((عفراء وكيماوي الغربة))                                                    

نجوى العلي

 

    كأي فتاة تحلم بالزواج والاستقرار والأسرة السعيدة كذلك كان حلم (عفراء) الطالبة الجامعية التي أوشكت على التخرج من الجامعة عندما تقدم ابن عمها لخطبتها، وتحت إلحاح العائلتين تزوجت عفراء حين كانت الثورة العظيمة يشتد إزرها في كل أنحاء سورية. وبما أن عجلة الحياة يجب أن تستمر وتستمر رغم كل ماحلّ بالبلاد من خراب انتقلت عفراء مع زوجها للعيش في تركيا هرباً من مجازر داعش التي اجتاحت معظم البلاد، وخاصة المناطق الشمالية الشرقية من البلاد، والتي كانت عفراء تعيش في إحدى مدنها. تكلل زواج عفراء بعد عام بطفلة جميلة كانت لها كل السعادة والحياة؛ ومع الاستقرار شبه المستحيل في ظل الظروف القاهرة في الغربة استقرت عفراء مع زوجها وأهله وطفلتها في بيت صغير بائس ينطق بالقهر والفقر، وسط هذا الواقع الجديد تأقلمت عفراء معه، ومرت الأيام متقلبة بين ابتسامة ودمعة لتبدأ معها عفراء بالإحساس بألم غريب يتسلل في أنحاء جسدها النحيل، شيء خفي كانت تحاول جهدها تجاهله والابتسام بكبرياء على أنه  وهن وتعب عادي يصيب كل البشر، ولكن كانت كلما وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى شعرها وحاجبيها كانت تلتفت إلى الوراء خوفاً من اكتشاف ذلك المرض الخبيث دون سابق انذار. لكن شعرها وحاجبيها كانا يتساقطان بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، وبدا هناك انتفاخ واضح في بطنها… كيف لها أن تصارح زوجها بشكوكها وخاصة أن علاقتهما بدأت تفتر منذ فترة بعد اكتشافها لعلاقة خاصة تربط زوجها مع إحدى الفتيات، ولم تكن تجرؤ على مصارحته بمعرفتها لذلك…ياالله هل من الممكن أن تتراكم كل هذه المصائب على رأسها دفعة واحدة وتفقد الحياة بلمح البصر؟؟

 قررت بعد تردد كبير وبكاء مؤلم أخفته عن الجميع؛ الذهاب لمراجعة مركز الكشف المبكر عن السرطان، وليكن بعدها ما يكون، وتُنهي شكها بيقينها حتى ولو كان مرضها قاتلا. خرجت النتائج النهائية والتحاليل سلبية تماماً، وصارحها الطبيب بانتشار الورم الخبيث بكامل جسدها، بل وأخبرها بالخبر المفجع بأنها حامل في شهرها الثالث، وعليها أن تبدأ بعلاجها الكيماوي وعلى وجه السرعة.

 عادت عفراء محطمة تماماً وفي حقيبتها كامل الأوراق والفحوصات والتحاليل المخبرية لا تعرف كيف ستزف هذا الخبر لزوجها وأهله. أتى المساء واجتمعت الأسرة على مائدة واحدة إلا عفراء التي أبدت رغبة بعدم تناول شيء، ولو على سبيل مجاملة طفلتها الصغيرة… وأخيراً تشجعت وأخبرت الجميع بقصة مرضها وحملها، انتظرت عفراء من الجميع المفاجأة الموجعة والتعاطف العفوي كما كل البشر، وخاصة من زوجها ووالد طفلتها وابن عمها … انتظرت أن يأخذها بين ذراعيه ويعزيها ولو بكلمة، ولكنه سكت من غير حراك شاحب الوجه متابعاً تناول طعامه بطريقة قتلت كل بارقة أمل في قلب عفراء… مرت الأيام وبدأت رحلة العلاج بالكيماوي بعد أن أجهضت جنينها، وراحت تتردد على مركز المعالجة لوحدها دون مرافق، فقد ذهب ذلك الزوج لمتابعة حياته وملذاته متناسياً الزوجة المريضة المحطمة والأم المكلومة التي قُتل جنينها في بطنها، فهو بكل الأحوال لن يبصر النور.

 كانت كلما زادت حالة عفراء بالمرض والعلاج واشتد عليها الألم كلما زاد وجعها وحزنها، وفي يوم من الأيام طلب منها زوجها مغادرة المنزل دون عودة فهو غير مجبر بإيوائها دون فائدة، وكان ذلك وسط صمت من الأهل جعلها تكاد تفقد عقلها… توجهت لمركز العلاج وطرحت لهم مشكلتها فوافقوا على إقامتها في المركز لفترة محددة مصطحبة معها طفلتها فلربما تفقد حياتها في أي لحظة وتحرم الطفلة من حنان أمها، وربما يكون هناك بارقة أمل في الشفاء والحياة لأجلها. انتهت المهلة المحددة لبقاء عفراء وطفلتها في المركز واستلزم مغادرتها لتبحث عن مأوى آخر… بعد عدة محاولات وتوسلات وافق الزوج والوالد على عودتها للمنزل فعادت عودة الحي الميت.

 منذ فترة تقدمت عفراء لمكتب الأمم المتحدة لتطلب منهم فرصة سفر وإكمال علاجها إلا أن أوراقها أوقفت في تركيا لعدم استكمالها بشكل قانوني، وخوفاَ من الترحيل ألحت عفراء على طلبها للسفر وإكمال العلاج، ورغبة منها بقضاء ما بقي لها من أيام قليلة بعيداً عن القهر الذي ألم بها منذ أربع سنوات منذ زواجها، وهروبها من تنظيم داعش الإرهابي الذي قتل إخوتها الشباب. ووسط هذا الضياع والقهر تنتظر عفراء بصبر واحتساب قرار الأمم المتحدة بالنظر إلى قضيتها بعين الإنسانية والرحمة للسفر، وإكمال العلاج أو لتجد لها قبراً دافئاً يحتضن جسدها المتعب المتلف الذي اقترن به ذلك المرض الخبيث في كل خلاياه وأعضائه ….

اترك تعليقاً

scroll to top