ورحلت ….أيقونة الثورة مي:

إعداد مكتب المرأة / عبير الحسين

 ربما لم تكن ولن تكون السيدة مي سكاف- التي ستبقى ذكراها باقية في الوجدان- حالة استثنائية للمرأة السورية، إنما تمثل سيرة لا تنسى من سلسلة عطاءات فذة ومواقف رفيعة للمرأة السورية وما قدمته إلى جانب الرجل في طريق بناء دولة الحرية والكرامة البعيدة عن الاستبداد، وهو ما عكسته بمقولتها التي صدحت بها “إنها سورية العظيمة وليست سورية الأسد”.
(ورحلت أيقونتنا)
مي سكاف فنانة من بلدي سوريا، لكنها ليست ككل الفنانين، إنسانة حملت في قلبها النابض حبا لوطنها، وحلما منشودا بالحرية والكرامة؛ دفعاها للمشاركة بالثورة منذ ولادتها الأولى والخوف يتملك حناجر المتظاهرين المنتفضين ضد النظام المجرم…هي أيقونة سورية بكل ما تحمل الكلمة من معنى, من أبرز رموزها المعطاءة, ومن أبرز وجوه النضال السلمي الراقي, فيها تجلت جوانب المرأة السورية الشامخة الثائرة , المناضلة , التي تأبى الذل والإهانة والرضوخ للطاغية .
شاركت في أغلب المظاهرات والاعتصامات السلمية منذ انطلاقة الثورة عام 2011م من قلب دمشق, اعتقلت مرتين بسبب نشاطها السلمي, ولم ترضخ لما كانت عصابة الأسد تريده منها من تغيير موقفها وسلوكها تجاه الثورة ومناصرتها لها لغيرتها على ذلك المولود “الثورة”, ولم تنجح تلك العصابة الجائرة في ثنيها عن مسيرتها, فغادرت دمشق في العام 2013م, إلى الأردن ومنه إلى باريس لتبقى الثورة وأهدافها حاضرة في كل نشاطاتها وفعالياتها.
قامة ثورية بامتياز ,كانت خير مثال للفن الحر ، الفن الذي يعكس واقع الشعب ومعاناته وهمومه وكذلك طموحاته، آمنت بنقاء الثورة وعظمتها, واستمرت على نهجها في النضال السلمي حتى آخر يوم في حياتها.
رحلت الأيقونة …وأفل النجم الجميل, إلا أن ما آمنت به سيبقى بازغا ساطعا تتناقله الأجيال، وتنزل هي وما حملته من مبادئ وقيم منزلة الشعاع من السراج على حد ما وصف به جبران خليل جبران المرأة.
اختارها الموت مبكرا دون أن ترى ما خرجت لأجله أو تحقق أمنيتها بأن يضم تراب سوريا جسدها العليل بالحب والحنين، وهو ما عكسته بقولها لي ذات مرة (ما بدي موت برى سوريا) الذي يدمع عين كل من يقرأه أو يعيش بعيدا عن تراب بلده كحالتها.
مي سكاف الأيقونة التي رحلت دونما استئذان منا تتشارك مع غيرها فيما تحمله الأنثى ،ذلك المخلوق العظيم من تناقضات جميلة، الكبرياء والرقة، الأنوثة والقوة ، فلقد تجلت أنوثتها في عاطفتها الجياشة وحنينها للوطن والأرض والهواء والأهل ، إلا أنها كانت قوية صامدة صمود قلعة دمشق ، صلبة صلابة قاسيون ،وهي التي قالت لضابط المخابرات في نظام الأسد(لا أريد لابني أن يحكمه ابن بشار الأسد) لتعكس بذلك جرأة وجسارة منقطعة النظير، وعمق العقم السياسي الذي أوصل نظام الأسد البلاد إليه معلنة رفضها له مهما كلفها ذلك من ثمن ، صدم الضابط من كلامها فقالت له :ما بك , اكتبها كما قلتها …ورددت نفس الجملة على مسامعه مرة أخرى .
شموخ وكبرياء عظيمان ,لا يخرج إلا من شامخة عزيزة النفس قوية الروح ,كيف لا وهي التي كانت تقول (هي ثورتي حتى الموت).
رحلت مي سكاف عن الوجود المادي دون أن يفارقها الأمل بما حلمت به لسورية من تقدم ورقي ، وكانت سباقة في كل المحافل الثورية الهامة والمفصلية التي عكست مواقف النخب الفنية الثورية.
إن آخر ما كتبته يبدو وكأنه رسالتها الأخيرة لنا بألا نفقد الأمل ونبقى بوهج ثورتنا حتى نسترد سوريتنا من طغاة العصر.
إنها تحملنا مسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة بأن نُخلص لثورتنا وسوريتنا, ونعيدها عزيزة كريمة كعزة وكرامة أهلها ولنصنع غدا أجمل ببلد خال من الظلم والطغيان كما حلُمت.
مي سكاف …أنتِ في ضمير وقلب كل سوري حر شريف ثار ضد الطغيان, لن ننساك, وسنكمل طريقك, وسنحقق حلمك وحلمنا ، ولن نبيع أهلنا السوريين الذين قلت عنهم في رسالتك للعقيد فاتح : بشار .. “بالفعل يبيعهم بأبخس الأثمان .. ويعتبرهم وقودا لبقائه”.

Share this post

اترك تعليقاً

scroll to top