار أفغانستان لمقابلة أسامة بن لادن ولم يستطع ذلك، فتوجه إلى العراق 2002م ، ثم عاد إلى سورية ليحذر عبر خطبه مما سيحدث في العراق، وكان يفتتح معسكرات تدريب للجهاديين، ويقدم أسماءهم مع من يرتاد مسجده إلى المخابرات، وكان يوجه الجهاديين إلى فصيل يقاتل في العراق يتبع للمخابرات السورية، وفي عام 2004م صدرت فتوى من جهة غير معروفة اسمها “مركز خدمات المجاهدين ” دعت إلى ذبحه ذبح النعاج كونه خائن و”مرتد” ويتعامل مع الحكومة “النصيرية” الكافرة. فتخلى بعدها عن لحيته وابتعد عن المنابر وأصبح يطلب أن يناديه الناس بالدكتور لا الشيخ، وكشفت الوثائق لقاءه مع ابراهيم البدري ” أبو بكر البغدادي ” في دمشق. ثم عاد للمنابر في حلب الجديدة ليتكلم في الإصلاح الداخلي. وبدأ بالتحدث عن ضرورة ودور الفن والموسيقى والرقص، ليتم إطلاق النار عليه فيقتل وتطوى قضيته.

كانت أجهزة الأمن السورية تتعامل مع الجلاد والضحية في آن واحد، فكانت هي من تفخخ السيارات في فرع المزة في دمشق وترسلها لتنفجر بالجنود الأمريكيين أو المواطنين العراقيين، وهي نفسها من تدلي للقوات الأمريكية بأسماء الجهاديين وتوقيتات وممرات عبورهم. كانت الكلب الوفي للاستخبارات العالمية، فتعاملت مع الروس ضد الشيشان بالتضييق على السوريين القفقاسيين واعتقال من تعاطف منهم مع القضية الشيشانية. كما تعاملت مع “برنامج الترحيل الأمريكي”، وسجنت واستقبلت سجناء لصالح هذا البرنامج، وحققت معهم تحت التعذيب، وقتلت منهم. كما تعاملت مع إيران ضد الأنظمة العربية وأنشأت لها عدة شبكات في الدول المستهدفة، كما خصصت فرعا لضمان أمن إسرائيل وإبرام اتفاقيات وتعهدات أمنية غير معلنة أسمته “فرع فلسطين” سيء الصيت، كما قامت باغتيال رفيق الحريري لضمان سيطرة حزب الله الشيعي على لبنان، ونفذت غيرها من الجرائم التي لا يمكن إحصاءها، فاعتلت بامتياز هرم إرهاب الدولة المنظم، حتى أصبحت علنا عدوا للشعب السوري، وممارساتها سببا من أسباب الثورة على سيدها بشار.

اترك تعليقاً

scroll to top