أنت وأبناؤك  والهاتف المحمول

إعداد نزيه حرفوش

كثيرة هي التقنيات الحديثة التي جاءت بها الثورة الرقمية  والتكنولوجية  والتي أثرت في حياة البشر تأثيرا واضحا بينا،  من هذه التقنيات التي ظهرت للعالم هي تقنية الاتصالات التي بدأت تتطور من جهاز سلكي إلى جهاز محمول بدا على شكل هاتف صغير الحجم مهمته تأمين تواصل المكالمات الصوتية، وانتهاء بجهاز له الكثير من الميزات التي تغنيك عن حاسوب محمول، إضافة إلى مهامه الرئيسية الصوتية  والمرئية.

لاشك أن هذه الأجهزة المتطورة التي وفرت على البشرية الكثير من الجهد والعناء ووضعت بين أيديهم ما يحتاج  المرء إلى سني عمره للحصول عليه إن استطاع، فبضغطة زر يستطيع  الحصول والوصول إلى ما يريد، لا شك  أنها نعمة ومنة من الله سبحانه وتعالى من بها على عباده لوأحسن استخدامها، فقد قربت البعيد وجمعت الشتات، فلم يعد من بُعد بين الأهل والأصحاب فبإمكان المرء التحدث مع من يريد وأين يريد صوتا وصورة.

ولكن مما لاشك فيه أيضا  أن هذه الأجهزة المتطورة باتت خطرا محدقا ووباء جارفا  يهدد الأجيال الصاعدة ويدمر البيوت العامرة ويخرب العقول النيرة.

 ولم يقتصر حمل هذا الجهاز  واقتناؤه على الطبقات الراقية ورجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، وإنما أصبح بمتناول الصغير والكبير.

هذا الجهاز فيه الاتصال الهاتفي والاتصال المرئي، وبرامج التواصل والمحادثة بكل أنواعها، والتصوير الفائق الدقة، وبرامج التسجيل العالية الجودة وبرامج الألعاب المتنوعة وغيرها من المزايا والمواصفات المتاحة.

بإمكانك أن تدخل حيث شئت وأنى شئت إلى الفيس أو اليوتيوب أو مواقع النت المتاحة والغير متاحة وبإمكانك أن تحمل المقطع الذي تريد ومجانا، أو الفلم الذي ترغب أو الرسالة التي تحب، فكل ما كان ممنوعا أصبح بمتناول يديك مادة قدمت كافة التسهيلات للحصول عليها.

فأنت أيها الأب المسلم الغيور لاحرج عليك أن تقتني هذا الجهاز ليعينك على كل حوائجك العلمية والمالية والعملية، لتتمكن من إدارة عملك وأنت بعيد عنه، ولتتمكن من الحصول على معلومات بحثك الذي أنت بصدد كتابته، ولتتمكن من سرعة عقد صفقاتك التجارية أو تبادل الأخبار مع زملائك والتواصل مرئيا مع إخوانك الذين لم ترهم من  سنين طويلة، الأمر الذي يسر شؤون الحياة.

ولكن المصيبة أن هذه الأجهزة باتت بأيدي أولادنا الصغار وبناتنا الصغيرات قبل الكبار، فما حاجتهم إلى مثل هذه الأجهزة المتطورة الفتاكة والقاتلة وهم مازالوا في قيد البناء والتربية وضمن قواعد المراقبة الأبوية ؟؟!!!

نعم فتاكة لأنها فتكت بقيم وأخلاق أبنائنا ، فالشاب  الذي يحمل مثل هكذا جهاز، وكل الأبواب مفتحة وكل أسباب الانحراف متاحة فيه ومتوافرة ، وهي كفيلة لوحدها لتدمير منظومة الأخلاق والقيم التي نربي عليها أبناءنا، فالدخول إلى مواقع النت السيئة والمريبة، وبرامج التواصل مع كل من هب ودب ومقاطع الفيديو والصور التي يتبادلونها عبر الانستغرام وغيره من البرامج لم تترك حاجزا بين شاب أو فتاة ولم تحفظ سرا لعائلة.

فكم هي المصائب التي نقع فيها أو نسمع عنها حصلت لشبابنا أو فتياتنا،  وكم من بيوت دمرت بعد أن كانت عامرة بالقيم والمثل الإسلامية الراقية أصبحت بصورة أو مقطع صوت أو فيديو قاعا صفصفا وأنقاضا نقف على أطلالها نندب ما جنت أيدينا.

نعم هي قاتلة فقد قتلت روح الطهر في أبنائنا   و قتلت الوقت الثمين الذي نحن مسؤولون عنه أمام الله سبحانه لأبنائنا حتى بتنا نسمع عن مراكز علاج إدمان الهاتف المحمول  .

فأنت أيها الراعي المسؤول عن رعيته؛ وأنت أيتها الأم المسؤولة عن رعيتها من تقصيركم في حق أبنائكم وفي حق أنفسكم وفي حق دينكم وصول هذه الأجهزة لأيدي أبنائكم دون رقيب أو حسيب، وأنّا تكون الرقابة وكل شيء فيه متاح ومسموح، ولا تستطيع السيطرة عليه طالما وصل الجهاز ليد يجرها حيث يريد دون مقاومة وأنت من أعطى ثم الجهاز أو رضي بشرائه واقتنائه.

 

تقصيرك في حق أبنائك

لأنك ما تبنيه في ولدك وماترجوه منه تهدمه بعاطفتك وتساهلك وربما عدم اكتراثك والله سبحانه وتعالى يقول{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وكيف تكون الوقاية إن لم نكن الرقباء والرعاة الأمناء عليهم

  • سيتعلم الولد أو الفتاة الكذب والغش والخداع ليغطي على أخطائه التي جرها إليه هذا الجهاز وأنت المسؤول، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسرول عن رعيته» قال: – وحسبت أن قد قال – «والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته).

  • سيسعى إلى إرواء غريزة نفثت فيها سموم صممت لإغوائه، والإيقاع به حيث يبيت ولارقيب عليه ولاحسيب،يرتع من مستنقعات الغواية التي سكب المتربصين فيها كل قاذوراتهم؛ ونصبوا كل أنواع شباكهم للإيقاع بشبابنا وبناتنا وتدمير الحصن الذي يتحصنون به ألا وهي منظومة الأخلاق.

  • سيدخل إلى برامج الدردشة والتواصل التي سيضيع في متاهاتها، وأنت المسؤول وأنت من سيجني ثمار تقصيرك ويتحمل مسؤولية إهمالك وستتجرع كؤوس الندم حيث لاينفع الندم.

  • سيتحول الجهاز إلى وحش مفترس بين يديه يلتهمه شيئا فشيئا،يلتهم أخلاقه وسلوكه ووقته ويلتهم مستقبله الذي يقضي عليه بلمسات وإيقونات النت وتوابعه .

  • ولا نريد الحديث هنا عن الأضرار الطبية التي تلحق بالجسد عامة والنظر خاصة نتيجة الساعات الطويلة التي يقضيها الشاب والولد على الشاشة الصغيرة .

  • ربما تحاول الإصلاح بعد فوات الأوان ولن ينفعك فما كنت تبنيه تهدم برعاية غفلتك وتهاونك.

  • وإن أدرك الولد صحوة تنقذه من ضياعه سيلقي عليك باللائمة لأنك لم تحسن تربيته ولم تكن الرقيب الحازم الحاني عليه .

تقصيرك في حق نفسك

 فالولد ثمرتك ونتاجك ومشروع حياتك في دنياك وآخرتك،  إن لم تحسن تربيته ستلاحقك لعنة فشل تربيتك لولدك في حياتك وبعد مماتك فلن يكون الولد الذي يحنو عليك في كبرك ولن يكون لك الولد البار الذي يدعو لك بعد موتك.

تقصيرك في حق دينك

 لأنك مأمور بحسن تربيته وتنشئته، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) فالذي يفتتن بهذا الجهاز وما فيه سيضيع وتضيع عبادته وكما قال الشاعر:

( وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه ) .

فلذلك أيها الأب الغيور على حسن تربية أبنائه إياك أن تترك هذا الجهاز بين يدي أولادك  في سن مبكرة قبل الثامنة عشرة من عمره على الأقل، حيث لايحسن استخدامه، فلاتأخذك العاطفة الأبوية ولا الأوهام العصرية ( دعه يجرب أو يتفتح ) وتذكر سوء العاقبة والنتائج الوخيمة، وتذكر أن حسن تربيتك لأبنائك لا تنعكس إيجابا على بيتك وولدك ومستقبلك، وإنما على المجتمع بأكمله، فهو مشروع خلية أسرة إن صلح صلح نتاجه وصلح بناؤه .

والعاقل هو الذي ينظر بعين الحكمة والحيطة في تعامل الأبناء مع هذه الأجهزة المتطورة التي جرت الويلات على كثير من الشباب والفتيات وتهدمت بسببه أسر كانت تحت ستر الله تعالى ورحمته  والله أسأل أن يصلح حالنا وحال ابنائنا وبناتنا وابناء وبنات المسلمين.

اترك تعليقاً

scroll to top