الصفقات المظلمة    

العقيد الركن مصطفى الفرحات

رئيس تحرير مجلة بركان الثورة وعضو المكتب التنفيذي

لاتحاد الكتاب والأدباء السوريين الأحرار

تيمناً بالمقولة الشهيرة لأول امرأة تقود الدبلوماسية الأمريكية ((مادلين أولبرايت)) “إنَّ الفطور الجيدة لا تنبت إلا في الظلام”، اجتمع الرجلان (بوتين، ترامب) في قمة هلسنكي منفردين دون حاجة لأن يكون الشيطان ثالثهما، وبعد طول ترقب لم ينبُس أحدهما ببنت شفة مما دار وراء الكواليس باستثناء ما أرادوا إيصاله في مؤتمرهم الصحفي الذي ظهر للعلن.

صحيح أننا لم نعلم ماذا جرى في الأروقة المظلمة لكننا لمسنا النتائج التي كان أبسطها استدارة واشنطن، وقيام ترامب بإيداع الملف السوري كاملاً في حقيبة السياسية الروسية والتفرغ لعقلية التاجر وتحقيق المكاسب المادية حتى لو على حساب الحلفاء، فضلاً عن إيلاء الملف الإيراني والعقوبات على إيران الاهتمام الكبير والمتزايد، رغم أن مخضرمي السياسة الأمريكية يؤمنون أن العقوبات الاقتصادية على البلدان التي تحكمها الدكتاتوريات تطال معيشة الشعوب أكثر من تأثيرها على الحكام.

فمادلين أولبرايت ذاتها تحدثت ذات يوم “أن العقوبات الأمريكية ضد إيران لا تحقق سوى القليل من النتائج”.

فهل أصغى ترامب إلى قدماء ساسته؛ أم اكتفى فقط بقراءة ما يقدمه “المكتب البيضاوي” الآن؟

أما بوتين الذي حصل على آخر ورقة تخص الملف السوري من جعبة نظيره الأمريكي ترامب، وجد نفسه أمام خيوط العنكبوت المتشابكة، وأن العبث بأي منها سيؤدي إلى قطعه، فالجراحة في العضو المتفسخ عبث ومضيعة للوقت.

ومن هنا فإن اللاعب المخضرم بوتين لم يُبدِ معالم الفرح والنشوة بالنصر ذلك لأنه خَبرَ تعقيدات المشهد السوري، واستحالة تحقيق الحسم مع الاحتفاظ بالكرة على خط المنتصف، فالمونديال الدولي الذي نجح بوتين باستضافته والذي على خلفيته حقق العديد من النشاطات والاستضافات السياسية لا ينطبق كثيراً على مونديال السياسة وبشكل خاص عندما يكون الميدان مستعصٍ عن كل لاعبي الدرجة الأولى لثمانِ سنوات، وكيف لا ولَم يبقَ قاصٍ ولا دانٍ إلا ورمى بخيوطه وشباكه إلى المصيدة السورية، وتشابكت الخيوط ولَم يخرج أي منها بصيده حتى اللحظة.

–  إسرائيل:

لا تثق إلا بجيش بشار على تخومها، وفوق ذلك تريد سوريا خالية من القوة الإيرانية.

–  إيران:

تعتبر سوريا محافظة تابعة للولي الفقيه وقد استثمرت فيها إلى حد اللارجعة.

– واشنطن:

وإن عهدت بالملف السوري لبوتين إلا أنها لازالت تدعم قوى انفصالية تحركها كورقة مساومة وضغط، واليوم تلوح بها كقيمة مضافة لعقوباتها الاقتصادية على تركيا.

– روسيا:

غير قادرة ولا ترغب بفك الارتباط مع إيران مبكراً وقبل التأكد من جني المحصول.

–  الجانب التركي المتضرر الأكبر من مأساة الشعب السوري ومن الحريق المجاور على خلفية وقوفه إلى جانب المطالب المشروعة للشعب السوري، والذي تحمّل العبء الأكبر جرَّاء تدفق المهجرين الذين فاق عددهم الثلاثة ملايين على أراضيه ومثلهم في مخيمات البؤس والشقاء على تخومه، فضلاً عن التحدي الأمني الذي يؤرق صناع القرار في تركيا.

فكانت الخطة التركية لإنعاش الشمال المحرر بالخدمات وبإنشاء الجامعات فيه وغير ذلك كخطوة رائدة على طريق حل قسم كبير من مشاكل هؤلاء المهجرين.

بالإضافة إلى هذه التعقيدات يبقى التحدي الأكبر ((إدلب)) المنطقة الرابعة من خفض التصعيد، والاحتباس في عنق الزجاجة مع وجود الكم الكبير والنوعي من مقاتلي قوى الثورة والأحرار هذا التحدي من شأنه أن يشكل الرقم الصعب مع وصول مقاتلين أشداء آخرين من بقية المناطق السورية.

الأمر الذي سيفرض على إدارة اللعبة في “الكرملين” التعاطي بجدية مع المطالب المشروعة للشعب السوري في الوصول إلى سوريا تسودها الحرية والعدالة الاجتماعية، وتديرها صناديق الاقتراع واللعبة الديمقراطية، وبالتالي فإن الورقة البيضاء التركية ستكون أمر واقع يفرض على الفرقاء الإقليميين والدوليين التعاطي معه بجدية؛ لما لتركيا من ثقل نوعي وعلاقة مميزة مع الثوار ومع الشعب السوري الذي لا ينكر ما قدمه الأتراك قيادةً وشعباً له.

لن نذهب بعيداً ولن نغرق بالتفاصيل لكن من سيبقى يغرد خارج السرب، ومن سيبقى على شيمة الاغتيال والخطف والتفجير والعبث بالأمن، سيكون هدفاً لابد منه أمام الثوار الذين آمنو بنقاء الثورة والعمل الثوري الذي يأتي في وضح النهار ولا يتسلل مع خفافيش الظلام التي تطعن في الظهر.

كما حصل مع مرتزقة داعش الذين نقلهم النظام من أطراف مخيم اليرموك وفلسطين إلى شرق السويداء، ليغدروا بالسكان الآمنين الذين رفضوا القتال مع جيشه في مسرحية أصبحت مكشوفة للملأ.

اترك تعليقاً

scroll to top